|
Banned
تاريخ التسجيّل: Aug 2002
الإقامة: :
المشاركات: 7,916
|
العلاج بالفضضه
في الحارات.. تجلس النسوة أمام باب الدار تتكلمن مع الجارات بصوت يستطيع القادم من بعيد أن يسمعه.. تشكين من قسوة الحياة.. وعنف الزوج.. وهموم الأولاد وضيق الحال.. بينما يجلس الرجال في المقهي يلعنون بنفس درجة الصوت الزوجات ورؤساء العمل.
في الطبقات الوسطي.. تتقابل الفتيات والنساء في البيوت.. يندبن حظهن.. فهناك من تزوج عليها زوجها.. وهناك من انجرف ابنها المراهق في طريق الادمان.. وهناك من تعاني صدمة فشل الحب الاول.. أما الرجال فلا يجدون وقتا للشكوي إلا نادرا حين يلتقون صدفه بأصدقاء أيام الدراسة فيومهم ضائع في الجري وراء لقمة العيش وفي الطبقات الغنية.. يتخذ بعض افرادها جانبا في الحفلات وموائد العشاء والنوادي يتبادلوا الأسرار.. التي يفضل بعضهم البوح بها في عيادات الأطباء النفسيين.. كل هؤلاء.. في الحقيقة.. يمارسون الفضفضة كل بطريقته ـ دون أن يدرك معظمهم أن للفضفضة أصول يوضحها الدكتور أحمد خيري حافظ أستاذ علم النفس كلية الآداب جامعة القاهرة مؤكدا أن الفضفضة تعني طاقة زائدة داخل الانسان من الأخطار والاسرار والقضايا وهي أقرب ما تكون إلي طاقة البخار المكتوم التي يجب أن تخرج حتي يستقر الوعاء, وإلا ستصبح مصدر خطر شديد.
حزام الخطر
لكن هناك شروط ومواصفات للفضفضة ؟.
أولا: أن تكون الفضفضة لمن نحبهم ويحبوننا, ذلك أن الفضفضة بها جزء من تعرية الذات والانسان لا يتعري أمام الغرباء,
ثانيا: أن تكون الفضفضة للأكثر عقلا ونضجا, فلا يجوز أن نبوح بأسرارنا لمن تغلب عليهم الانفعالات.
ثالثا: أن نكون صرحاء ونفضفض عن مخاوفنا ومتاعبنا ومشاكلنا بغرض البحث عن حل لا لتشويه صورة الآخرين وأقل ما نطلبه من الأشخاص الذين يصغون إلينا هو الفهم ثم المساندة ثم النصيحة, فإذا ما افتقدت الفضفضة هذه العناصر الايجابية أصبحت بلا معني, رابعا: أن نعرف دائما أن هناك ما يسمي بحزام الخطر.. فهناك امور محظور علينا تماما أن نبوح بها, لأننا بذلك نعطي الطرف الآخر السلاح الذي قد يقتلنا به يوما ما فلابد أن نكون علي وعي بأي الموضوعات تصلح للفضفضة وأي الموضوعات التي يجب أن تدفن في القبر الداخلي للنفس ولا تخرج أبدا!!
ومن المهم جدا.. ألا تفضفض المرأة لامرأة أخري ـ فالعلاقات النسائية تحكمها المشاعر أكثر مما يحكمها التفكير العقلاني ـ ولا تفضفض المتعلمة للجاهلة, ولا المحبطة لمن هي أكثر احباطا منها, ومن الأفضل فضفضة الرجل للمرأة, والمرأة للرجل, وذلك بالطبع يخضع لشروط هي أن يكون الطرف المستمع والذي يعطي النصيحة من كبار السن, لضمان ألا تستغل ثغرات الفضفضة في السيطرة علي الطرف الآخر, فالفضفضة من بدايتها إلي نهايتها عملية صحية طالما كانت محكومة في إطار منطقي وعقلاني بضوابط قوته, ولا نستطيع تجاهل دور الأم الرائع علي مر الأجيال في الاستماع لفضفضة الأبناء, يليها دور الأب الحكيم, وأعضاء الأسرة من كبار السن بخبراتهم الطويلة.
واسأل د. أحمد خيري حافظ بصراحة.. هل يمكن للزوجة أن تفضفض لزوجها بكل ما يدور بخلدها.. وهل يمكن أن تتخذه صديقا في كل الأوقات؟
هنا يبتسم بتحفظ ويقول:
بصراحة لا استطيع أن أنصح بذلك.. فهناك مساحة من الخصوصية والاستقلال ينبغي أن تتوافر بين الزوجين, حتي لا تستغل عند نشوب شجار بينهما ففي المجتمعات الشرقية توجد محاذير كثيرة بين الزوجين, يستثني في ذلك الأزواج والزوجات الذين يتمتعون بمستوي عال من النضج العقلي والتفاهم الذي يسمح بتبادل كل الأسرار.
