لست أتوقع منكم، بل لست أطلب أن تصدقوا الوقائع التي أسطرها هنا لقصة هي أغربالقصص وإن كانت في الآن عينه مألوفة للغاية.
سوف أكون مجنوناً لو توقعت أنتصدقوا ذلك، لأن حواسي ذاتها ترفض أن تصدق ماشهدته ولمسته.
غير أنني لستمجنوناً – ومن المؤكد أنني لا أحلم- وإذ كنت ملاقياً حتفي غداً فلا بد لي من أنأزيح هذا العبئ عن روحي.
ما أرمي إليه هو أن أبسط أمام العالم، بوضوح ودقة،وبلا أي تعليق، سلسلة من الوقائع العادية جداً. إنها الوقائع التي عصفت بي أهوالهاو واصلت تعذيبي ودمرتني. مع ذلك لن أحاول تفسيرها وإذا كنت لا أجد فيها غير الرعبفإنها لن تبدو للآخرين مرعبة بقدر ما ستبدو نوعاً من الخيال الغرائبي المعقد.
قد يجيء في مقبل الأيام ألمعي حصيف يبين له تفكيره أن هذا الكابوس مجردأحداث عادية – وربما جاء ألمعي آخر أكثر رصانة وأرسخ منطقاً وتفكيره أقل استعداداًللإثارة من تفكيري، ليرى في الأحداث التي أعرضها بهلع مجرد تعاقب مألوف لأسبابطبيعية ونتائجها المنطقية.
عُرِفْت منذ طفولتي بوداعتي ومزاجي الإنسانيالرقيق، حتى أن رقة قلبي كانت على درجة من الإفراط جعلتني موضوع تندر بين زملائي. وقد تميزت بولع خاص بالحيوانات مما جعل أبواي يعبّران عن تدليلهما لي بإهدائيأنواعاً من الحيوانات المنزلية. مع هذه الحيوانات كنت أمضي معظم أوقاتي ، ولم أعرفسعادة تفوق سعادتي حين كنت أطعمها وأداعبها. نمت هذه الطباع الغريبة مع نموي، وكانتلي في طور الرجولة أكبر منابع المتعة.
الذين عرفوا مشاعر الولع بكلب أمينذكي سوف يفهمون بسهولة ما أود قوله عن مدى البهجة المستمدة من العناية بحيوان أليف. إن في تعلق الحيوان بصاحبه تعلقاً ينـكر الـذات ويضـحي بها مايخترق قلب الإنسانالذي هيأت له الظروف أن يعاني من خسة الصداقة وضعف الوفاء عند الجنس البشري.
تزوجت في سن مبكرة، وقد أسعدني أن أجد في مزاج زوجتي مالايناقض مزاجي. وإذلاحظت ولعي بالحيوانات المنزلية لم تترك مناسبة تمر دون أن تقتني منها الأجناسالأكثر إمتاعاً وإيناساً. هكذا تجمع لدينا طيور وأسماك ذهبية وكلب أصيل وأرانب وقردصغير وقط.
كان هذا القط كبير الحجم بشكل مميز، جميل الشكل، أسود اللونبتمامه، وعلى قدر عجيب من الذكاء، كانت زوجتي التي لا أثر للمعتقدات الخرافية فيتفكيرها، حين تتحدث عن ذكائه تشير إلى الحكايات الشعبية القديمة التي تعتبر القططالسود سحرة متنكرين. هذه الإشارات لاتعني أنها كانت في يوم من الأيام جادة حول هذهالمسألة. أذكر هذا لسبب وحيد هو أنه لم يرد إلى ذهني قبل هذه اللحظة.
كانبلوتو – وهذا هو اسم القط- حيواني المدلل وأنيسي المفضل، أطعمه بنفسي، ويلازمنيحيثما تحركت في البيت. بل كنت أجد صعوبة لمنعه من اللحاق بي في الشوارع.
دامت صداقتنا على هذه الحال سنوات عديدة، تبدل خلالها مزاجي وساء سلوكيبفعل ادماني على المسكرات (إني أحمرّ خجلاً إذ أعترف بذلك) ويوما بعد يوم تزايدتحدة مزاجي وشراستي، واستعدادي للهيجان، وتزايد استهتاري بمشاعر الآخرين. ولكم عانيتوتألمت بسبب التعابير القاسية التي رحت أوجهها إلى زوجتي، حتى أنني في النهاية لجأتإلى العنف الجسدي في التعامل معها.
