|
ثنائيه من فاســــــــطين
1 ـ المعتقل
هذا هو مفترق "مجدو" التاريخي، هنا انتصر المصريون الفراعنة علي الآشوريين منذ 5000 عام، وهذا هو الحاجز العسكري الذي يفصل "أم الفحم" عن "جنين"، " أم الفحم" التي اقتحمها " مائير كاهانا " يوماً ما وأخذ يصرخ في سكانها: "أيها العرب .. اخرجوا من ديارنا"، ولم ينس الفلسطينيون له هذا فبعثوا به للجحيم فيما بعـد. الأهالي الذين يمرُّون بهذا الحاجز يواجهون الإذلال وغطرسة جند الخرافة كل يوم، والشارع الذي يمر بالمعتقل يمكنه ـ لولا هؤلاء الجند ـ أن يأخذك حتى "حيفا"، سوف تمر بالقرى القديمة: الخضيرة ونورس والصبارين وقيسارية والسنديانة، القرى التي هُجِّر أهلها قسراً لمخيم "جنين"، وسوف تستنشق عبـير الحمضيات وتعبأ صدرك بهواء البـحر ..
لكن المعتقل الذي كان يستقبل الصباح، كانت طوابقه تضيق بكثرة المعتقلين. الأيام تمضي عليهم لا يعرفون نهاراتها من لياليها، ليس هناك من تهمة أو محاكمة إلاًّ أنهم شباب يمكنهم حمل السلاح ومقاومة المحتل. كانت الصلة منبتة بينهم وبين الخارج، والحراس الأغبياء بأسلحتهم لا يعرفون سوى المنع. لكنهم استيقظوا هذا الصباح علي الصوت المدوي للانفجار، الانفجار الذي هـزَّ أركان المعتقل من أصوله، وحملت إليهم شظاياه بقايا السيارة الملغومة التي أخذت معها الحاجز وغطرسة الجند الذين كانوا عليه، لم يكونوا بحاجة للتخمين، ولم يقل لهم أحـد عن العملية الاستشهادية الجديدة، فقد رأوا الرعب في أعين الجنـد. راحوا يهللون ويكبِّرون بأصوات أفزعت الحرَّاس، الذين رفعوا السلاح وراحوا يطلقون الرصاص في الهواء لإخافتهم، فلقد كانوا موقنين بأن هؤلاء لو تمكنوا من الخروج، فإنهم سيشقون طريقهم بسهولة ـ دون حاجز ـ نحو قراهم القديمة وصولاً حتى بحـر حيــفا.
2 ـ الشهـيد
"ما بديش أبكي عليك يا حمُّود .. ما بديش أبكي عليك يا وليدي .. عارفة إنك رايح عند الله في الجنَّة .. سلِّم لي يا وليدي على إخوانك الشهداء ..".
صوتها الصريح يخاطب ولدها الشهيد بمزيج من الوعي والغياب، من الحقيقي والأسطوري، من حب الوطن وحب فلذة كبدها، هل كانت تدرك بإحساس مسؤول أن مئات العيون ترصدها في هذه اللحظة؟ عيون كاميرات المراسلين، عيون الأمهات والأخوات، عيون الرفاق بوجوههم الملثمة في كتائب الشهادة، عين شمس النهار، عيون الطيور المحلقة في الفضاء، عيون الفراشات على الأزهار.. كل العيون ترنو إليها وتنصت لها وهي تخاطبه:
" ما بديش أبكي عليك يا حمُّود ..".
كانت واثقةً بأن "حمُّود" يسمعها الآن، ولو كان بإمكانه القيام من مرقده لتناول كفَّيها وأوسعهما تقبيلاً، لكنها هي التي مالتْ وكحلتْ عينيها بملامح وجهه الملفوف بالكوفيَّة الفلسطينية، وقبلتْ جبينه القبلة الأخيرة قبل أن يرفعـوه على أكتافـهم ويمضون به لمثواه الأخير..
عرفتْ أن ابن رحمها رجع لرحم الأرض فرجعتْ لدارها.
لما جاء الليـل وانفضَّ المعزُّون، طلبت من ذويها أن تختلي بنفسها. أوصدتْ باب حجرتها وانفجرتْ في بكاءٍ مريرٍ، ورغم أنها كانت تبكي بوشلٍ من الدمع الغـزير، فإن شفتيـها كانتا تفتران ببسمة ظفــر!
|