أخي الكريم كتائب الاقصى : بارك الله فيك على ما قدمت ...
إن الغناء قد صار بلاء وابلًا أصيبت به الأمة ، شبابها وبناتها ، شيابها و أطفالها ، حتى صار ينام على سماعها الصغير والكبير ، ويترنم في صباحه بها القليل والكثير ، فواعجبًا من أقوام باعوا غناء الحور العين ، بغناء السفلة والماجنين
وسبحان ربي : كيف تجد بعض من ينعقون باسم الدين ، يدافعون عن سماء الغناء والموسيقى أيما دفاع ، فتراهم يقعدون في سبيل تحليلها كل مرصد ، مدعين دعاوى باطلة ... فسبحان الله
وتعليقًا على ذلك أحببت ذكر أحد أهم شبههم التي يوردونها وهي تضعيف حديث البخاري الذي أوردته مشكورًا مأجورا :
( ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحرى والحرير والخمر والمعازف )
يقول هؤلاء : أن هشام بن عمار ، شيخ البخاري ، لم يصرح البخاري بالتحديث عنه
فلم يقل : سمعت هشام بن عمار ، بل قال : قال هشام بن عمار ...
فعلى هذا فالحديث عندهم ضعيف ، ثم يستدلون بكتب الجرح والتعديل على هذا ... ومما قالوه :
قلت : وقد فصل الشيخ الألباني رحمه الله ، بيان هذا في كلام طيب لا يبقي لمسلم يخشى الله والدار الآخرة عذرًا ...
يقول الشيخ :
إقتباس:
الحديث الأول : عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعري قال :
ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف
ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم لحاجة فيقولون : ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة
[ 38 ]
علقه البخاري في " صحيحه " بصيغة الجزم محتجا به قائلا في " كتاب الأشربة " ( 10 / 51 / 5590 - فتح ) : " وقال هشام بن عمار : حدثنا صدقة بن خالد : حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر : حدثنا عطية بن قيس الكلابي : حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري قال : حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري - والله ما كذبني - سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : فذكره
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه " الاستقامة " ( 1 / 294 ) :
والآلات الملهية قد صح فيها ما رواه البخاري في
صحيحه " تعليقا مجزوما به داخلا في شرطه "
قلت : وهذا النوع من التعليق صورته صورة التعليق كما قال الحافظ العراقي في تخريجه لهذا الحديث في " المغني عن حمل الأسفار " ( 2 / 271 ) وذلك لأن الغالب على الأحاديث المعلقة أنها منقطعة بينها وبين معلقها ولها صور عديدة معروفة وهذا ليس منها لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري الذين احتج بهم في " صحيحه " في غير ما حديث كما بينه الحافظ في ترجمته من " مقدمة الفتح " ولما كان البخاري غير معروف بالتدليس كان قوله في هذا الحديث : ( قال ) في حكم قوله : ( عن ) أو : ( حدثني ) أو : ( قال لي ) خلافا لما قاله مضعف الأحاديث الصحيحة ( ابن عبد المنان ) كما سيأتي
ويشبه قول العراقي المذكور قول ابن الصلاح في " مقدمة علوم الحديث " ( ص 72 ) :
صورته صورة انقطاع وليس حكمه حكمه وليس خارجا من
[ 39 ]
الصحيح إلى الضعيف
ثم رد على ابن حزم إعلاله إياه بالانقطاع وسيأتي تمام كلامه إن شاء الله في ( الفصل الثالث )
