بحث لوحة التحكم مصر
خروج التسجيل مواضيع اليوم

العودة   عالم ابن مصر > ----حوارات جريئة---- > دهاليز السياسة
التسجيّل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
   
 
قديم 10-03-2007, 08:20 AM   #1 (رابط ثابت)
عضو مسجل
 
تاريخ التسجيّل: Aug 2004
الإقامة: Norway
المشاركات: 187
Abonaser
سيدي الرئيس ... وهل هناك غيرك؟


خمس سنوات مرت على هذين المقالين، فهل تغير شيء؟

أوسلو في 15 مارس 2002

سيدي الرئيس حسني مبارك،
لقد أعياني البحث مجددا في العثور على مسؤول مصري واحد في مصر كلها، من حلايبها إلى ثغرها، يستحق أن أوجه إليه رسالتي، فكلهم رجالك، يأتمرون بأمرك، ويخضعون لتوجيهاتك، ويبتسمون عندما تفرح، ويكشرون عن أنيابهم إذا غضبت على أحد، ويبررون كل آرائك وأفكارك وأحاديثك، وينسبون إليك أي نجاح، ويتحملون عنك أي فشل، ويتبعون أخبارك وتنقلاتك وتحركاتك واستقبالاتك أكثر مما يتابعون الهَمّ المصري، ويظنون أنهم في خدمتك وليسوا موظفين لدى هذا الشعب العظيم الصابر.

لم أجد غيرك، سيدي الرئيس، لأوجه إليه رسالتي، فكلهم، كما كتبت مرارا وتكرارا من قبل، أصفارٌ لا يساوي أكبرهم جناح بعوضة، وأكثرهم قيمةً هو أرخص من ورقة صغيرة تخرج من مكتبك وعليها توقيعك ليجد نفسه محاطا بزوجته وأولاده وقد اغرورقت عيونهم، فلم يعد رب البيت وزيرا أو محافظا أو وكيل وزارة أو رئيس تحرير صحيفة قومية أو حتى رئيس الوزراء أو محافظ البنك المركزي.

هل تعرف، سيدي الرئيس، أن ضغط دمي ارتفع، حقيقة لا مجازا، من جراء رسائلي المتكررة إليك، وتسرب هموم وقضايا وفواجع أم الدنيا إلى عقلي وقلبي وعواطفي وكل مسامات جسدي، ومع ذلك فقد رفضت رفضا قاطعا نصائح زملائي وأصدقائي والمخضرمين من الإعلاميين بالتوقف عن تحميلك، حفظك الله، أي مسؤولية، وتوجيه اللوم والعتاب والنقد إلى أي مسؤول آخر فمهمة الصحفي أن يسير بجوار الحائط، أو كما قالت لي إذاعية مصرية كبيرة بأن مهمــتنا الحقيقية هي الدفاع عن النظام، ولعلي لم أنس تأكيد نائب رئيس تحرير صحيفة قومية كبرى بأن الرئيس حسني مبارك لا يخطئ مطلقا!
دعني، سيدي الرئيس، أدخل للمرة العشرين أو الثلاثين أو أقل أو أكثر، المنطقة الوعرة والمحرمة والحمراء ففيها قلة نادرة يغمسون قلوبهم في دموع المصريين لتتحول إلى دماء حمراء قانية، ومع ذلك فالرؤية فيها صافية ولا تعكرها كتابات أخرى تسعى لتزييف الواقع والتاريخ وكتابة هوية جديدة لهذا البلد الطيـب.
لا يستطيع قلمي أن يمدن عينيه أو ريشته أو حبره إلى أي من هؤلاء الذين يحيطون بك نهارا، ويحلمون برضاك ليلا، ويلونون لعينيك كل الألوان القاتــــمة والحزينة فرحا وبهجة وسعادة، حتى عندما احترق فقراء الصعيد في قطار الموت كان اهتمامهم الأول منصبا على متابعتك للحادث الجلل، أما أنا فقد وددت من كل قلبي أن تترك ضيوفك واستقبالاتك وتذهب بنفسك في اللحظات الأولى إلى موقع الكارثة لتشارك المصريين أحزانهم فأنت، سيدي الرئيس، أولى بالحزن والدموع على مواطنيك من أحاديث جافة تخرج من بين شفتي رئيس الوزراء فتزيد المصريين حسرة على أرواح ضحايا قطار الغلابة.
توسلت إلى قلمي أن يتوقف عن عتابك وتحميلك أي مسؤولية لفشل اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي فكاد يُضرب عن الكتابة أو عن طاعة أي فكرة تجول بخاطري، فلا يزال هذا القلم العنيد لا يرى في مصر كلها غيرك.
في الحقيقة، سيدي الرئيس، فأنا مندهش تماما من قدرتك طوال ربع قرن على الثقة الشديدة بكل اختياراتك وخياراتك ولو خالفك في هذا سبعون مليونا من المصريين، فالحق معك أينما حللت، وكل المثقفين والمفكرين والمتخصصين والعلماء والأكاديميين والكتاب وغيرهم يستطيعون في عهدك أن يقدموا كل ما لديهم من آراء وأفكار واقتراحات وتقارير، لكنها لن تجد منك استجابة أو تفهما أو أذنا صاغية أو وعدا بالتفكير!

هل تعرف ، سيدي الرئيس، أنك الوحيد من بين كل زعماء العالم قاطبة، مدنيين وعسكريين، الذي يحكم بقانون الطوارئ شعبا من أطيب الشعوب وأقلها عنفا، في نفس الوقت الذي ثارت فيه الأرجنتين كلها لأن قانون الطوارئ استمر لثلاثين يوما، وليس لأربعة وعشرين عاما حتى الآن، أي قبل ولايتك الخامسة وربما السادسة، أطال الله في عمرك! من أين أبدأ، سيدي الرئيس، وكل مصر أوجاع وجروح ونتوءات ودموع وقهر؟
ولتكن البداية من هناك.. من القصر الجمهوري.. ومن المكان الذي تتواجد فيه حيث تجد حولك مستشارين ووزراء ورجال أمن وحماة للنظام وأعضاء حكومة لا يستطيع أحدهم أن يتنفس أمامك أو يخالفك أو يختلف معك أو يعرض عليك ما لا يرضيك أو لا يمتدح في عبقرية توجيهاتك، وكلهم، سيدي الرئيس، جبناء خائفون على مناصبهم وامتيازا تهم وليذهب الشعب المصري إلى الجحيم أو يستقل قطار الصعيد.
هل تعرف، سيدي الرئيس، انك الآن بعيد جدا عن شعبك، وأن ما يعرضه عليك مستشاروك وتقرأه في الصحف القومية وتسمعه من وزير إعلامك عن المعجزات والخيرات ومتانة الاقتصاد وسعادة المواطن وكرامة المصريين في عهدك بعد أكثر من عقدين من حكمك ، لا علاقة له بالواقع، وهو تزييف للحقيقة وتزوير في أوراق وطنية وافتراءات على التاريخ واغتيال للضمير؟
هل تريد أن تسمع مني مالم يقله لك زملائي في بلاط صاحبة الجلالة السلطة الرابعة؟ إنني أحلم بأن تُخرج أرض مصر الطاهرة والطيبة، بعد انتهاء ولايتك، أمد الله في عمرك، زعيما مختلفا عنك تماما، يلغي قانون الطوارئ، وينكب على قضايا المصريين في الداخل والخارج، ويرى كرامة المصري من كرامته، ويعرض على الأمة مشروعا قوميا لإنهاء كارثة الأمية، والبلهارسيا، والكبد الوبائي، والفساد، والرشوة، والقوانين العتيقة الحمقاء، ونهب أموال الدولة، ومياه الشرب، والتطرف الديني، ويرد للمصري اعتباره، وينهي عصر الاستبداد في اختيار الوزراء والمسؤولين والمحافظين، ولا يضع مصريا في موقع قيادي قبل أن تتم بعناية قراءة ملفه الأمني والمالي والأخلاقي والعلمي والفكري.
أحلم بزعيم مصري ليس رئيسا للحزب الوطني أو الوفد أو اليسار أو اليمين أو الإخوان المسلمين، فالانحياز لأي تجمع سياسي هو دعوة مفتوحة للمنافقين للانخراط فيه لعلهم يتقربون إليك أو ترضى عنهم أو ينتفعون بعضويته.
أحلم بزعيم مصري يفي بوعده، ويرفض التصاق روحه بكرسي السلطة، ويعود إلى مقعده بين الجماهير عندما تنتهي فترة ولايته، فمصر العظيمة ولاّدة، وتستطيع أن تنجب في كل يوم سبعين زعيما لإكمال ما توقف بعد انتهاء ولاية زعيمها.
أحلم بزعيم مصري يمكنه أن يسمع شكوى المواطن قبل أن تصله، ويشعر بأوجاعه قبل أن يصرخ، ويقرأ كل ورقة وصحيفة ونداء، ويجند نفسه لخدمة شعب مصر بدلا من الظن بأن مهمة الرئيس أو الأمير أو الملك هي التكرم بحكم الشعب وليس التشرف بخدمته.
أحلم بزعيم يتجنب الوقوع في الفخ الذي نصبه له المستشارون والمنافقون والأفاقون الذين أوحوا إليه أن مصر تبدأ من الخارج، وأن الاستقبالات والمحادثات والزيارات والحفلات والمؤتمرات أهم وأبقى من قضايا الداخل لأن هذا يعني بكل بساطة وقوع مصر كلها في قبضة شللية ومراكز قوى تحيط به وتمنع عنه أنفاس ودموع وآلام وشكاوى المصريين.