وبالطبع فقد استشعرت حيواناتي هذا التغير فيمزاجي. ولم أكتف بإهمالها بل أسأت معاملتها. وإذا كان قد بقي لبلوتو بعض الاعتبارمما حال دون إساءتي إليه فإنني لم أستشعر دائماً في الإساءة إلى الأرانب أو القرد،أو حتى الكلب، كلما اقتربت مني مصادفة أو بدافع عاطفي. غير أن مرضي قد تغلب علي – وأي مرض كالمسكرات!- ومع الأيام حتى بلوتو الذي صار هرماً ومن ثم عنيداً نكداً بدأيعاني من نتائج مزاجي المعتل.
ذات ليل كنت عائداً إلى البيت من البلدة التيكثر ترددي إليها وقد تعتعني السكر؛ وخيل إلي أن القط يتجنب حضوري؛ فقبضت عليه، وإذأفزعته حركاتي العنيفة جرحني بأسنانه جرحاً طفيفاً فتملكني غضب الأبالسة. وبدا أنروحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من جسدي؛ وارتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقدشيطاني غذاه المخدر. فتناولت من جيب سترتي مطواة، فتحتها وقبضت على عنق الحيوانالمسكين واقتلعت عامداً إحدى عينيه من محجرها! إنني أحتقن، أحترق، أرتعد حين أكتبتفاصيل هذه الفظاعة الجهنمية.
لما استعدت رشدي في الصباح – لما نام هياجالفسوق الذي شهده الليل- عانيت شعوراً هو مزيج من الرعب والندم بسبب الجريمة التيارتكبتها، غير أن ذلك كان في أحسن الحالات شعوراً ضعيفاً وملتبساً لم يبلغ منيالأعماق. ومن جديد استحوذ علي الإفراط في الشراب. وسرعان ما أغرقت الخمرة كل ذكرىلتلك الواقعة.
في هذه الأثناء أخذ القط يتماثل للشفاء تدريجياً. صحيح أنتجويف العين الفارغ كان يشكل منظراً مخيفاً لكن لم يبد عليه أنه يتألم، وعاد يتنقلفي البيت كسابق عهده، غير أنه كما هو متوقع، كان ينطلق وقد استبد به الذعر كلمااقتربت منه. كانت ماتزال لدي بقايا من القلب القديم بحيث ينتابني الحزن إزاء هذهالكراهية الصارخة التي يبديها لي كائن أحبني ذات يوم. لكن سرعان ماحل الانزعاج محلالحزن. وأخيراً جاءت روح الانحراف لتدفعني إلى السقوط الذي لانهوض منه. هذه الروحلاتوليها الفلسفة أي اعتبار. مع ذلك لست واثقاً من وجود روحي في الحياة أكثر منثقتي أن الانحراف واحد من الموازع البدئية في القلب البشري، واحد من الملكات أوالمشاعر الأصيلة التي توجه سلوك الإنسان. من منا لم يضبط نفسه عشرات المرات وهويقترف إثماً أو حماقة لا لسبب غير كون هذا العمل محرماً؟ أليس لدينا ميل دائم، حتىفي أحسن حالات وعينا، إلى خرق مايعرف بالقانون لمجرد علمنا بأنه قانون؟ روحالانحراف هذه هي التي تحركت تدفعني إلى السقوط النهائي. إنها رغبة النفس الدفينةلمشاكسة ذاتها – لتهشيم طبيعة ذاتها- لاقتراف الإثم لوجه الإثم، هذه الرغبة التيلايسبر غورها هي التي حرضتني على مواصلة الأذى ضد الحيوان الأعزل، وأخيراً الإجهازعليه.
ذات صباح وعن سابق تصور وتصميم لففت حول عنقه أنشوطة وعلقته بغصنشجرة ..شنقته والدموع تتدفق من عيني، وفي قلبي تضطرم أمرّ مشاعر الندم؛ شنقته لعلميأنني بذلك أقترف خطيئة،خطيئة مميتة سوف تعرض روحي الخالدة للهلاك الأبدي، وتنزلهاإن كان أمر كهذا معقولاً، حيث لاتبلغها رحمة أرحم الراحمين والمنتقم الجبار.