والمقصود أن الحديث ليس منقطعا بين البخاري وشيخه هشام كما زعم ابن حزم ومن قلده من المعاصرين كما سيأتي بيانه في الفصل المذكور إن شاء الله تعالى . على أنه لو فرض أنه منقطع فهي علة نسبية لا يجوز التمسك بها لأنه قد جاء موصولا من طرق جماعة من الثقات الحفاظ سمعوه من هشام بن عمار فالمتشبث والحالة هذه بالانقطاع يكابر مكابرة ظاهرة كالذي يضعف حديثا بإسناد صحيح متشبثا بإسناد له ضعيف فلنذكر إذن ما وجدت من أولئك الثقات فيما بين أيدينا من الأصول ثم نحيل في الآخرين على الشروح وغيرها
أولا : قال ابن حبان في " صحيحه " ( 8 / 265 / 6719 - الإحسان ) : أخبرنا الحسين بن عبد الله القطان قال : حدثنا هشام بن عمار به إلى قوله : " المعازف "
والقطان هذا ثقة حافظ مترجم في " سير أعلام النبلاء " ( 14 / 287 )
ثانيا : قال الطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 319 / 3417 ) ودعلج في " مسند المقلين / المنتقى منه رواية الذهبي " ( ق 1 - 2 / 1 ) قالا : حدثنا موسى بن سهل الجوني البصري : ثنا هشام بن عمار به مثل رواية البخاري . ومن طريق الطبراني رواه الضياء المقدسي في " موافقات هشام بن عمار " ( ق 37 / 1 - 2 )
[ 40 ]
وموسى هذا ثقة حافظ أيضا مترجم في " السير " ( 14 / 261 ) وقرن معه دعلج ( محمد بن إسماعيل بن مهران الإسماعيلي ) وهو ثقة حافظ ثبت وهو غير الإسماعيلي صاحب " المستخرج "
ثالثا : وقال الطبراني في " مسند الشاميين " ( 1 / 334 / 588 ) : حدثنا محمد بن يزيد بن ( الأصل : عن ) عبد الصمد الدمشقي : ثنا هشام بن عمار به
ومحمد بن يزيد هذا مترجم في " تاريخ دمشق " للحافظ ابن عساكر ( 16 / 124 ) برواية جماعة عنه وذكر أنه توفي سنة ( 269 )
رابعا : قال الإسماعيلي في " المستخرج على الصحيح " ومن طريقه البيهقي في " سننه " ( 10 / 221 ) : حدثنا الحسن بن سفيان : حدثنا هشام بن عمار به
والحسن بن سفيان - وهو الخرساني النيسابوري حافظ ثبت من شيوخ ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما من الحفاظ - مترجم في " السير " ( 14 / 157 - 162 ) وفي " تذكرة الحفاظ "
وهناك أربعة آخرون سمعوه من هشام خرجهم الحافظ في " تغليق التعليق " ( 5 / 17 - 19 ) والذهبي عن بعضهم في " السير " ( 21 / 157 و 23 / 7 )
ثم إن هشاما لم يتفرد به لا هو ولا شيخه ( صدقة بن خالد ) بل إنهما قد توبعا فقال أبو داود في " سننه " ( 4039 ) : حدثنا عبد الوهاب بن نجدة :
[ 41 ]
حدثنا بشر بن بكر عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر بإسناده المتقدم عن أبي عامر أو أبي مالك مرفوعا بلفظ :
ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير - وذكر كلاما قال - : يمسخ منهم آخرون قردة وخنازير إلى يوم القيامة
قلت : وهذا إسناد صحيح متصل كما قال ابن القيم في " الإغاثة " ( 1 / 260 ) تبعا لشيخه في " إبطال التحليل " ( ص 27 ) لكن ليس فيه التصريح بموضع الشاهد منه وإنما أشار إليه بقوله : " وذكر كلاما " وقد جاء مصرحا به في رواية ثقتين آخرين من الحفاظ وهو عبد الرحمن بن إبراهيم الملقب ب ( دحيم ) قال : ثنا بشر بلفظ البخاري المتقدم :
يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف
الحديث
أخرجه أبو بكر الإسماعيلي في " المستخرج على الصحيح " كما في " الفتح " ( 10 / 56 ) و " التغليق " ( 5 / 19 ) ومن طريق الإسماعيلي البيهقي في " السنن " ( 3 / 272 )
والآخر ( عيسى بن أحمد العسقلاني ) قال : نا بشر بن بكر به إلا أنه قال : " الخز " بالمعجمتين والراجح بالمهملتين كما في رواية البخاري وغيره . انظر " الفتح " ( 10 / 55 )
أخرجه ابن عساكر في " تاريخ دمشق " ( 19 / 152 ) من طريق الحافظ
[ 42 ]
أبي سعيد الهيثم بن كليب الشاشي : نا عيسى بن أحمد العسلاني به مطولا
