|
صرخة أمينة ونعمة وحسام: الجامعة في مصر بيت ذل.. وغضب
صرخة أمينة ونعمة وحسام: الجامعة في مصر بيت ذل.. وغضب

بدء محطات إذاعية مصرية متمردة كان أحد أهم تداعيات حراكٍ سياسي (خض) الشارع المصري خلال العام الحالي.. الذي يوشك علي الرحيل مسلما مصر إلي عام ٍ جديد، يترقب الجميع ما سيتفجر فيه ضد ما يسمي الطبيعة المصرية المزمنة.. طبيعة الاستسلام للاستبداد دون غضب.. دون رفض.. دون ثورة أو دون انفجار، فالمشهد الحالي يوحي بما يقوض هذا الزعم بطبيعة ساكنة تسم المصريين.
تلك الإذاعات المتمردة.. قد تثير ما تثيره من تساؤلات علي رأسها التساؤل الشائك الأول: من يمولها؟ من أين تبث؟ من يشغلها؟ وما هدفها الحقيقي؟ وإلي أي مدي تخدم هدف التغيير.. الذي بات هاجسا يتملك عقل وروح وخيال الغالبية الساحقة من المصريين؟ هذه التساؤلات هي تساؤلات مشروعة.. بل وبديهية، والإجابة عليها هي مسؤولية تلك الإذاعات.. إما تقنع المتخوفين بسمو هدفها.. أو توضح موقفها دون (استغفال للمصريين)، لكن علي المتلقي أيضا أن يلجأ إلي عقله ومعاييره التي يقيس عليها (سمو الأهداف) ليحدد موقفه.. ليس فقط من تلك الإذاعات المتمردة.. وإنما من كل تحرك يحدث في مصر الآن في كل الاتجاهات وبهذا الزخم الذي يدير الرؤوس.. فكما هناك تساؤلات تجاه تلك الإذاعات أو الحركات النشطة.. هناك أيضا تساؤلات حول من تستهدفهم، منها مثلا: هل نملك رفاهية اختيار الموقف السلبي تجاهها؟ وتجاه ما يحدث في المشهد المصري كله؟! مثال علي ذلك إذاعة الإنقاذ.. التي تبثها (جبهة إنقاذ مصر) من لندن، فرغم أن عبارة (الإنقاذ) نفسها هي عبارة سيئة السمعة بعد أن رأينا أنواعا أخري من الإنقاذ غير حميدة بالمرة في السودان والجزائر وغيرها، ورغم ضبابية المعلومات عن مصدر تمويلها.. وأسباب بثها من لندن وليس من مصر، إلا أن الحكم عليها بدوره يحتم النظر فيما تبثه، فتلك المحطة الإذاعية تبث زوايا مختلفة للمشهد المصري بنوعيه: البشاعات التي يتعرض لها المصريون في مصر.. من انتهاك للحرية والكرامة والرزق وسرقة المستقبل والمصير.. علي يد نظام فاسد تعريه المحطة فيما تبثه، وفي نفس الوقت تبث برامج تعرف المتلقي (بكل) اتجاهات التحرك المصري من أجل هدف واحد يلتف حوله الجميع، دون تبن ٍ واضح لاتجاهٍ ما من بينها ـ علي الأقل حتي الآن ـ فهي تبث لقاءات مع إسلاميين وقوميين ويساريين، شيوخا وشبابا، وهي تلتقي أيضا مواطنين عاديين تترك لهم المجال لرواية ما يتعرضون له من انتهاكات علي يد أجهزة النظام المستبد.. الذي رغم ما ظهر من بشاعته للعالم مؤخرا.. إلا أن ما يخفي من استباحته لمصر ومصرييها هو بحجم ما يخفي من جبل جليد.. تظهر منه القمة بينما تصل جذوره إلي قاع المحيط.