أحلم بزعيم متواضع يعرف سلفا أن عبقريته في أن يستشير الشعب، وأن يسمع نبضه، وأن يلمس طلبه قبل أن تحجبه عنه جدران القصر الجمهوري.
أحلم بزعيم يقف موقفا حاسما وحازما من المنافقين والمطبلين وأن يحاسبهم حسابا عسيرا، ويبعدهم عن طريقه، فالذين يكتبون وينشرون ويبررون كل أخطاء الرئيس فيجعلونها من نصيب رئيس الوزراء أو الوزراء أو المحافظين، يساهمون في إبعاده عن شعبه.
أحلم بزعيم لا تأخذه عزة النفس إن قرأ نقدا أو نصيحة أو هجاء أو تحليلا مخالفا لرؤيته، لكنه يقرب إليه المعارضين والمخالفين ومستشاري الخير، لهذا، سيدي الرئيس، ومئات الأسباب الأخرى، أجد أنني أراك في مكان بعيد تماما عن موقع تواجد المصريين، فعزة النفس تأخذك وتحجبك عنا وترفع مقامك عن أوجاع شعبك.
وساندك في هذا صف طويل من المنافقين والجبناء الذين قالوا وكتبوا ونشروا فهما خاطئا لأصول الحكم فزعموا أنك لا تحب سياسة الصدمات الكهربية، أي من الأفضل أن تترك الفاسد واللص والفاشل سنوات طويلة حتى تتجمع لديك شواهد كثيرة وعشرات الأدلة، ويكون هو قد أدى مهمته كاملة!
أليس هذا ما حدث مع وزرائك الفاشلين، وأنت، سيدي الرئيس، لا تقرأ مقالا، ولا تسمع ناصحا، ولا تنصت إلى مخلص، وتأملك دون أن تكلف جهة أمنية بإحضارملفاتهم أمامك.
في قلبي، سيدي الرئيس، غصة ولوعة ودماء تضل طريقها في شرايين القلب من جراء متابعتي لهموم مصر في عهدك، ولو رأيتني الآن لظننتني ميتا نصفه حياة، أو حيا نصفه موت!
هل صحيح أن رفضك لتعيين نائب لك هو تمهيد لتولي السيد جمال مبارك حكم مصر لعقدين أو ثلاثة؟أغلب الظن أن السيناريو القادم الذي سيقتلني همّاً وحبا في أم الدنيا وخوفا عليها سيكون كالتالي:
مسيرة من أعضاء مجلس الشعب ترفع وثيقة بالدماء تطالبك بأن يكمل جمال مبارك إنجازاتك حتى لا تختفي المباركية ويخسر الشعب مكاسبه التي حققها في كل ولاياتك الأربع أو الخمس أو العشر، ثم تتبعها مجموعة من الافتتاحيات لكبار محرري الصحافة القومية تطالبك بأن لا تتخلى عن شعب مصر، فإذا أصررت فليكن السيد جمال مبارك رئيسا وأمينا على مصر ومستقبلها. وبحسبة بسيطة مستندة إلى خبرات مصرية بحتة، فإن السيد الرئيس جمال مبارك تنتهي مدة رئاسته أطال الله في عمره وعمرك، عام ألفين وثلاثين وربما يزدادوا عشرا!
لو استمعت إلى نبضت قلبي الآن لظننتها بركانا هائجا ومتفجرا من الآلام والأحزان على بهية.. مصر الحبيبة.
سأحدثك الآن حديثا قديما جديدا، نشرت بدايته عام خمسة وثمانين في مقال لي تحت عنوان ( أنت متهم لأنك مصري) وهو في الواقع أقل القضايا المصرية اقترابا منك،ولا أظنك، سيدي الرئيس، تعرف أن المصريين الذين قتلتهم استخبارات صدام حسين وأرسلت جثثهم المشوهة في توابيت خشبية داخل أحشاء طائرة حطت في مطار القاهرة الدولي بلغوا أكثر من أربعة آلاف مصري، لو كانوا أربعة فقط من دولة أوروبية لوقف رئيسها يدافع عن أرواحهم ويجند الدولة كلها ليقتص لهم من قاتليهم، ولكن لأنهم مصريون فكرامتهم في ذيل أولوياتك.
أليس هذا ما فعله العقيد معمر القذافي مرتين أو أكثر؟ ألم يهن المصريين وتضربهم بالأحذية استخباراته العفنة، ثم تلقي بآلاف منهم في صحراء السلوم بعد سرقتهم ونهب ممتلكاتهم؟
ولم نسمع، سيدي الرئيس، أنك دافعت عنهم، أو ثأرت لكرامتهم، أو اهتز كرسي واحد من تحت مؤخرة وزير أو مسؤول كبير أو حتى صغير.
هل تعرف، سيدي الرئيس، أن آلاف الحجاج المصريين الذين عبروا الأراضي الأردنية مسح الأردنيون بكرامتهم الأرض كما فعلوا من قبل إبان الغزو العراقي الآثم لدولة الكويت؟
وقتها لم تخرج قصاصة ورق صغيرة من القصر الجمهوري تهدد أو تتوعد الاستخبارات الأردنية، أو حتى كلمة عتاب للملك الراحل الحسين بن طلال، فالمهانون مصريون ولا كرامة لمصري في وطنه أو في الخارج.
مئات من الحجاج الذين كانوا ضيوفا لدى الرحمن يمرون عبر أراضي الملك الهاشمي الصغير، فيتم ضربهم وإهانتهم وسرقة أموالهم وإجبارهم على دفع إتاوات للبلطجية في استخبارات عبد الله، ولم يرتفع صوتك، ولم تكترث هنيهة واحدة لكرامة رعاياك أو مواطنيك، فهم مصريون لا كرامة لهم. هل أكرر على مسامعك، سيدي الرئيس، قصة الكرامة المصرية في أقسام الشرطة وتحت الأكف الغليظة لمخبرين أو مرشدين، أو بسوط لاذع من السيد مأمور القسم؟
أكاد أشاهد آلاف الملفات والأوراق والرسائل التي تصلك من منظمات حقوق الإنسان والصحف والكتاب والشرفاء وبعض ضيوفك من الأوروبيين المهمومين بقضايا الحقوق، فضلا عما نشرته الصحف، مدعوما بالصور والأسماء والتواريخ، وكلها تصرخ وتبكي وتذرف الدموع دماء على وادي النيل، ولكنك، حفظك الله وأطال في عمرك، لم تتأمل أو تكترث أو تهتم لحظة واحدة من منظور إنساني بما فعلوه بمواطنيك ورعاياك المؤتمن أنت عليهم، فالحقيقة الدامغة التي لم يستوعبها الكثيرون هي أن هؤلاء المظلومين والمعذبين في الأرض مصريون، وتلك والذي نفسي بيده تهمة يستحق صاحبها أن ينهال أي ضابط شرطة على قفاه ويوسعه ضربا وركلا وسبا وقذفا! من قال بأن دنشواي لم تجدد شبابها؟
قال الدكتور أحمد مدحت رئيس قسم الجهاز الهضمي والكبد بطب أسيوط بأن هناك ثمانية ملايين مصري مصابون بفيروس الكبد!
ألم يستوقفك، سيدي الرئيس، انتشار هذا المرض اللعين في أجساد رعاياك، لتجند إمكانياتك وطاقاتك وسلطتك التنفيذية للقيام بحملة قومية وطنية يشترك فيها الإعلام وكل أطباء مصر وتستغيث فيها بكل المنظمات العالمية الطبية لوقف زحف المرض وإنقاذ مواطنيك الذين هم ثروة المستقبل، وعماد التقدم، بدلا من تركهم ينتظرون ملك الموت.
معذرة، سيدي الرئيس، لقد نسيت أن أقول لك بأنهم مصريون لا كرامة لهم في وطنهم!
ألم تجد، سيدي الرئيس، في كل رجالك شخصا آخرغير اللواء عمر سليمان يتوسط بين الارهاب الصهيوني وأبطال الانتفاضة؟ إنني أغار غيرة شديدة على أجهزة المخابرات ومباحث أمن الدولة فمكانها الطبيعي داخل مصر وفي إطار دورها الوطني، فانا لا أتصور رئيس جهاز المخابرات المصرية يزور الأرض المحتلة وبقدم جواز سفره ويتعرض لمراقبة من الموساد، فلا شك بأن كل خطوة كان يخطوها في الشارع والسيارة والفندق والغرفة فضلا عن أكثر خصوصياته حرمة تعرضت للمراقبة من أجهزة الموساد الصهيونية.
لقد جانبك الصواب، سيدي الرئيس، عندما أرسلت رئيس جهازنا الوطني حاملا رسالة منك،فرئيس جهاز المخابرات المصرية أكبر وأشرف من أن يحمل رسالة إلى الكيان الصهيوني العنصري في فلسطين المحتلة.
دعني أعترف لك، سيدي الرئيس، بأن حيرتي في فكرك تحمل في طياتها آلاف التساؤلات التي تتفرع من كل منها علامات استفهام قد تكبر أو تصغر، لكن أيا منها لم نجد جوابا شافيا أو نصف شاف ولو كان يفتقد إلى نصف المنطق.
كيف ترى، سيدي الرئيس، ثورة الإدارة الحديثة التي تجتاح الدول المتقدمة وتفصلها، بل وتبترها عن عالمنا الثالث المتخلف؟
هل تعرف القوة السحرية التي يمنحها المصريون لحكامهم منذ عهد مينا موحد القطرين؟ هل تعرف أنك تحكم شعبا طيبا يرى حكامه أنصاف أنبياء وأرباع آلهة؟ إن كنت تعرف فبين يديك عصا موسى تستطيع أن تشق بها البحر والجبال وتغيّر من سلوكيات مستحدثة سيئة مرت على شعبك، وأن تصنع معجزات لا قبل لزعيم آخر بها!
قطعا لن تنطلي على عاشق لمصر بيانات المطبلين وهم يحدثوننا عن دخول مصر القرن الأول بعد العشرين، فلا دخول أو اقتراب أو حتى شم رائحة هذا القرن قبل أن يحدثك مستشاروك( على الرغم من عدم ثقتي بأي منهم) بأن الشرط الوحيد لتقدم مصر هو تحديث الإدارة في كل شبر على أرض هذا البلد الطاهر.
هذا الاكتشاف لم يكن بحاجة إلى عبقرية وأحسب أنه دار بذهنك، سيدي الرئيس، عندما توليت الحكم بعد الرئيس الراحل أنور السادات.
كف يمكن أن تتكدس آلاف من القضايا وتكوّن جبلا شاهقا من الظلم الشديد الذي يحيق بأصحاب الحق أو الأبرياء أو المظلومين أو الواثقين بعدالة القضاء وظلم الإدارة المتخلفة؟
لو أنك، سيدي الرئيس، بدأت حكمك بتحديث الإدارة وجعل مصر دولة مؤسسات يعرف فيها المصري حقوقه وواجباته، وتستطيع الدولة أن تصل إلى ملف
أي شخص في أي موضوع عن طريق الإدارة الحديثة وأجهزة الكمبيوتر والأرشيف وربط المؤسسات في إطار دولة عصرية لكنت الآن زعيم عصر النهضة الجديدة.
لكنك، سيدي الرئيس، وهذا هو خلافي الكبير مع نظام حكمك، أردت أن تدخل مصر فاتحا من الخارج ، وظننت، حفظك الله، أن مهمة رئيس الدولة هي الاستقبالات والسفر والاجتماع بالشخصيات المهمة وحضور الاحتفالات والحفلات وافتتاح المشروعات الكبرى وتوجيه رسائل التهنئة والتعزية ولعب دور عالمي في السلام والوساطة والتأكيد للبنك الدولي وصندوق الدعم والمؤسسات المانحة أن اقتصاد مصر يحتاج لجرعة صغيرة حتى يعدل مساره ونلمس زمن الرفاهية!
ولكن مصر العظيمة كانت تنتظرك من مكان آخر، وشعبك الطيب يعثر لك بسهولة ويسر على كل المبررات، وينتظر وصولك لتراه، وتضمه، وتحتضنه، وتخفف آلامه، وتداوي جراحه.. وتطول وحشة الانتظار سنوات طويلة وتفترس الأمية والكبد الوبائي والبلهارسيا وشركات توظيف الأموال وناهبو خيرات مصر ونواب القروض والكيف وتجار المخدرات والتطرف الديني والرشوة والفساد وثقافة التسول ومئات غيرها شعبنا العظيم لأنها لم تجدك واقفا تحرس مصر من الداخل فجعلت تختلس وتنهب وتسرق وتقترض من اقتصاد الوطن لتخرج به مرفوعة الرأس من مطار القاهرة الدولي فهي تعرف سلفا أن الرئيس ليس هناك!
دهشتي من كارثة قضية وزير المالية السابق( الذي تم الحكم عليه، ثم ايداعه السجن، وبعد ثلاث سنوات تمت تبرأته وكأن العدالة منشطرة) تعادل حيرتي في اكتشاف سرقات مخيفة ونهب ورشوة مارسها رئيس إدارة الجمارك وبعض من أعوانه.
لو كانت هناك إدارة حديثة يتابعها مخلصون وأصحاب كفاءات لما تجرأ واحد في الجمرك أن يرتشي أو يعطل بضائع مستوردة حتى يتلقى نصيبه، أما أن يكون هناك مدير للجمارك بكل ما فيها من أموال المواطنين والدولة والتجار ومصالح اقتصادية وسمعة مصرية، ثم يجد الفرصة لعدة سنوات أمامه بملايين الجنيهات، فتلك لعمري كارثة بكل المقاييس.
كان من المفترض، سيدي الرئيس، أن يكون هناك من مباحث الأموال قرينان له عن اليمين وعن الشمال قعيد، يتابعانه، ويلتصقان به، ويراقبان هاتفه، ولا يتركانه إلا وهو في أحضان زوجته، هذا فضلا عن معرفة كل مصري، من أفراد الشعب أو من المسؤولين، بأن معظم أهل النار يوم القيامة سيكونون من العاملين في الجمارك المصرية أو موظفي الأوقاف!
مكان فيه الرشوة كالطعام والشراب، ويعشش فيه البلطجية و القبضايات، ويستخدم فيه العاملون المطاوي قرن الغزال كما يستخدمون أصابعهم.
عشرات من منافذ السرقة واستنزاف أموال الوطن المسكين كان من الممكن تجنبها لو أنك، سيدي الرئيس، دخلت مصر فاتحا إياها من الداخل، وكنت ستشاهد بلدا آخر مختلفا تماما عن مصر التي تشاهدها في الحفلات والاستقبالات وإعلام ماسبيرو وتقارير كاذبة وافتتاحيات الصحف القومية وتقارير مستشاريك وتطمينات وزرائك وبيان السيد رئيس الوزراء الموجه أصلا لك لترضى عنه وليس للحقيقة والشعب والوطن.
هل تريد أن تسمع مني مزيدا مما لم يقله لك مستشاروك وزملائي في مهنة البحث عن المتاعب؟
أنا أزعم، سيدي الرئيس، أنك لم تعرف مصر بعد، ولم تشاهد مئات القرى التي تفتقد لأقل مقومات الحياة البسيطة من مياه صالحة وكهرباء وصرف صحي وخدمات بيئية وأدوية ومستشفيات ومدارس وبريد ومواصلات وطرق ومنازل وزراعة وإقطاع!
وأزعم أنك، حفظك الله، لم تفكر في مشروع وطني قومي للقضاء على الأمية والرشوة، أو الإدارات المتخلفة، أو الأمراض الوبائية!
وأنا على يقين إيمانيّ بأنك أشحت بوجهك لعقدين كاملين عندما قرأت وتابعت وعرضت عليك مئات الحالات لمصريين تعرضوا للتعذيب والبطش والقمع والإهانة والتعليق كالخراف في أقسام الشرطة, فكرامة المصري، والمفترض أنها تجعل النوم لا يقترب منك يوما أو بعض يوم، لم تكن في مقدمة اهتماماتك أو حتى في ذيلها. أما المصريون في الخارج فلا أظن، سيدي الرئيس، أنهم شغلوا ساعة زمن من فكرك، فأن يقتلهم طاغية بغداد أو يطردهم العقيد أو تجلدهم المخابرات الأردنية أو يأكل حقوقهم الكفيل في خليجنا العربي، فهم امتداد للمصريين في الداخل بكرامتهم التي سقطت في بئر سحيق منذ سنوات طويلة ولم تكلف أحدا للبحث عنها!