بكاء النساء
في الحياة.. ماهي أهم الموضوعات التي يضيق بها صدر المرأة وتريد أن تفضفض بها؟
أكثر الموضوعات قابلة للفضفضة هي المصحوبة بالألم, والوجع, والفشل, والخيانة, والفضفضة عند حواء مملؤة بالتفاصيل, والقضايا الجانبية فيها أهم من القضايا الجوهرية, وهدف الفضفضة عند المرأة غالبا ليس الوصول إلي حل, بقدر ماهو الوصول إلي الراحة, لذلك تختص فضفضتها غالبا بالبكاء, أما فضفضة الرجل فهي أقرب إلي استشارة خبير, الهدف منها إيجاد حل للوصول إلي شاطئ الأمان, وعموما فإن معظم الأمراض النفسية التي تبدأ بالقلق وتنتهي بالاكتئاب يكون سببها غياب الفضفضة, فعندما يدخل الانسان الشرنقة الذاتية, ويعايش أزماته دون شريك ودون سند, فإنه يسقط فريسة للأمراض النفسية, في حين يعيش الانسان الذي يخرج ما بداخله أولا بأول في حالة صحية جيدة.
الغرف المغلقة
ويختلف سلوك الفضفضة من ثقافة إلي أخري, ففي البيئة الشعبية يتخذ صورة إيجابية وواضحة, وغالبا ما تتم في الطرق وعلي مرأي من الناس, في الشارع أو الأتوبيس, ويشارك فيها الغرباء, ويطلق علي صاحبها عبارة إللي في قلبه علي لسانه, أما في الطبقة المتوسطة فهناك قيود أكثر علي سلوك الفضفضة, التي تتم في الغرف المغلقة.. أما في الطبقات الغنية فغالبا ما تكون الفضفضة للأطباء النفسيين, وذلك لشدة الخطورة والأهمية!!.
ماذا عن الانسان الصامت الغامض.. الذي لايخبر أحدا أبدا بما يجيش في صدره, ولا يعرف عنه الآخرون شيئا؟
الانسان الصامت انسان خائف وشكاك, يتوقع الخطر كل يوم وكل لحظة, فهو يقاتل من أجل الاحتفاظ بما في داخله, والاطفال هم النموذج المثالي للمفضفض فهم يتحدثون عما في داخلهم بتلقائية, وهناك مقولة للسيد المسيح عليه السلام كونوا بسطاء كالأطفال, والفضفضة للبالغين أفضل من الكتمان حتي لو كان المستمعين علي أسوأ الفروض أشخاصا غير مناسبين فهذا أفضل صحيا وأقل ضررا من كتمان الآلام والأحزان بين الضلوع, فعدم الفضفضة يعني مزيدا من المعاناة والألم, وما نتعرض له من مخاطر في كتمان الاسرار يفوق تلك التي نتعرض لها من مخاطر الفضفضة.
وغياب الفضفضة هو سر جميع الأمراض النفسية التي تبدأ بالقلق وتنتهي بالاكتئاب فالمكتئب غالبا ما يكون صامتا كتوما لا يتفوه بحرف, يشعر أن الكلمة كالسيف يمكن أن تقتله, في حين أن قتله يتم بالفعل بحبس الكلمات داخله, هؤلاء المرضي أنصحهم بالعلاج والمناقشات الجماعية, وهي شكل من أشكال الفضفضة يجري في بعض العيادات النفسية, ويسمي حاليا بتيار الفضفضة الصحي.
هل هناك محاذير ومفاتيح لسلوك الفضفضة؟
بالطبع هناك بعد ديني في أمور الفضفضة, وهو البعد عن الغيبة والنميمة, وما إلي ذلك لأنها جزء من الذنوب, فيجب ألا نفضفض علي حساب الآخرين.
هناك مقولة معروفة أن من ضاق صدره بأسراره لا يستطيع كتمان أسرار الآخرين.. فما قولك د. حافظ؟!
غير صحيح, فليس قاعدة أن كل من يفضفض فيما يملكه من أسرار يبوح بما يملكه من أسرار الآخرين لأنها لا تمثل له طاقة داخلية مؤلمة وتريد أن تخرج, أنما أسراره فقط هي ما تؤلمه وتود الخروج للبحث عن طاقة نور.
|