مؤخرا بث راديو الإنقاذ لقاء مع ثلاثة من شباب مصر وترك لهم المجال لرواية ما حدث معهم الأسبوع الماضي، فتاتان نعمة وأمينة، وشاب اسمه حسام، جميعهم طلاب جامعيون، هل من الضعف أن أعترف أنني بكيت مما سمعت؟ وقضيت بسببه نهارا غائما قابضا؟ ألهذا الحد وصلت مصر؟ حتي أن أحدي الفتاتين قالت وهي تبكي في نهاية اللقاء: احنا مش متصورين إن بلدنا فيها حاجة زي كده .
نعمة وأمينة فتاتان غير ناشطتين سياسيا أو حزبيا أو حقوقيا أو أي مجال معارض أو حتي موافق! هما فتاتان عاديتان.. طالبتان جامعيتان.. بعد مسيرة أو مظاهرة طلابية فوجئتا وهما داخل الجامعة بالأمن يجرهما ويخلع عنهما حجابهما ويضربهما ويسحلهما ـ داخل الجامعة ـ ثم أخذهما إلي (سراديب وغرف مظلمة) في أمن الدولة بمنطقة لاظوغلي.. بحد وصفهما في حديثهما الباكي لراديو الإنقاذ، حكت الفتاتان باختناق وغضب ودهشة وألم ما قاله لهما ذلك الضابط (هل نقول ضابط مجرم؟ هل تكفي تلك الصفة مؤقتا؟!) من ألفاظ قالت نعمة عنها: (كان بيشتمنا شتايم غريبة.. مقدرش أقولها.. فعلا مقدرش)، وقالت أمينة: (ضربوني ورموني في العربية وهمه بيضحكوا وإحنا البنات عمالين نصرخ مش عارفين بيعملوا معانا كده ليه).
وإذا كانت أمينة لم تعرف (همه بيعملوا معاهم كده ليه)، فعلي نفس الراديو كان هناك لقاء مع طالب آخر اسمه حسام.. بدا غاضبا مما جري ويجري للطلاب داخل الجامعات المصرية.. حكي التفاصيل وهو غاضب وقال في كلمته الأخيرة موجها كلامه بالفصحي لكل أركان ذلك النظام: (أنتم تصنعون من هذا الجيل شبابا لا طاقة لكم به فقد عزمنا علي التغيير.. حولتمونا جميعا إلي ناس رد سجون.. لن يكون هناك إصلاح إلا بإسقاط هذه العائلة)، لكن المثير في تلك القضية كان موقف مدير الجامعة الذي رد علي شكوي نعمة وأمينة بقوله كما حكت الفتاتان:(أنا ماليش أي سلطة علي أمن الجامعة، وكل إللي أقدر أعمله رفع مذكرة إلي وزير التعليم ليرفعها إلي وزير الداخلية).
الجامعة في مصر ومنذ عقود سقطت في يد الأمن.. لكنها الآن تغلي.. فانتهاك كرامة الشباب.. مهما صبروا عليه.. لن يؤدي إلا إلي حريق.. يندلع كرها للإذلال، هؤلاء الشباب يصبرون علي الفقر أملا في مستقبل.. بدأت سرقته منذ سنين، يصبرون علي الكبت انتظارا لتحقيق وعود لن تأتي أبدا.. طالما أن وحوشا أمنية تضحك عليهم وهم يصرخون (ومش عارفين بيعملوا معاهم كده ليه).
ما تبثه تلك الإذاعة يكشف القليل.. لكنه مهم، والأهم أن تصل إلي أكبر قطاع ممكن من المصريين، سواء كانت برامج تعري النظام.. أو آلام المواطنين.. أو حتي ما تبثه من أشعار عبد الرحمن يوسف.. الذي تألق في مرحلة الإعداد للتغيير في مصر بأشعاره الجميلة.. جمالها أنها توخزنا:(لا شيء لي في جعبتي كي أخسره.. في وطن ٍ عظامه مكسرة.. لا شيء عندي أخسره.. في وطن ٍ غدا لي حظيرة مسورة.. ولا صوت يعلو فيه.. فوق صوت المسخرة.
|