هل تعلم، سيدي الرئيس، أنه لا يوجد بند واحد في بيان الحكومة للعام قبل الماضي تم تنفيذه في العام التالي؟ حتى الوعد الذي أطلقه الدكتور رئيس الوزراء عن التزامه بتوفير مائة ألف وحدة سكنية، تم تسليم خمسة آلاف وحدة منها في العام الماضي!
السبب بكل بساطة أن البيان الأول كان موجها إليك فأنت، سيدي الرئيس، الذي اخترت رئيس الوزراء من بين سبعين مليونا من المصريين، ورأيت أنه الأصلح، تماما كما اخترت محافظ الجيزة، وكما احتفظت بالدكتور عاطف صدقي تسع سنوات قاتلة وهو ينتقل من فشل إلى آخر دون أن تنتبه أو ترى أفضل منه.
أما تسليم خمسة آلاف وحدة سكنية من مائة ألف فهو أمر طبيعي لثقة رئيس الوزراء أنك لن تعاتب أو تؤنب أو تحاسب.
في الواقع فأنا لا أختلف عن معظم، إن لم يكن كل أفراد شعبنا المصري الصابر الذي لا يفهم أمّيوه أو عباقرته حساباتك الفكرية والعقلية والثقافية والعملية في اختيار أعضاء الحكومة أو في الاحتفاظ بأكثرهم سنوات طويلة حتى لو تكدست على مكتبك مئات الوثائق والمقالات والتقارير التي تؤكد فشل الوزير!
هل تتابع الإعلام المصري، وتشاهد القنوات الأرضية والفضائية ؟ لاريب في أنك تتابع وتشاهد بل وتمتدح التقدم الهائل الذي حقق الإعلام المصري في العشرين عاما الفائتة!
مقاييسك، سيدي الرئيس أعزك الله، تختلف مطلقا عن كل مقاييس النقاد والمثقفين والكتاب والمتابعين والإعلاميين من خارج ماسبيرو وأصدقاء مصر وعشاقها من خارج أرض الكنانة، فإعلامنا المصري حقق فشلا ذريعا وسقوطا وانهيارا وانحدارا يراه الكفيف ويسمعه الأصم.
القنوات الفضائية المصرية المعبرة عن تقدم وتحضر مصر وشعبها أصبحت مرتعا خصبا للمعوقين ذهنيا والمحنطين فكريا والمتخلفين إعلاميا، وهي تتكدس بأصحاب وأقارب ومعارف المسؤولين ورجال الأعمال والمارينيين من أثرياء مصر الجدد، وحاربت القنوات المصرية الكفاءات والثقافة الجادة والهادفة، وطاردت الشرفاء والمخلصين، وخاصمت اللغة العربية في تعمد واضح كأنها رضعت من ريشة قلم سعيد عقل!