في الليلة التي وقع فيها هذا الفعل الشنيع، استيقظت من النوم على صوتالنيران. كان اللهب يلتهم ستائر سريري والبيت بكامله يشتعل. ولم ننج أنا وزوجتيوالخادم من الهلاك إلا بصعوبة كبيرة. كان الدمار تاماً. ابتلعت النيران كل ما أملكفي هذه الدنيا، واستسلمت مذ ذاك للقنوط واليأس.
لم يبلغ بي الضعف مبلغاًيجعلني أسعى لإقامة علاقة سببية بين النتيجة وبين الفظاعة التي ارتكبتها والكارثةالتي حلت بي. لكنني أقدم سلسلة من الوقائع وآمل ألا أترك أي حلقة مفقودة في هذاالتسلسل.
في اليوم الذي أعقب الحريق ذهبت أزور الأنقاض. كانت الجدرانجميعها قد تهاوت باستثناء جدار واحد، هذا الجدار الذي نجا بمفرده لم يكن سميكاًلأنه جدار داخلي يفصل بين الحجرات ويقع في وسط البيت، وإليه كان يستند سريري من جهةالرأس. وقد صمد طلاء هذا الجدار وتجصيصه أمام فعل النيران. وهو أمر عزوته إلى كونالتجصيص حديثاً. أمام هذا الجدار كان يتجمهر حشد من الناس وبدا أن عدداً كبيراًمنهم يتفحص جانباً مخصوصاً منه باهتمام شديد، فحركت فضولي تعابير تصدر عن هذا الحشدمن نوع (عجيب!) (غريب!) دنوت لأرى رسماً على الجدار الأبيض كأنه حفر نافر يمثل قطاًعملاقاً. كان الحفر مدهشاً بدقته ووضوحه، وبدا حبل يلتف حول عنق الحيوان.
عندما وقع نظري لأول مرة على هذا الشبح، إذ لم أكن أستطيع أن أعتبره أقل منذلك، استبد بي أشد العجب وأفظع الذعر. غير أن التفكير المحلل جاء ينقذني من ذلك. لقد كان القط على ما أذكر معلقاً في حديقة متاخمة للبيت؛ فلما ارتفعت صيحات التحذيرمن النار، غصت الحديقة فوراً بالناس، ولابد أن شخصاً ما قد انتزعه من الشجرة وقذفبه عبر النافذةإلى غرفتي، وربما كان القصد من ذلك تنبيهي من النوم. ولابد أن سقوطالجدران الأخرى قد ضغط ضحية وحشيتي على مادة الجص الحديث للطلاء؛ اختلط كلس هذاالطلاء بالنشادر المتصاعد من الجثة وتفاعل به بتأثير النيران فأحدث الرسم النافرالذي رأيته.
ومع أنني قدمت هذا التفسير لأريح عقلي، إن لم أكن قد فعلت ذلكلأريح ضميري، فإن المشهد الغريب الذي وصفته لم يتوقف عن التأثير في مخيلتي، وعلىمدى أشهر لم أستطع أن أتخلص من هاجس القط؛ خلال هذه الفترة عاودني شعور بدا لي أنهالندم، ولم يكن في الحقيقة كذلك. لم يكن أكثر من أسف على فقد حيوان، وتفكير بالحصولعلى بديل من النوع نفسه والشكل نفسه ليحل محله.
في إحدى الليالي، فيما كنتجالساً، شبه مخبول، في وكر من أوكار العار، إذ أنني أدمنت الآن ارتياد هذه الأماكنالموبوءة، جذب انتباهي فجأة شيء أسود فوق برميل ضخم من براميل الجن أو شراب الروم،البراميل التي تشكل قطع الأثاث الرئيسية في ذلك المكان، كنت طوال دقائق أحدق بثباتفي رأس البرميل، وما سبب دهشتي هو أنني لم أتبين للحال طبيعة الشيء باستثناء شيءواحد. إذ لم تكن في أي مكان من جسم بلوتو شعرة بيضاء واحدة؛وكانت لهذا القط بقعةبيضاء غير واضحة الحدود تتوزع على منطقة الصدر بكاملها.
