|
حين تأكل الثورة أبناءها
[ اذا ما انتحرنا وأنهينا حياتنا بمحض إرادتنا وكامل حريتنا ، هل نكون أقل موتا من أولئك الذين يموتون ميتة طبيعية؟
الثورة هي انفجار للرغبة في الحصول على حرية إيجابية للحكم الذاتي وتحتاج إلى قاعدة ثقافية ورؤية ترسم طريقها إلى العدالة والديمقراطية.
ليس هناك حرية بدون شعوب محبة لها تعرف كيف تكتسبها وتحافظ عليها ، وما جاءت السلطات الباغية إلا جزاءا وفاقا لضعف الشعوب وجهلها وغفوتها.
عندما سقطت الديمقراطية تحت أقدام العسكر وكرّت سبحات الثورات والحركات الانقلابية التي شهدتها بلادنا العربية ، اعتلى قمة هرم السلطة القائد الفذّ والزعيم الملهم، مخلص الأمة وباني مجدها الذي حوّل الهزائم في سيناء والجولان والعراق وفلسطين إلى انتصارات بخطاباته الثورية ، وبرز معه المواطن الحزبي بينما غاب المواطن بمفهومه التعاقدي الحر.
ونتيجة لفقدان الرؤية الواضحة للطريق الصحيح والقيم الحقيقية وتجاوز حب القائد حدّ الاعتدال إلى المغالاة مقابل انطلاق غرائز هذا القائد ونزعات حب الذات والطغيان ، عمّ ليل الديكتاتورية ومصادرة الحريات في التعبير والرأي والنقد والمعارضة واستسلمت الشعوب لسطوة مالك البلاد والرقاب لدرجة أصبح معها الشعب على استعداد لبيع حريته بأبخس ثمن وتخلى عنها تحت أبسط تهديد.
أكلت حروب القائد أبناء الأمة الذين ذهبوا إلى الحرب صاغرين وانكفئوا هاربين وقد خلفوا وراءهم أشلاء إخوانهم وأسرى ينهضون ويجلسون بأمر أحذية الجنود ، بينما تنام تحت وسادته جماجم الذين خرجوا على طاعته والذين جربوا أساليب تحقيق وغرف تعذيب فاقت النازية ببشاعتها وهمجيتها.
وهنا سار تاريخنا في الاتجاه المعاكس وتحولت الحرية وحوار الثقافات إلى مصطلحات يتشدق بها السياسيون دون أن يقدموا لنا آلية تكفل هذه الحقوق على الصعيد العملي في وعاء من صنع الإرادة العربية ، وأصبحت علاقة الراعي بقطيع الماشية هي علاقة يمارسها كلا الطرفين بروح مشتركة، واستبدلت قيم نبل العطاء والتضحية إلى وضاعة مفهوم كبش الفداء، وتحولت الانتخابات إلى صور زائفة مفعمة برائحة الدم ونكهة المال.
وجاءت أحداث 11 سبتمبر لتسقط الإرادة الدولية أمام الإرادة الأمريكية التي لا تفهم لغة الحق والمنطق بل لغة المصالح والقوة وإن كانت تلفها بثوب من الشرعية الكاذبة ، فحاصرت الإسلام من أدنى التكنولوجيا حتى أعلاها وطاردته في المناهج الدراسية والإعلام والشريعة لإلغاء خصوصيتنا الدينية والتاريخية والحضارية بتهمة حيازة أسلحة الدمار الشامل وإيواء الإرهاب ، وانقسم العرب إلى نصفين أحدهما مغلوب على أمره والآخر غالب بأمره بينما استمر الطغيان يفرش ظله الثقيل على حياتنا ، وما أشبه يومنا هذا بأمس أمراء الأندلس عندما تناحروا فيما بينهم حتى خارت قواهم وأصبحوا كما قال الشاعر:
تفرقوا شيعا فكل قبيلة..فيها أمير المؤمنين ..ومنبر
وانتهزت القوى الصليبية المتربصة بهم هذه الفرصة فانقضت عليهم وسلبتهم ملكهم
إن لهيب الحرية لم ينطفىء بعد في أمتنا لكنه يختفي تحت الرماد ليضطرم من جديد، ويضيء عتم الزمن العربي فيصحو بعد غفوة وينتبه بعد رقدة ويراجع تاريخه أيام عزته وقوته ليصحح تركيبته الاجتماعية على أساس وطنيته، ينفض عنه سوءة الشكوى وملوحة الأيام المشتعلة بالدماء والأشلاء ويندفع لرفع راية عقيدة تطلقه من عبودية العباد من غزاة طامعين وحكام مستبدين وأدعياء ثوريين إلى عبادة الخالق الحكيم ومن عدالة الطين العرجاء إلى عدالة الله المطلقة، فيلتهم القيود والأغلال ويقض مضاجع الطغاة.
إن لم تحركنا نخوة المعتصم لأنين المسجد الأقصى الذي يشكو ذلّ الاحتلال، وإن لم تخرجنا عن صمتنا قاذفات القنابل التي ترّوع ليل إخواننا وتهدم بيوتهم فمتى يحيي الله موات قلوبنا؟
تصبحون على وطن
__________________
[FLASH]http://msssms.jeeran.com/matmrdah.swf[/FLASH]
|