ومع ذلك، سيدي الرئيس، وبالرغم من بكاء الأثير الذي يحمل إرسال القنوات التلفزيونية المصرية على التخريب والإهمال والتراجع والتخلف والفشل أمام قنوات أخرى صغيرة تنطلق من علب كبريت، فإنك تجدد بسعادة غامرة وثقة كبيرة لقيادات الإعلام حتى كدت لا أصدق أنك، حفظك الله ورعاك، تمتلك جهازا للتلفزيون!

كم تمنيت أن أتسلل إلى عقلك وأشاهد بأم عيني مراحل تكوين فكرة ثم خروجها إلى العلن في صورة قرار أو توجيه أو رسالة أو أوامر باستمرار احتفاظ مسؤول بمنصبه.
فمثلا هل تجمعت لديك، سيدي الرئيس، ملفات وتقارير وأراء مستشارين ومقالات وتحقيقات وخطابات سرية خاصة من أجهزة أمن الدولة عن أحد رجالك، وليكن كمال الشاذلي أو يوسف والي أو فهيم الريان أو صفوت الشريف أو ممدوح البلتاجي أو عشرات غيرهم، ثم جلست، وتأملت ، واستخرت الله ، وقارنت بين المسؤولين وبين مئات العباقرة المصريين، ثم اكتشفت بعد ذلك أن مصر كلها، من صعيدها إلى اسكندريتها مخطئة، لأن رجالك الذين تختارهم وتحتفظ بهم وترفض أن يحل محل أحدهم مصري واحد من الأرض الطيبة هم أفضل ما أنجبت بطن بهية؟
سيدي الرئيس، إنني أحلم بمصر في كل دقيقة من دقائق يومي فأنتقل من الإدارة إلى الكمبيوتر فالتعليم فالرياضة فالإعلام ثم أعرج على السياحة وحقوق المواطن والمستشفيات والأطباء والأدوية والتجارة والصراع مع الصهيونية وأمريكا والاقتصاد والسلطة والانتخابات والقوانين والظلم والجمارك والسياسة الخارجية وضباط الأمن والمواصلات والبريد والهاتف و.. وكلما داويت جرحا بان جرح.
وفي كل مرة لا أرى غيرك، ولو كنت رئيسا لدولة أوروبية فربما تكون المسؤولية مشتركة مع كل مؤسسات الدولة، أما في مصر التي يرفض شعبها أن لا يتصرف الزعيم إلا كفرعون يأمر وينهي ويوجه ويقرر، فمسؤوليتك مضاعفة، بل لعلها الوحيدة.
لهذا، سيدي الرئيس، كلما قرأ زميل صحفي مصري رسائلي إليك يرفض الحديث معي علي مرأى ومسمع من زملائه، فقد تجاوزت كل الخطوط الحمراء، لأن حديثي إليك يحمل كلمات عفيفة من مواطن إلى رئيسه، فقد جرى العرف في مصر وفي الصحافة وكل وسائل الإعلام وبين المثقفين على أنك، حفظك الله، تتلقى التهاني على النجاح، أما الفشل فيتحمله الآخرون.