حالما لمسته نهضوأخذ يخط بصوت مرتفع ويتمسح بيدي، وبدا مسروراً باهتمامي له، وإذن هذا هو بالضبطماكنت أبحث عنه. للحال عرضت على صاحب البيت شراءه، لكن هذا أجاب بأنه لايملكهولايعرف شيئاً عنه، ولم يره من قبل.
واصلت مداعبتي له، ولما تهيأت للذهاب،اتخذ وضعية تبين أنه يريد مرافقتي، فتركته يصحبني، وكنت بين الحين والآخر أتوقفوأربت على ظهره أو أمسح رأسه. لما وصل إلى البيت بدا أليفاً ولم يظهر عليه أياستغراب. وعلى الفور صار أثيراً لدى زوجتي.
أما أنا فسرعان ماوجدت المقتيتصاعد في أعماقي، وكان هذا عكس ماتوقعته. ولم أستطع أن أفهم كيف تعلق القط بيولاسبب هذا التعلق الواضح الذي أثار اشمئزازي وأزعجني. وأخذ الانزعاج والاشمئزازيتزايدان شيئاً فشيئاً ويتحولان إلى كراهية مريرة، فأخذت أتجنب هذا الكائن؛ كانإحساس ما بالعار، وذكرى فظاعتي السابقة يمسكان بي عن إلحاق الأذى الجسدي به. وامتنعت طوال أسابيع عن ضربه أو معاملته بعنف، لكن تدريجياً - وبتدرج متسارع- أخذتأنظر إليه بكره لايوصف وأبتعد بصمت عن حضوره البغيض كما أبتعد عن لهاث مصاببالطاعون.
ما أكدَّ كرهي لهذا الحيوان هو اكتشافي، صبيحة اليوم التاليلوصوله أنه مثل بلوتو، قد فقد إحدى عينيه، غير أن هذا زاد من عطف زوجتي عليه لأنهاكما ذكرت تملك قدراً عظيماً من المشاعر الإنسانية التي كانت ذات يوم ملامحيالمميزة، ومنبعاً لأكثر المسرات براءة ونقاء.
كان هيام القط بي يزدادبازدياد بغضي له، فكان يتبع خطواتي بثبات يصعب إيضاحه، فحيثما جلست، كان يجثم تحتمقعدي، أو يقفز إلى ركبتي ويغمرني بمداعباته المقززة، فإذا نهضت لأمشي اندفع بينقدمي وأوشك أو يوقعني، أو غرز مخالبه الطويلة الحادة في ثيابي ليتسلق إلى صدري، ومعأنني كنت أتحرق في مناسبات كهذه لقتله بضربة واحدة فقد كنت أمتنع عن ذلك بسبب منذكرى جريمتي السابقةإلى حد ما، لكن بصورة أخص – ولأعترف بذلك حالاً- بسبب الرعب منهذا الحيوان.
لم يكن هذا الرعب خوفاً من شر مادي مجسد، مع ذلك أحار كيفأحدده بغير ذلك، يخجلني أن أعترف أجل، حتى في زنزانة المجرمين هذه، يكاد يخجلنيالاعتراف بأن الرعب والهلع اللذين أوقعهما في نفسي هذا الحيوان ازدادا حدة بسبب منوهم لايقبله العقل.
كانت زوجتي قد لفتت انتباهي، أكثر من مرة إلى طبيعةالبقعة البيضاء على صدر القط، والتي أشرت إليها سابقاً، تلك العلامة التي تشكلالفارق الوحيد بين هذا الحيوان الغريب وذاك الذي قتلته.
هذه البقعة علىاتساعها لم تكن لها حدود واضحة، غير أنها شيئاً فشياً وبتدرج يكاد لايلحظ، تدرجصارع عقلي لكي يدحضه ويعتبره وهماً، اكتسبت شكلاً محدداً بوضوح تام. صار لها الآنشكل ارتعد لذكر اسمه ..هذا الشكل هو ماجعلني أشمئز وأرتعب، وأتمنى التخلص منالحيوان لو تجرأت ، كان الآن صورة لشيء بغيض شيء مروع هو المشنقة! أوه أيّ آلةشنيعة جهنيمة للفظاعة والجريمة للنزع والموت!