وهذه الطريق مما فات الحافظ فلم يذكره في " الفتح " بل ولا في " التغليق " فالحمد لله على توفيقه وأسأله المزيد من فضله
وبهذه المناسبة أقول :
لقد فضح نفسه مضعف الأحاديث الصحيحة المشار إليه آنفا في تصديه لتضعيف حديث البخاري هذا من جميع طرقه ومتابعاته بأساليب ملتوية عجيبة لا تصدر ممن يخشى الله أو على الأقل يستحي من الناس فقد ظهر فيها مينه وتدليسه ومخالفته للقواعد العلمية وأحكام النقاد من حفاظ الأمة وإيثاره لجهله على علمهم وذلك في مقال له نشره في جريدة ( الرباط ) الأردنية وقد رددت عليه مفصلا في آخر المجلد الأول من " سلسلة الأحاديث الصحيحة " الطبعة الجديدة في الاستدراك رقم ( 3 ) وقد صدر ولله تعالى الحمد والمنة وقد كنت أشرت إلى شيء من ذلك في مقدمة كتابي الجديد " ضعيف الأدب المفرد " ( ص 14 - 16 ) فأرى أنه من الضروري أن ألخص هنا بعض النقاط الهامة لتكون عبرة لمن أراد أن يعتبر ولعله يكون منهم
لقد قلد ابن حزم في إعلاله الحديث بالانقطاع بين البخاري وشيخه هشام وأعرض عن رد الحفاظ بحق عليه بطرا وكبرا وزاد عليه فاختلق علة من عنده لم يقل بها حتى مقلده ابن حزم فادعى جهالة رواية ( عطية بن
[ 43 ]
قيس ) مخالفا في ذلك كل الحفاظ الذين ترجموا له ووثقوه كما خالف أكثر من عشرة من الحفاظ الذين صرحوا بصحة الحديث وقوة إسناده وجمهورهم رد على ابن حزم المقلد من ذاك المقلد وهو على علم بكل ذلك على حد المثل القائل : ( عنزة ولو طارت )
وزعم أن قول البخاري : " قال لي فلان " مثل قوله : " قال فلان " كلاهما في حكم المنقطع فنسب إلى البخاري التدليس الصريح الذي لا يرضاه لنفسه عاقل حتى ولا هو هذا الجاني بجله على نفسه بنفسه وإلا لزمه أن لا يصدق هو إذا قال في كلامه : " قال لي فلان " نعوذ بالله من الجهل والعجب والغرور والخذلان
ومن ذلك أنه صرح بإنكار وجود لفظ " المعازف " في رواية البيهقي وابن حجر في حديث بشر بن بكر وهو فيها كما رأيت وتجاهل رواية ابن عساكر المتقدمة لتي فيها اللفظ المذكور فلم يتعرض لها بذكر وهو على علم بها فقد رآها في " سلسلة الأحاديث الصحيحة " التي صب رده عليها في تضعيفه لهذا الحديث إلى غير ذلك من المآسي والمخازي نسأل الله السلامة
هذا ولم يتفرد به ( عطية بن قيس ) الثقة رغم أنف المضعف المكابر بل قد تابعه اثنان :
أحدهما : مالك بن أبي مريم قال : عن عبد الرحمن بن غنم أنه سمع أبا مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
[ 44 ]
" ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها يضرب على رؤوسهم بالمعازف والقينات يخسف الله بهم الأرض . ويجعل منهم القردة والخنازير "
أخرجه البخاري في " التاريخ " ( 1 / 1 / 305 ) قال : حدثنا عبد الله بن صالح قال : حدثني معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم به
وقال في ترجمة ( كعب بن عاصم الأشعري ) كنيته أبو مالك ويقال : اسم ( أبي مالك ) ( عمرو ) أيضا له صحبة قال : وقال لي أبو صالح : عن معاوية بن صالح به مختصرا وأخرجه بتمامه ابن ماجه ( 4020 ) وابن حبان ( 1384 - موارد ) والبيهقي ( 8 / 295 و 10 / 231 ) وابن أبي شيبة في " المصنف " ( 8 / 107 / 3810 ) وأحمد ( 5 / 342 ) والمحاملي في " الأمالي " ( 101 / 61 ) وابن الأعرابي في " معجمه " ( ق 182 / 1 ) والطبراني في " المعجم الكبير " ( 3 / 320 - 321 ) وابن عساكر في " تاريخ دمشق " ( 16 / 229 - 230 ) والحافظ في " تغليق التعليق " ( 5 / 20 - 21 ) من طرق عن معاوية بن صالح به