صدقني، سيدي الرئيس، فقد حاولت ما وسعني الجهد أن أبحث عن غيرك فلم أجد واحدا يستحق أن أتوجه إليه بالحديث أو العتاب أو النقد أو النصيحة. إنني أراهم معك وخلفك وهم يبتسمون ويوافقون على كل كلمة تخرج من بين شفتيك، وأتابعهم وهو يقفون صفا واحدا في وداعك بالمطار، ثم يرصون صفوفهم مرة أخرى لدى عودتك، حتى رئيس الوزراء. إنهم يعملون من أجلك وليس من أجل المصريين، والغريب أنهم لا يزورون مكاتبهم الأنيقة إلا لماما، فهم إما في اجتماع لمجلس الوزراء أو في حفل استقبال أو ينتظرون سفرك أو عودتك أو توجيهاتك.
لو أوقفت مصريا أميا أو مثقفا أو أكاديميا أو عالما أو سياسيا أو متابعا ضعيفا لقضايا بلده وسألته أي الاثنين يحتفظ بهما الرئيس: كمال الشاذلي ويوسف والي أم أحمد الجويلي ونادية مكرم عبيد؟ فإن الإجابة لا تحتاج لذكاء كبير أكثر من حاجتها لحس مصري قوي يتوارثه المصريون منذ آلاف السنين!
سيدي الرئيس،
أليس من حق الشعب أن يعرف شروط البنك الدولي وجميع المنظمات المانحة؟ أليس من حق المصريين أن يعرفوا إن كان الدعم الأمريكي السنوي لسواد عيون رعاياك أم يخفي خلفه شروطا قاسية على النفس الوطنية والكارهة للظلم وللعدو الصهيوني؟
قبل أن أحدثك عن رعاياك في أفغانستان دعني أكرر التأكيد على موقفي المبدئي من التطرف الديني ومن كل الجماعات المتشددة، وأن الكثيرين من الأفغان العرب المصريين آذوا مصر كثيرا وتآمروا واشتركوا في تخريب الاقتصاد والسياحة وأن أكثرهم مطلوبون للعدالة في مصر أو لقضاء أحكام غيابية.
ولكن يظل المصريون أيا كانت انتماءاتهم وأفكارهم رعاياك ومواطنيك ولو كانوا مختبئين في جبل تورا بورا، فلماذا لم تطالب الأمريكيين بتسليمهم لمصر لمحاكمة المجرمين منهم محاكمة عادلة، وترك الأبرياء يعودون لأحضان أهلهم لعلهم يكتشفون خدعة الجهاد في أفغانستان؟

سيدي الرئيس،
لقد كنت قائدا للطيران وطيارا ماهرا وعسكريا ملتزما ومنضبطا، فكيف لم تنتبه لإعطاء توجيهات ملزمة بأن لا يستقل العسكريون طائرة مدنية واحدة، فإذا بثلاثة وثلاثين من خيرة أبنائك العسكريين يضعهم مسؤولون مصريون أو أمريكيون في طائرة واحدة تطير فوق نيويورك وتصل كل أسمائهم إلى الجهات الصهيونية؟ ألم يكن أمرا طبيعيا أن يقوم أصحاب المصلحة،الأمريكية أو الصهيونية، بالتخلص منهم بضربة واحدة؟

سيدي الرئيس،
كيف ترى مستقبل مصر؟ هل سيصبح قانون الطوارئ جزءا من صميم الحياة المصرية خاصة إذا تولى السيد جمال مبارك حكم مصر لخمس أو سبع أو تسع ولايات قادمة؟ هل لديك مشروع قومي للتخلص من البطالة التي جاوزت الحد الأكثر خطورة لطوفان أرجنتيني قد لا يبقي ولا يذر؟ هل لديك مشروع قومي آخر لوقف نزيف هجرة الأدمغة المصرية؟ أين تذهب أموال الدعم العربي والدولي والأمريكي والبترول والسياحة وقناة السويس وتحويلات المصريين؟
هل لديك، حفظك الله، مشروع قومي وطني للتآلف والتسامح بين المسيحيين والمسلمين؟ ماذا يحدث في تخبطات القرارات الاقتصادية في الجمارك والتصدير والاستيراد والعملة وبور سعيد؟ ، سيدي الرئيس، لم ينته ما في جعبتي ففي داخلي بركان هائج من الغضب معجون بحب جارف وقاتل لمصر الطيبة وشعبها الصابر، وسأكتفي بهذا القدر قبل أن تنفجر شرايين قلبي كمدا وحزنا وهما ووجعا!
وطوبى للصابرين في أم الدنيا


رسالة من الرئيس مبارك .. لا، ليس هناك غيري؟

أوسلو في 14 مايو 2002

أيها الأخوة المواطنون،
اقتربت الساعات الحاسمة قبل موافقتي على تجديد البيعة لولاية خامسة وبانتهائها أكون قد أكملت ثلاثين عاما زعيما أوحد لمصر العظيمة.
لعلكم تعرفون أنني لست في حاجة لحملة دعائية أو انتخابات أو منافسة فهذه ليست الديموقراطية التي فهمتها منذ أن توليت حكمكم عام واحد وثمانين، بل إنني لن أكلف نفسي عناء طلب التجديد لسبب بسيط هو أنكم ستخرجون في مظاهرات حاشدة، عمالا وفلاحين وطلابا، تطلبون مني أن لا أترككم يتامى، ولا أغادر القصر الرئاسي في هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ مصر.
قطعا ستسبق مظاهراتكم عدة مقالات افتتاحية من رؤساء تحرير الصحف والمجلات الذين بلغ أكثرهم شبابا عامه السبعين، وسيعددون إنجازاتي وعبقريتي والمعجزات التي تحققت على يدي، ثم تنتهي الافتتاحية برجاء شديد وتوسل بدموع دافئة أن أوافق على تجديد البيعة فهو مطلب جماهيري شعبي، وأن كل مكتسبات مصر منذ أن توليت الحكم معرضة للانهيار إن لم تستمر المباركية نظام حكم وعنوانا للرفاهية وتجربة رائدة لشعب مصر العظيم.
أما أعضاء مجلسي الشعب والشورى فلن يكون دورهم أقل من افتتاحيات الصحف اليومية والأسبوعية، وسيكتبون وثيقة بيعة، ويخرجون في مسيرة لا يتخلف عنها إلا ثلاثة أو أربعة من المشاغبين اليساريين أو الإخوان المسلمين أو بقايا الشيوعيين.
في الواقع، أيها الأخوة المواطنون، فإنني لم أتخيل للحظة واحدة أن هناك مصريا واحدا في طول البلاد وعرضها يمكن أن يحل محلي، ويجلس في القصر الجمهوري وأعود أنا إلى صفوفكم مواطنا لا أملك القوة والسطوة والسلطة وكل ما في أرض مصر وسمائها وبحرها ونيلها، لهذا رفضت لأكثر من أربعة وعشرين عاما أن يكون لي نائب يشاركني الحكم ويحلم في منامه أو يقظته بأنه قد يصبح رئيسا لمصر.
هذا هراء وتخيلات مريضة وأضغاث أحلام، فأنتم لا تفهمون ولا تعرفون لذة السلطة وعشق كرسي الحكم! ثم ماذا يفعل ابني جمال مبارك في حال تحقيق حلم مصري آخر أن يتولى شؤون وأمور أرض الكنانة بعدي؟ هل تنتهي المباركية ولا يتذوق حلاوة السلطة من بعدي مبارك آخر؟
ومع ذلك فأنا لم أجبر أحدا على أن يمنحني صوته أو يمتدح في عبقريتي أو يفسر حديثي، فمثقفوكم ومفكرو مصر وكتابها وإعلاميوها يصدعون رأسي في كل ساعة من ساعات الليل والنهار بمديح زائف وتملق مقزز للنفس العفيفة وتزلف يصيب بالغثيان.
حتى عيد ميلادي الأخير قالوا بأن الله اختاره ليتوافق مع عيد الفصح المجيد!
أيها الأخوة المواطنون،
ينبغي عليكم أن تستوعبوا حقيقة قائمة طالما أنا في سدة الحكم، وهي أنه لا يوجد رجل ثان أو ثالث أو حتى عاشر، فكلهم يأتمرون بأوامري، ويمسحهم وجودي، بل لا أخفي عليكم مشاعر الفرحة وهم يقفون خلفي أو يسيرون مطأطئي الرؤوس، خافضي الصوت، يراقبون تعبيرات وجهي ليماثلوها، إن غضبت غضبوا وإن ابتسمت ضحكوا، وإن عاتبت أحدا صبّوا عليه حِممهم، وإن أبديت رأيا اهتزت رؤوسهم حتى تكاد تقع من فوق رقابهم.
وكما قلت لكم بأن وجودي يلغي بالتبعية الآخرين ومناصبهم وألقابهم وحساسية مراكزهم، حتى وزير الدفاع جعلته يسير خلفي بين آثار الأقصر لدى زيارتي لتحية السياح بناء على طلب من وزير السياحة في وقت يحتاجه كل جندي وثكنة عسكرية وخطوط أمامية في مواجهة قوة صهيونية قد تكون لها حساباتها الخاصة المتفجرة من رأس إرهابي كان مسؤولا عن ذبح الأسرى المصريين عامي ستة وخمسين، وسبعة وستين.