والآن لقد انحدرت إلى دركينحط بي عن صفة الإنسانية! كيف ينزل بي حيوان بهيم – قتلت مثله عن سابق تصميم- حيوان بهيم ينزل بي أنا الإنسان المخلوق على صورة كريمة، كل هذا الويل الذيلايحتمل! وا أسفاه! ماعدت أعرف رحمة الراحة لا في النهار ولا في الليل! ففي النهارلم يكن ذلك البهيم ليفارقني لحظة واحدة، وفي الليل كنت أهب من النوم مراراً يتملكنيذعر شديد لأجد لهاث ذلك الشيء فوق وجهي، وثقل جسمه الضخم – مثل كابوس متجسد لا أقوىعلى زحزحته- يجثم أبدياً فوق قلبي.
وهكذا انهارت بقايا الخير الواهية تحت وطأةهذا العذاب، وصارت أفكار الشر خدين روحي، أشدَّ الأفكار حلكة وشيطانية، ازدادتمزاجيتي سوداوية حتى تحولت إلى كراهية للأشياء كلها وللجنس البشري بأسره، وأخذتنوبات غضبي المفاجئة المتكررة التي لم أعد أتحكم بها واستسلمت لها كالأعمى، أخذتتطال وا أسفاه زوجتي، أعظم الصابرين على الآلام.
رافقتني ذات يوم لقضاء بعضالأعمال المنزلية في قبو المبنى القديم حيث أرغمتنا الفاقة على السكنى، تبعني القطعلى الدرج وكاد يرميني، فاستشاط غضبي الجنوني؛ رفعت فأساً متناسياً ماكان من خوفيالصبياني الذي أوقفني حتى الآن، وسددت ضربة إلى الحيوان كانت ستقضي عليه لو أنهانزلت حيث تمنيت، غير أن يد زوجتي أوقفت هذه الضربة. كان هذا التدخل بمثابة منخاسدفع بغضبي إلى الهياج الشيطاني؛ انتزعت يدي من قبضة زوجتي وودفنت الفأس في رأسها،فسقطت ميتة دون أن تصدر عنها نأمة.
لما ارتكبت هذه الجريمة البشعة، جلستعلى الفور أفكر في التخلص من الجثة. عرفت أنني لا أستطيع إخراجها من البيت لا فيالليل ولا في النهار دون أن أخاطر بتنبيه الجيران. مرت برأسي خطط عديدة. فكرت بأنأقطع الجثة إرباً ثم أتخلص منها بالحرق. وفكرت في حفر قبر لها في أرض القبو. كمافكرت في إلقائها في بئر الحوش، أو أن أحشرها في صندوق بضاعة وأستدعي حمالاً لأخذهامن البيت. وأخيراً اهتديت إلى أفضل خطة للتخلص منها. قررت أن أبنيها في جدار القبو،كما كان الرهبان في القرون الوسطى يبنون ضحاياهم في الجدران.
كان القبومناسباً لهذه الغاية. فقد كان بناء جدرانه مخلخلاً وقد تم توريق الجدران حديثاًبملاط خشن حالت الرطوبة دون تصلبه. وفوق ذلك كان في أحد الجدران تجويف بشكل المدخنةتم ردمه بحيث تستوي أجزاء الجدار، وتأكد لي أن باستطاعتي انتزاع قطع الطوب من هذاالتجويف وإدخال الجثة، وبناء التجويف ليعود الجدار كما كان بحيث لاترتاب العين فيأي تغيير.
ولم تخطئ حساباتي. استعنت بمخل لانتزاع قطع الطوب، وأوقفت الجثةبتأن لصق الجدار الداخلي ودعمتها لتحتفظ بوضع الوقوف، فيما كنت أدقق لأعيد كل شيءإلى ما كان عليه. كنت قد أحضرت الملاط والرمل والوبر، فهيأت الخليط بمنتهى الدقةوالعناية بحيث لايميز من الملاط السابق، وأعدت كل قطعة طوب إلى مكانها. عندما أكملتالعمل أحسست بالرضا عن النتيجة. لم يكن يبدو على الجدار أدنى أثر يدل على أنه قدلمس. نظفت الأرض بمنتهى العناية ونظرت حولي منتصراً وقلت في نفسي: ’’لم يذهب جهديسدىً‘‘.
كانت الخطوة الثانية هي البحث عن الحيوان الذي سبب لي هذه الفاجعةالرهيبة، ذلك أنني قررت القضاء عليه، لوعثرت عليه في تلك اللحظة لما كان هنالك منشك في أمر مصيره؛ لكن يبدو أن الحيوان الذكي أدرك عنف غضبي فاختفى متجنباً رؤيتيوأنا في ذلك المزاج.
