|
قتلا مشاعرهما وباعا فلزه كبدهما للهروب من الفقر
قتل الفقر مشاعر الأبوين بالضربة القاضية، عجزا عن إطعام أطفالهما الثلاثة فعرضا الرابع للبيع، اشتراه منهما محام «عاقر» بمبلغ ١٧ ألف جنيه عن طريق وسيطين. أجهزة البحث بشرق العاصمة كشفت تفاصيل المأساة، ألقت القبض علي الأبوين والمشتري والوسيطين، اعترفا بتفاصيل المأساة وتمت إعادة الضحية إلي أحضان أمه.
تلقي اللواء إسماعيل الشاعر مساعد وزير الداخلية مدير أمن القاهرة إخطاراً بالمأساة وتولت النيابة التحقيق التي أمرت بإعادة الرضيع لأسرته وأفرجت عنهما وتولت التحقيق.
قبل سنوات تزوج العامل عادل. أ «٤٠ سنة» من صباح.ع «٣٠ سنة» ربة منزل، أقاما في مسكن بسيط في المرج، فشل الزوج في العثور علي عمل ولم يستطع الخروج من دوامة الفقر التي يدور فيها وزوجته، ازدادت مأساته مع إنجاب الطفل الأول، عجز عن تلبية أبسط مطالبه وبدأ الصغير يشاركهما قضاء ليال طويلة يعاني من آلام أنياب الجوع والفقر،
استمرت حياة الأبوين وتكررت المتاعب مع الطفلين الثاني والثالث، سكن حجرات البيت المعدم خمسة أفواه جائعة تصرخ من شدة الحاجة.. الأب فقد نعل الحذاء الوحيد من شدة البحث عن فرصة عمل وجفت دموع الأم من كثرة البكاء.. في ليلة مارس الأب فيها حقه الطبيعي، حملت الزوجة بالطفل الرابع، وأصبح علي الأبوين، الجائع رقم «٦» في الأسرة.
لجأ رب الأسرة إلي مد يده للآخرين، فعادت إليه فارغة ولم يصبه إلا مزيد من الذل.. فتش عن شخص يقرضه ولو بضمان أطفاله، عثر علي ضالته وتراكمت الديون عليه،
اشتد الخناق حول عنقه واقترب من الانتحار.. وضعت زوجته حملها وتعالت صرخات الطفل لتضاعف من مأساة سكان المنزل المعدم، أثناء تردد الأب علي سائق «٥٠ سنة» في شارع السد بعين شمس، تنفس له عن سلسلة العذاب التي تكويه وعجزه عن سداد ديونه،
احتفظ السائق بالمعلومة وأثناء ترديدها أمام صاحب محل «٧٠ سنة» في شارع الحسن بن علي بمصر الجديدة، أخبره أن في يده حل كل مشاكل هذه الأسرة، بالإضافة إلي مبلغ كبير يحصل عليه السائق.
عاد السائق إلي الأب المعدم وزف له نبأ انتهاء أزمته واصطحبه في سيارته وانطلق إلي البائع العجوز، جلس الثلاثة في مكان مستقل وبدأ الأب يروي رحلة حياته أمامهما وهو يؤكد أنه علي استعداد لأن يفعل أي شيء، حتي لو وصل الأمر إلي بيع واحد من أولاده، فالسجن يطارده بسبب الديون، والجوع يكاد يقضي علي حياته وأسرته،
قطع البائع الكلام وأخبره أنه فعلا يريد أن يشتري منه طفله الصغير، فتح الأب فمه إلي آخره كمن أصيب بالبله لشدة الصدمة، ساد صمت غريب، ثم سأل عن الثمن، اتفقوا علي لقاء آخر يتم فيه الاتفاق علي كل شيء.
عاد الأب إلي بيته وهو لا يعي ما حوله، انفرد بزوجته وطلب منها أن تعتبره مجنونا وتنصت إلي حديثه حتي آخره، قص عليها العرض كاملا، نظرت إلي الرضيع الذي يبلغ من العمر ٧ شهور فقط، ثم رفعت وجهها ودارت ببصرها في المنزل، شاهدت الصغار الجائعين، أقدامهم حافية وملابسهم ممزقة، سال لعابها وشطح خيالها إلي تناول اللحم والكباب، سألته إن كان الثمن مناسبا أم لا، فطالبها بأن تذهب معه إلي جلسة الاتفاق..
في اليوم المحدد وصل الأب والسائق والتاجر، انضم إليهما محام «٥٠ سنة» مقيم في شارع عبدالسلام بمصر الجديدة، وأم الرضيع وهي تحمله بين دراعيها، بدأت المساومة والفصال، حتي وصل الثمن إلي ١٧ ألف جنيه، مع تعهد بحسن تربية الصغير لأن المشتري «عاقر» ولم يرزق بأبناء.
تمت الصفقة وعاد الأبوان يحملان كيسا أسود فيه المال، دون الرضيع، في الطريق اشتريا وجبة طعام فاخرة وبعض الملابس الجديدة، تدافع الأبناء إلي مائدة الطعام وخطف كل منهم ملبسه الجديد، لم يسأل أحدهم عن الرضيع، لأن امتلاء المعدة الخاوية والكسوة، أهم من الدنيا وما فيها، بدأ لون الحياة يتغير في البيت الفقير وراح الأب يسدد ديونه، علت الوجوه الجائعة بسمة جديدة، وتوهموا أنهم تخلصوا من الفقر للأبد.
أحد المصادر السرية شك في الثراء المفاجئ الذي هبط علي أسرة العامل، أبلغ المقدم حسام حنفي رئيس مباحث المرج،
وتشكل فريق بحث بإشراف اللواء عبدالجواد أحمد عبدالجواد مساعد الوزير للإدارة العامة لمباحث العاصمة، قاده العميد مصطفي عبدالعال رئيس قطاع البحث الجنائي بشرق القاهرة، كشفت تحرياته تفاصيل المأساة،
تمكنت عدة أكمنة أشرف عليها اللواء فاروق لاشين نائب مدير الإدارة العامة لمباحث القاهرة من ضبط أفراد الصفقة الملعونة، بمناقشتهم اعترفوا بالبيع والوساطة والشراء، أرشد المحامي عن الرضيع وتمت إعادته إلي والدته وتحرر المحضر ١٠١٨٥ إداري قسم المرج وتولت النيابة التحقيق،
وقررت الإفراج عن الأبوين بعد تسليمهما طفلهما وتوقيعهما علي إقرار بحسن رعايته.. قبل أن ينصرف الأب نظر إلي المحققين وباقي المتهمين وقوة الحراسة وألقي سؤالاً في الهواء: كيف أحسن رعايته وأنا أموت من الجوع؟! من يضمن لي أن أجد فرصة عمل تمنعني التفكير في أن أبيع فلذة كبدي وقطعة من لحمي؟
|