الآن بعد أكثر من عقدين في ظل قيادتي الرشيدة لم يعد هناك من يستطيع أن يشير بسبابته إلى خطأ ارتكبته أو اختيار لم أوفق فيه أو رأي غير صائب، فلن يسمعه أحد، ومن يستمع إليه لن يردد حديثه، فكل الناس تبحث عن لقمة العيش، والإعلاميون والمثقفون والمفكرون وهم ضمير الأمة، تنتظرهم أيضا عائلاتهم، ثم انهم يتمتعون بامتيازات لم تدر بذهن أحدهم قط.
تقول الدراسات بأن أربعة وأربعين في المائة من المصريين فقراء، وأن أربعة وثمانين تحت خط الفقر المتعارف عليه دوليا، وأنه لا توجد دراسات كافية وجادة عن التفاوت الطبقي المذهل في عهدي. لكنني لا أكترث كثيرا لهذا الأمر فالصحافة والتلفزيون ووسائل الإعلام الأخرى وبيانات رئيس الوزراء تؤكد لي بأن فكري في العبقرية الاقتصادية وتوجيهاتي لمنح الأولوية للطبقة الكادحة، قد جعلت مصر محط إعجاب الاقتصاديين في الدول الصناعية الكبرى، وأن مدارس اقتصادية عالمية تُدَرّس باهتمام بالغ توجيهاتي التي جعلت مصر بموارد قليلة تتجنب مصير دول أوروبا الشرقية والأرجنتين.
ألم أقل لكم أن الإعلام المصري قام بصناعتي كما قمت أنا بصناعته؟ حتى عندما أكد وزير خارجيتي بأنني سأقوم بحضور مؤتمر قمة بيروت لأن نجاحه مرتبط بحضوري، ابتلع كلامه وقال بعد يومين بأن عدم حضور الرئيس مبارك أنقذ مؤتمر القمة!
لو أنني قلت لكم بأن الشمس تشرق من المغرب فلن تمر لحظات قبل أن تتلقى وسائل الإعلام تعليمات ملزمة بالحديث عن الرأي الصائب للرئيس، وسينشر رئيس تحرير صحيفة يومية في افتتاحيتة تحليلا لشروق الشمس من المغرب وبأن الرئيس مبارك يعني أن الوضع الدولي سيء، أو أن العدوان الإسرائيلي بلغ حدا غير مقبول!
عندما استضافني التلفزيون اللبناني وسألتني المذيعة الجميلة المتألقة عن رأيي في نتينياهو، قلت بأنه كان رئيس وزراء خفيف الظل. ولم يكن في الحديث جديد أو تحليل أو رؤية عميقة من رئيس أكبر دولة عربية، وفي اليوم التالي تسابق الصحفيون والإعلاميون ومفكرو هذا الوطن المسكين يستخرجون عنوة من حديثي كل جوانب الحكمة والخبرة والدهاء والوطنية، ماذا أفعل لكم؟ لم أضرب أحدا على يديه أو ركبتيه ليجعل مني ملكا يمشي على الأرض أو رسولا يغير رسالة سماوية أو ظاهرة لم تنجب مثلها مصر في تاريخها كله، ولكنني أجد الملايين يتبرعون من تلقاء أنفسهم بالمديح والثناء والابتهال إلى الله بالشكر على نعمة وجودي رئيسا لكم.


فإن انتقادي منطقة محرمة وحمراء يصعب الاقتراب منها، لأنني أوحيت إلى الجميع بأن أمني من أمن مصر وأن لقمة العيش التي يلهث خلفها رعاياي مرتبطة برضائي واسترضائي وحمل أوزاري بعيدا تماما عن هذا الاسم المبارك الذي سيبقى معكم ربع قرن آخر أو يزيد!
أيها الأخوة المواطنون،
لقد قمت خلال سنوات حكمي بصناعة نوع من الديموقراطية لم يشهد له تاريخ العرب الحديث مثيلا، فأنا أدعكم تتكلمون وتصرخون وتضربون رؤوسكم في الحائط وتبكون دما، لأن هذا تنفيس عن مكبوتات، لكنني لا أستجيب لكم، ولا أكترث لعشرات الآلاف من القضايا الحياتية اليومية، وخلاصة القول أنه ليس لديّ وقت للاهتمام بكم.
تطلبون مني مشروعا قوميا لمحو الأمية التي تمثل عارا وكارثة بكل المقاييس لكن هذا الأمر كان بعيدا تماما عن اهتماماتي، ونفس المطالب الغريبة منكم تنسحب على الأمراض الوبائية الخطيرة التي تعصف بالوطن والمواطن، وتستحق أن أتعامل معها كما نتعامل مع زلزال يضرب أرض مصر الطيبة أو إعصار أو هزيمة عسكرية، وأعني هنا البلهارسيا والكبد، ولكنني تركت هذه القضية غير الهامة لي بين يدي وزير الصحة وبإمكانيات متواضعة، ولن أتابع نتائجها ما حييت.
غضبت غضبا شديدا عندما تناهت إلى سمعي أحاديث وهمسات وتمتمات عن سوء اختياري لرجال حكومتي، وهذا غير صحيح بالمرة. لقد اعتكفت شهرا كاملا في برج العرب للتأمل والتفكر والاستخارة والاستشارة، وعرضت علىّ مصر العظيمة آلافا من العباقرة والشرفاء والمخلصين القادرين على صناعة مستقبل مشرق في كل المجالات، لكنني رفضت رفضا قاطعا، فأنا أريد رجالي الذين يفهمونني قبل أن أتكلم، ويطيعونني طاعة عمياء، ويتعرفون على رغباتي قبل أن تخرج للعلن، ويمتدحون مقدرتي في كل شيء، ويعتبرون كل كلمة أتفوه بها كأنها رأس الحكمة أو بيان من التنزيل أو قبس من النبوة السياسية.
واحتفظت بأكثرالفاشلين الذين سلخت جلودهم مقالات صحف المعارضة، وفضحتهم ونشرت وثائق تدينهم، وأثيرت حولهم شبهات هائلة تستحق أصغرها محاكمة علنية. ولم ينبس أحد ببنت شفة، وحتى الذين يعترضون منكم نشروا في الصحافة المعارضة نقدا وعتابا لرئيس الوزراء الذي اختارهم، وكأنهم يسخرون من أنفسهم.
إن كل فرد في هذا الشعب يعلم جيدا أنني الوحيد الذي أختار وزراء حكومتي، فرئيس الوزراء لا يفعل أكثر من تلبية رغباتي والالتزام بتوجيهاتي .
. لم أعد أهتم كثيرا بصعود أو انهيار شعبيتي، فأنا باق في القصر الجمهوري رئيسا عليكم ما تبقى من ولايتي الرابعة، ثم تعقبها ولاية خامسة، سواء رغبتم أم أبيتم.
هل يتجرأ أحدكم مهما بلغ من العلم والقدرة والثقافة والخبرة في العمل السياسي ويعلن أنه سيترشح أمامي منافسا لي على رئاسة الجمهورية؟
لن أكون بحاجة للرد عليه، أو شد أذنه، أو الموافقة على انتخابات نزيهة وحرة يتنافس فيها ثلاثة أو أربعة مرشحين، فرجالي سيتكفلون بتأديبه في كل وسائل الإعلام، وسيعلنون تمسكهم بي وبنهجي وبالطريق الذي سلكته وبإنجازات عصر مبارك!
أعود لقضية الملفات الأمنية والمالية والشخصية وأرفضها جملة وتفصيلا، ولن أسمح لأي جهة في مصر كلها أن تكشف تاريخ واتصالات وخصوصيات وممتلكات وأموال أي من رجالي، من كمال الشاذلي إلى صفوت الشريف ومن فهيم الريان إلى ممدوح البلتاجي ومن فتحي سرور إلى يوسف والي وعشرات غيرهم تماما كما قمت من قبل بحماية المستشار طلعت حماد والمستشار اسماعيل الجوسقي، ولم أعر اهتماما للتقارير التي وصلتني عن محافظ الجيزة أو مستشار وزير الثقافة، فالكلمة الأولى والأخيرة والفصل لي أنا وحدي، وعليكم الطاعة والشكر.