يستحيل علي أن أصف عمق الراحة والسكينة التي أتاحهالروحي غياب ذلك الحيوان. لم يعد للظهور تلك الليلة. وهكذا ولأول مرة منذ وصوله إلىالبيت نمت بعمق وهدوء، أجل نمت على الرغم من وزر الجريمة الرابض فوق روحي.
مر اليوم الثاني ثم الثالث ولم يظهر معذبي، ومن جديد تنفست بحرية. لقد أصيبالوحش بالذعر فنجا بنفسه نهائياً! ولن يكون علي أن أتحمله بعد الآن! كانت سعادتيبذلك عظيمة! ولم يؤرق مضجعي وزر الجريمة السوداء إلا لماماً. جرت بعض التحقيقاتوقدمت أجوبة جاهزة. بل كانت هناك تحريات، غير أن شيئاً ما لم يكتشف، وأدركت أنمستقبل سعادتي في أمان.
في اليوم الرابع بعد وقوع الجريمة جاءت فرقة منالشرطة إلى البيت بشكل لم أتوقعه وبدأت تحريات واستجوابات دقيقة، لكن بما أنني كنتمطمئنا إلى إخفاء الجثة لم أشعر بأي حرج. سألني ضباط الشرطة أن أرافقهم إلى القبو،فلم ترتعد فيَّ عضلة واحدة. كان قلبي ينبض بهدوء كقلب بريء نائم. رحت أذرع القبوجيئة وذهاباً عاقداً ذراعي فوق صدري. اقتنع رجال الشرطة بنتائج بحثهم واستعدواللذهاب، كانت النشوة في قلبي أقوى من أن أكتمها. كنت أتحرق لقول كلمة واحدة، لفرطما أطربني الانتصار، ولكي أزيد يقينهم ببراءتي.
’’
أيها السادة - قلتأخيراً، لما كان الفريق يصعد الدرج - يسرني أن أكون قد بددت كل شكوككم. أتمنى لكمتمام الصحة ومزيداً من اللباقة، بالمناسبة أيها السادة، هذا بيت مكين البناء - فيرغبتي العارمة لقول شيء سهل،لم أجد ما أتلفظ به - إنه بيت مبني بشكل ممتاز. هذهالجدران- هاأنتم ذاهبون أيها السادة- هذه الجدران متماسكة تماماً‘‘
وهنا ،وبنوع من الزهو المتشنج- طرقت طرقاً قوياً على الجدار بعصا كانت بيدي، تماماً فيالموضع الذي أخفيت فيه زوجة قلبي.
لكن ليحمني الله من مخالب إبليسالأبالسة! لم تكد اهتزازات ضربتي تغرق في الصمت حتى جاوبني صوت من داخل القبر! صرخةمكتومة متقطعة بدأت كبكاء طفل، لكن سرعان ما أخذت تتعاظم وتتضخم لتغدو صرخة واحدةهائلة مديدة شاذة غريبة وغير آدمية بالمرة.. غدت عواء.. عويلاً مجلجلاً يطلقه مزيجمن الرعب والظفر، وكأنماتتصاعد من قيعان الجحيم تتعاون فيها حناجر الملعونين فيسعير عذاباتهم والشياطين إذ يهللون اللعنات.
من الحماقة أن أحدثكم عنالأفكار التي تلاطمت في رأسي.. ترنحت منهاراً وتهاويت مستنداً إلى الجدار المقابل.. للحظة واحدة ظل فريق الشرطة مسمراً على الدرج بفعل الرعب والاستغراب. وفي اللحظةالتالية كانت بضع عشرة ذراعاً شديدة تهدم الجدار. إنهار قطعة واحدة. كانت الجثة قدتحللت إلى درجة كبيرة وغطاها الدم المتجمد، وهي تنتصب واقفة أمام أعين المشاهدينوعلى رأسها يقف القط الأسود الكريه بفمه الأحمر المفتوح وعينه الوحيدة النارية،القط الذي دفعتني أفعاله إلى الجريمة ثم أسلمني صوته الكاشف إلى حبل المشنقة. كنتقد بنيت الجدار والقط داخل القبر.
****
أدجار الان بول