قلت : وهذا إسناد رجاله ثقات غير مالك هذا فإنه لا يعرف إلا برواية حاتم عنه فهو مجهول ولذلك قال الحافظ فيه : " مقبول " أي عند المتابعة
[ 45 ]
كما هنا ومع ذلك ذكره ابن حبان في " الثقات " ( 5 / 386 ) ولعله عمدة سكوت المنذري في " الترغيب " ( 3 / 187 ) على تصحيح ابن حبان إياه ولذلك صدره بقوله : ( عن ) وقول ابن القيم في موضعين من " الإغاثة " ( 1 / 347 و 361 ) :
وهذا إسناد صحيح
وحسنه ابن تيمية كما سيأتي
نعم الحديث صحيح بما تقدم وبالمتابعة الآتية ولجملة المسخ منه شواهد كثيرة في " الصحيحة " ( 1887 )
وأما قول المضعف المغرور الذي لم يقنع في تضعيف هذا الإسناد بالجهالة المذكورة التي كنت صرحت بها في " الصحيحة ( 90 ) بل أضاف إلى ذلك التشكيك في ثقة حاتم بن حريث فقال في آخر مقاله الذي تقدمت الإشارة إليه :
وحاتم فيه ضعف ونظر في أمره جهالة حال
فأقول : ليتأمل القارئ هذه الحذقلة أو الفلسفة فإن الجملة الأخيرة ( الجهالة ) هي التي قالها بعض الأئمة وليست معتمدة كما يأتي بيانه وأما ما قبلها فلغو وسفسطة أو تدليس لأن أحدا من الأئمة لم يضعفه ولم يقل : فيه نظر غاية ما ذكر فيه قول ابن معين : " لا أعرفه " ومع ذلك فقد رده تلميذه عثمان بن سعيد الدارمي الإمام الحافظ فقال في " تاريخه عن ابن معين " ( 101 / 287 ) :
[ 46 ]
" قلت : فحاتم بن حريث الطائي كيف هو ؟ فقال : لا أعرفه "
فقال عثمان عقبه :
هو شامي ثقة
قلت : ومن المقرر عند العلماء أن من عرف حجة على من لم يعرف قال ابن عدي في " الكامل " ( 2 / 439 ) عليه :
ولعزة حديثه لم يعرفه يحيى وأرجو أنه لا بأس به
فهذان إمامان عرفا الرجل ووثقاه ويضم إليهما توثيق ابن حبان إياه ( 4 / 178 ) وقول ابن سعد : " كان معروفا " أي : بالعدالة كما حققته في الاستدراك الذي سبقت الإشارة إليه فما الذي جعل هذا المغرور الذي أهلكه حب الظهور ولو بالطعن في أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم على مخالفة القاعدة العلمية المنطقية : من عرف حجة على من لم يعرف ؟
ومن تمام تدليسه وغمزه إياي قوله عقب ما تقدم نقله عنه :
ومن حسن أمره ليس كمن تكلم فيه
يشير إلى توثيقي إياه بعموم قولي في المكان المشار إليه من " الصحيحة " :
قلت : ورجاله ثقات غير مالك بن أبي مريم
إذا عرفت هذا فقد ذكرني قوله المذكور بالمثل المشهور : رمتني بدائها وانسلت وذلك لأن لفظة : " حسن أمره " إنما يعني بها التوثيق ولكنه عدل
[ 47 ]
عن هذا إليها لأنه لو صرح فقال : " ومن وثقه ليس كمن تكلم فيه " لأصاب به الدارمي وابن عدي لأنهما هما اللذان وثقاه كما تقدم فعدل عنه إلى تلك اللفظة مكرا منه وتدليسا موهما القراء أني تفردت بتحسين أمره والواقع - كما رأيت - أني متبع وهو المبتدع لأن قوله : " من تكلم فيه " إنما يعني به قول ابن معين المتقدم " لا أعرفه " وإنما يعني أنه لم يعرفه بجرح ولا بعدالة وهذا ليس جرحا ولا تضعيفا ولا يصح أن يقال في حقه : " تكلم فيه " في اصطلاح العلماء فقول المبتدع المتقدم : " فيه ضعف " مخالف لقول ابن معين هذا فضلا عن قول من وثقه فهو مخالف لجميع أقوال الأئمة فيه فصدق فيه المثل المذكور ونحوه : " من حفر بئرا لأخيه وقع فيه "
ومعذرة إلى القراء الكرام من هذه الإطالة ونحوها مما نحن في غنى عنها لولا الرد على أعداء السنة الصحيحة والكشف عن زيفهم وطرق تدليسهم
|
فالحمد لله الذي قيد للسنة رجالًا سهروا الليالي وباعوا أنفسهم في سبيل إعلاء كلمة الله عز وجل ...
أخوكم : أبوعمر الأثري