لم أكن أريد التطرق إلى قضية أزعجني كثيرا طرحها وهي قوانين الطوارئ التي أحكم بها، وأنا أعلم أن الدول المتقدمة ترفضها كلية، وأن الحد الأقصى قد يكون شهرا أو اثنين، لكنني الحاكم العسكري في هذا البلد، وأعتبر القوانين العرفية الاستثنائية التي تستخدمها الدول الأخرى في حالات الحرب والاضطرابات والقلاقل هي بمثابة صمام الأمن لي وتتناغم مع رفضي المطلق لمشاركة نائب لي الحكم، فقد قلت لكم من قبل بأن لذة كرسي السلطة لا تعادلها نشوة أخرى خاصة إذا صحبها إحساس بالاستعلاء وبدونية الآخرين وبأنهم أصفار متراصة لا تساوي أي قيمة تذكر.
عندما هبطت طائرة وزير الصحة السابق إسماعيل سلام مطار العاصمة السويدية ستوكهولم، تلقى خبرا عاجلا من القاهرة بأنه قد تمت إقالته فورا. وعاد الرجل تسبقه دموعه، فقد تعلم درسا يجب أن يستوعبه الآخرون، وهو أنني كبير ماداموا صغارا، وأستطيع بتوقيع صغير على ورقة واحدة إقالة من لا أرغب في بقائه لحظة واحدة دون ذكر الأسباب،حتى لو كان وزيرا في مهمة رسمية كإسماعيل سلام، أو وزيرة للبيئة كنادية عبيد، أو وزيرا للتموين كأحمد الجويلي، أو غيره.
عندما استضافتني القناة التلفزيونية الأمريكية سي إن إن، وسألتني المعلقة عن سبب عدم تعيين نائب رئيس، وأنا بنفسي كنت نائبا للرئيس الراحل أنور السادات،قلت لها بأن السادات كان محظوظا لأنه عثر علي، أما أنا فلم أجد أحدا بعد! وكان ردي أكبر من استيعاب أي شخص أمامي، فهو ازدراء شديد ونظرة فوقية لا ترى مصر قادرة على إنجاب من يستحق أن يكون خليفة لي أو أمينا على البلد في غيابي.

البطالة في مصر مفزعة وتحتاج هي أيضا كالبلهارسيا والأمية والكبد الوبائي إلى مشروع قومي وطني، لكنني لم أدرك خطرها بعد، أو ربما لدي قناعة بأن مفهومي للبطالة يختلف عما يراه المحللون والمتخصصون والأكاديميون. وقد قلت في إحدى خطبي بأن مشروعا سياحيا يعمل على تشغيل عدد من العاطلين يمثل النجاح كما أراه، ولم أعرف أن البطالة ليست فقط البحث عن عمل، لكنها البحث عن عمل منتج. ولا يزال هناك- وفقا لأدنى تقدير- ستة ملايين عاطل عن العمل، وليست لدي أدنى فكرة عن كيفية دمجهم في القوى العاملة، والحمد لله أن شماعة الانفجار السكاني تتحمل كل وزر وخطأ.
في اجتماع مع المثقفين والمفكرين على هامش معرض القاهرة الدولي للكتاب في يناير الماضي قلت بأنني أشاهد التلفزيون، وعندما لا يروق لي برنامج أتصل فورا بوزير الإعلام. بهذا المنطق تحدثت مع نخبة المجتمع وصفوة مفكريه ونقاده ومثقفيه الذين كادوا يجمعون علي أن إعلامنا المصري فقد الريادة وأن ماسبيرو مرتع للفساد والمحسوبية، وأن برامج التلفزيون المصري تعكس مدى تخلف القائمين عليها، بل إن عشرات الآلاف من المصريين في الخارج يخجلون من قناتهم الفضائية التي تذيع كما هائلا من الغث والانحدار مثل(لعب عيال) و(عالم أطفال) و(أول خطوة) و(نجم على الهوا) و(ما يطلبه المشاهدون)و(فيلم كليب) وعشرات غيرها من برامج وضعها هواة أقرباء ومعارف المسؤولين، بل إن مقدم برنامج(دنيا ودين)ومقدمة برنامج( لحظة صدق)لا يستطيع أي منهما قراءة جملة واحدة عربية سليمة. وصمت الحاضرون وليس من بينهم أي مثقف أو ناقد يتفق معي في رؤيتي عن تفوق قنواتنا التلفزيونية، وابتسم وزير الإعلام فمصر كلها في جانب وأنا وهو في جانب آخر.
هكذا تصدر القرارات في عهدي، في الاقتصاد وفي السياسة وفي معظم مناحي الحياة، ولعلكم تتذكرون حيرة كل المصريين منذ بدء الانتفاضة الفلسطينية المباركة، فلا يعرف أحد أين يقف رئيس الجمهورية، محايدا بين العرب ومغتصبي ارض فلسطين، وهذا ما تشير إليه كل محادثاتي وخطاباتي تقريبا ومنها الدعوة إلى وقف العنف بين الطرفين وكأن القاتل يتساوى مع القتيل، محايدا بين أمريكا العرب، وأزعم أنكم جميعا لاحظتم عدم مطالبتي أصدقائي في أمريكا بتسليم المصريين وعائلاتهم المختبئين في جبال أفغانستان قبل أن تحرقهم أمريكا أو تسد عليهم كهوف الجبال أو تقطع أصابعهم لإجراء تجارب عليها، فليس من عادتي الاهتمام بالمصريين في الداخل أو في الخارج، أن تسكنوا في المقابر، أو في عشش الصفيح، أو تحرقكم شمس السلوم الملتهبة إذا ألقى بكم العقيد معمر القذافي فيها وهي تمور، أو يصفي صدام حسين عدة آلاف منكم ويرسلهم في نعوش خشبية مشمعة إلى مطار القاهرة الدولي، أو يأكل حقوقكم وأموالكم الكفيل في دول الخليج العربية، أو تقوم الاستخبارات الأردنية بضربكم بالسياط ونهب أموالكم وأنتم في الطريق من الكويت أو من مكة المكرمة، أو يتعرض الكثيرون منكم للإهانة والضرب والجلد والتعليق كالخراف في أقسام الشرطة المصرية في عهدي الرشيد، فكلها أمور لا تلفت انتباهي ولا أكترث لها.
كيف بالله عليكم اهتم بها وأنا أكاد أصدق أنني رسول هذا العصر من كثرة ما تخترق أذني كلمات الثناء والمديح في كل ساعة من ساعات الليل والنهار.
كل ضيوف برنامج صباح الخير يا مصر يجبرون على أن يثنوا على توجيهاتي الحكيمة، أو يتبرعوا هم أنفسهم بالنفاق والتزلف.... ثم تكر برامج كل حلقة من كل صباح مصري جميل، وكلها تقريبا لا ترى في العالم كله غير استرضائي. ثم افتح الصحف المصرية ولا أجد في الكون كله غيري . ثم يأتيني وزرائي تباعا ويتبلل كل منهم خجلا وخوفا، لأكتشف أنه يريد أن يسمع كلمة إطراء مني أو أضعف الأيمان، أي أن يضمن منصبه حتى إشعار آخر.

