شراره تنطلق من جديد في مرور ذكرى الانتفاضه الاولى
في منتصفِ الليل و مع نسماتِه الباردة اللعوبة انطلقت تنهيدهٌ حارة من فم كمال و لا زالت عيناه متسمرتان على بوابة قسم الولادة في مستشفى الشفاء ، لاحظ الشخص المجاوِر له في المقعد انتظاره و قلقه : المولود البكر ..قالها بخفوت و هو يجُسُ مزاج كمال ليبدأ حواراً قد يسليهِ هو الآخر.
- أيوه و ربنا يستر . قالها كمال و هو ينظر نحو السقف و كأنَهُ يدعو.
* ارتفع صوت يوسف وقد ارتاح لطريقة كمال في الحديث : لا تقلق المرَّة الأولي بتكون صعبه و طويلة
- هو إيش إللي مش صعب و لا طويل هالأيام، الله يعين الجميع
* معاك حق ... الواحد بطل يأمن على حاله في أي مشوار، بيطلع صحيح و بيرجع الله يرحمُه .
قاطعه صوت دوي متقطع و جلبة في الخارج .. ليصيح الإثنان معاً : الجيش ! كتدافع قطيعٍ ضلَّ راعيه تدفق الجنود عبر البوابة ليقف كمال و صديقه متوفزين .. انثنت أصابع يديهما على الرغم منهما و هما ينتظران الخطوةَ المقبلة للجنود ، أدرك ضابط المجموعة توجسهما و هو يستمع إلى أنَّات النساء بالداخل فقال بلغته الركيكة : ما بندور على نسوان .. بدنا مخربين . تراخت قبضة كمال قليلا ليقول بصوت أجش : ما فيه مخربين في المستشفى . شزرهُ الضابط و هو يقول : و هذول إللي بتخلفوهم مش مخربين .
بادله كمال النظرات و هو يغمغم : خراب على روسكو إن شاء الله . ركلات عنيفه أنهت الموقف ليغادر الجنود المستشفى كعاصفة الرمل .
_ الله يسامحك ، إيش بدك فيهم ؟ خليه يخلص كلامه و يمشي . قالها يوسف بإنكسار و هو يُعين كمال على النهوض .
* يا سيدي ... المرة الأولى بتكون صعبه .
أدرك يوسف استهزاء كمال به و هو يُكرر عبارته الأولى :
- إتمسخر زي ما بدك ، قلي إيش استفدت !
* قُلي إيش خسرت ؟
- زفر يوسف بغيظ و هو يلعن في سرِه حظَّـه العاثر الذي أوقعه مع متهور كــكمال و قرر أن يلزم الصمت حتى يظفر بوليدِه و يغادر المستشفى .
************************************************
* كم أخ عندك ؟
- رد يوسف باقتضاب : سبعه .
* و الصغير كم عمره ؟
- تمنتاعشر سنه ،
* بيشتغل ؟
- أيوه ، عند اليهود .. بيروح يلِم البرتقال من مزارعهم في الصيفية .
* إييه يا زمن .
- إيش مش عاجبك
* ليش ما يعجبني ، الواحد بيطفح الدم من الصبح للمساء في هالباطون و يا دوب ملحِق حاله ..
- الله بيعين .
* كريم و ما بينسى عباده .
يتحسس كمال صدره بألم و يرمقه يوسف بإشفاق و يقول : بكره بتخف و لا يهمك ، المـ.. ، قاطعه كمال بسرعة : المرة الأولى صعبه . ضحِكا بصوتٍ مرتفع . ليتسيدَ الصمتُ المشهدَ مرةً أخرى تقطعُهُ تثاؤبات ساخطة و التفاتات متكررة نحو الساعة المُعلقة في الجدار .
* ما بتزهق هالساعة رايحه جايه ؟
- أدرك يوسف ملل كمال و رغبته في تمضية الوقت ، فردَّ بابتسامه باهته و إيماءه بلا معنى : حدا بيزهق من قدرُه .
* و إحنا اليهود قدرنا يا يوسف ؟؟!
- ايش اللي جاب السيرة مرة ثانيه .
* تابع كمال و كأنه لم يسمع احتجاج يوسف : خلاص حاطيين روسنا بين هالروس .
- يا كمال يا حبيبي بكره لما الله يريد بتتحرر البلاد .
* و وين الشرارة اللي تقيد النار .
- إيش قصدك ؟
* قصدي لما الله يريد .. لازم يكون فيه ناس جاهزين .
- شكلك أول مرة تاكُل علقه من الجيش .
* و شعبنا أول مرَّه كمان ؟؟
- و لا آخر مرَّه
* عارف إيش بدِي أسمي أول مولود ؟
- إيش
* لو بنت حأسمِيها : تحرير .. لأ ثورة .. كِفاح
- سمِــيها انتفاضه أحسن .
* أييييوه اسم حلو .
- أنا لو ولد حأسميه : فرج ، عشان ربنا يفرِّج على عقول بعض هالناس . خاطرك
التفت كمال ليشاهد سيده كبيره في السِن تستند إليها زوجة يوسف الذي انطلق ليُهنِئ بالسلامة و يدعو بطيلةِ العمر غيرَ عابِئ الناس من حوله، بادل يوسف التبريكات .. أخذ عنوانه على وعدٍ بالتواصل و الزيارات. مع تباشير الفجر الأولي كان كمال يحمل ابنتَهُ البكر و التي قرر فعلا أن يُسميها (انتفاضه) ، لم يدرِ هل هو العناد أو أن الاسم أعجبه حقاً .
****************************************
بعد سبعة أشهر و في صبيحة السابع من ديسمبر 1987م انطلق كمال مع رِفاقِه يبحث عن عمل .. تُراقبُهم عيونٌ ضيقة و يدٌ آثِمة متعطشة .. تنطلق الشاحنة مسرعةً لتدهس الرفاق الستة وتهمد الأنفاس على الطريق الإسفلتي الأسود .. لفظت آمالَهم أنفاسها الأخيرة ، تقَطَّع صوت كمال و هو يصيح بأعلى صوتِه : انتفاضه .. انتفاضه .. إنتفا..
على مسافةِ ساعةٍ من عيُونِهِ الذابلة كانت صغيرتُه تضحكُ و هي تحاول أن تأخُذ الحصاة الصغيرة من يدِ عمِها الصغير و هو يأبي و يقول لها : لسه صغيره و لما تـ .. قاطعتهُ طرَقات متردِدة على الباب :
* مين ؟
- أيوه أنا .
* خير يا أبو يعقوب ..
- أنا من الآن و طالع : أبو فرج .
* يا راجل سيبَك من أسامي الختايرة .
- أبو فرج يمكن ربنا يفرجها علينا و تتغير الأحوال .. مبروك عليك أخوك شهيد
قالها و استدار عائداً و أصوات الرحمات و الغفران تنخفض رويداً رويداً في أذن الأخ المبهوت و جسمُهُ يرتج بالغضب بينما كانت الصغيرة انتفاضه تزحف نحو الباب و تتكئ عليه و لأول مرة في عمرها الصغير تقف دون مساعده
كبُرت الانتفاضتان .. و لا زالت الحكايةُ تتجـــدد .