أيها الأخوة المواطنون،
ثمة أنماط شديدة الوضوح لا تخفى عليكم في تعاملي مع بعض القضايا وفي مقدمتها الشكاوى الُمرة التي قرأت عنها وسمعتها وتكدس مكتبي بمئات منها وكلها تطالبني بالتدخل لوقف إهانة المصريين في أقسام الشرطة، واحترام القضاء، والإفراج الفوري بعد البراءة في المحكمة، ومنع كل أنواع التعذيب والضرب والركل والتحفظ في التخشيبة ليوم أو اثنين أو أكثر.
وأنا أكرر أمامكم الآن وبعد أربعة وعشرين عاما من حكمي بقانون الطوارئ بأنني لن أحسم هذا الأمر لصالحكم، ولن تخرج توجيهات من مكتبي الفاخر بالقصر الجمهوري تطالب ضباط الشرطة باحترام المواطنين، فماذا أنتم فاعلون؟
ستخرجون رغم ذلك بعشرات الآلاف في كل موكب لي، وترفعون أكفكم وأيديكم، وتهتفون بحياتي وباسمى، أليس كذلك؟
يتساءل البعض عن صمتي تجاه قضايا تعويضات المصريين المادية والأدبية من جراء الإعدامات الإجرامية والقذرة التي قام بها جيش العدو الصهيوني وخاصة آريل شارون عامي ستة وخمسين وسبعة وستين، وأيضا تريدون أن تعرفوا مصير سرقة بترول مصر وخيراتها في باطن سيناء خلال فترة الاحتلال، وأنا لا أريد أن أغضب إسرائيل وأمريكا خشية توقف المعونات التي تسند ظهر اقتصادنا. أما بيع البترول المصري لإسرائيل واستخدامه في تسيير عجلة الحرب الإسرائيلية الوحشية وارتكاب المجازر، فأنا لست مضطرا للحديث معكم حول هذا الشأن!

ثم منذ متى يحق لأحد منكم ولو كان بعضكم لبعض ظهيرا أن يطرح سؤالا على رئيس الجمهورية؟ هل سمعتم عن رئيس وزراء أو وزير أو وكيل وزارة أو محافظ أو حتى مثقف كبير ومفكر وكاتب ورئيس تحرير صحيفة كبرى يتجرأ ويسألني وهو يعرف مسبقا أن هذا السؤال قد يغضبني؟
أيها الأخوة المصريون،
لقد ضقت ذرعا بقضايا النهب والسرقة وغياب القواعد الرشيدة في منح القروض وتهريب الأموال بالمليارات، ففي عهدي الرشيد ظهرت طبقة طفيلية تسحقكم وتمتص كل نقطة دم تسري في عروق مصري، فوزير يسرق، ورئيس الجمارك ينهب، ومحافظون يختلسون، ونواب الأمة الذين احتل أكثرهم أماكنهم تحت القبة بالتزوير والتزييف والرشوة، غائبون عن الوعي، ومثقفوكم ومفكرو الوطن يغمضون أعينهم ويضعون أصابعهم في آذانهم خشية افتضاح الحقيقة، وهي أنني بعيد تماما عنكم، وهذا لا يعني على الإطلاق أنني لن أجدد لولاية خامسة.
أنا أعرف الحل السحري السريع للقضاء على الجزء الأكبر من الفساد والتهريب والنهب والذي تمنيتموه من قبل، وهو عرض كامل لملف كل وزير ومحافظ وموظف كبير وأقرباء المسؤولين وحتى أقرب الناس لي، على المخابرات المصرية ومباحث أمن الدولة ومباحث الأموال العامة، وأن أستمع أنا رئيس الجمهورية إلى نصائحهم وأثق في شرفهم ووطنيتهم وعشقهم لمصر، وأن أحاكم أو أستبعد كل من تضع المخابرات علامة استفهام عليه أو تدور حوله الشبهات، وهذا الحل سيضع مصر على الطريق الصحيح، لكنني لن ألجأ إليه مطلقا، فأنا الحاكم الأوحد وصاحب الرأي الصائب، وأنا لا أخطئ في قراراتي أو اختياراتي.

يتوهم بعضكم بسذاجة منقطعة النظير إن مهمة الحاكم هي خدمة الشعب والمواطنين، وأنني أتلقى أجري منكم نظير عملي كرئيس للجمهورية تحدد اختصاصه القوانين والدستور، لكنني لم أفهم سبب وجودي في هذا المنصب من خلال ما تطلقون عليه قواعد وقوانين ودستور الوطن، لأنني وجدت فجأة كل ما على أرض مصر وفوقها وتحت ترابها ومائها وسمائها في خدمتي، ولو طلبت من الشرطة مثلا أن تضرب بيد من حديد شبابا غاضبين في الحرم الجامعي، فستكسر الهراوات رؤوسا غضة لشباب مصر وأمل مستقبلها. ولو أجريت حديثا خالفت فيه كل قواعد المنطق والموضوعية والحقائق، فسيتحول إلى ورقة عمل يمتدح عبقريتها كل وزرائي ورجالي والمستشارين من حولي، ثم تسألونني من الذي يخدم الآخر؟
يا شعب مصر العظيم،
هذه هي ديموقراطيتي رغم أنف الجميع، وعليكم السمع والطاعة مادمت رئيسا للدولة، ويجب أيضا تجنب الثرثرة الفارغة عن احتمال رفض شعب مصر جمال مبارك رئيسا عليكم عندما يأذن الوقت، فأنا لم أجعل منصب نائبي شاغرا طوال تلك السنوات إلا تهيئة واستعدادا لاستمرار الملكية الجمهورية، هل هناك من يعترض؟ إنني أقترح عليكم عدم رفع أي شكوى لي لأن وقتي لن يسمح بالنظر فيها، ثم إنها على كل حال لن تثير اهتمامي مهما كانت أهميتها.
تلقيت حتى الآن أكثر من مائة وخمسين شكوى تتعلق برئيس جامعة الإسكندرية ويظن صاحب كل شكوى أن اللجوء إليّ سيضع حدا للمشكلة أو القضية أو يقيم قواعد العدل فيها، لكنني أصارحكم بأنني أزحتها كلها من أمامي، كما فعلت طوال أكثر فترة حكمي في آلاف القضايا والمشاكل وعذابات المصريين وأوجاع أبناء شعبي.
عندما ظل لصوص شركات توظيف الأموال يخدعونكم ويحتالون عليكم وتوظفون لديهم مليارات من أموالكم، كان من الممكن أن تكون فوق مكتبي ملفات كاملة للرياض والسعد والبركة وغيرهم، ولم أفعل، وكاد اقتصاد مصر يهتز هزة أرجنتينية تعصف بالوطن.
لن أتحدث مرة أخرى عن سكان المقابر الذين بلغ عددهم مليوني نسمة أو أكثر أو أقل، فليست لدي خطة مستقبلية لوضع حل لهذه المأساة، وربما تتضاعف أعدادهم في السنوات القادمة، ولكن مادام إعلام ماسبيرو لا يعرض قضيتهم، ولا تقترب منهم كاميرا تليفزيونية، ولا يستطيع مصري واحد في أرض الكنانة كلها أن يحاسبني، أو يوجه اللوم إليّ، أو يحملني المسؤولية أو يشكك في عبقرية توجيهاتي، فسيظل الوضع كما هو عليه، وليس أمامكم غير الصمت.
أيها الأخوة المواطنون،
تتعجبون من الأرباح المليارية التي يحققها الطفيليون الجدد وهو نوع من الاقتصاد لا يوجد في أي مكان على وجه الأرض. فيتقدم مثلا رجل أعمال ورأسمالي ماريني بمشروع الهاتف المحمول، ويقول بأنه سيدفع للحكومة مبالغ طائلة، فضلا عن تسديده للقرض الذي يبلغ أكثر من مليار جنيه. وتوافق الحكومة، فتلك هي عبقرية الاقتصاد في عهدي، ويحصل الحوت الجديد على تسهيلات وقروض وأرض ويستورد أجهزة استقبال وستالايت، ويغطي سماء مصر وأرضها. وفي غياب تام لجمعية حماية المستهلك يحدد الحوت قيمة المكالمات وفتح الخط والاشتراكات ويسيطر على سوق يبتلع أي مشروع. وأنا أعرف، أيها الأخوة المواطنون، أن المكالمات الهاتفية في مصر تعادل أضعاف مثيلاتها في أوروبا، بل إنها تكاد تصبح مجانية في أمريكا وكندا. ويعيد الرجل للبنك قيمة القرض من أرباح العام الأول، ثم يدفع لخزانة الدولة بضع عشرات من ملايين الجنيهات، وينضم لقافلة أصحاب المليارات في مواجهة ملايين المصريين الذين لا يجدون قوت يومهم.
سيطرح أحدكم السؤال السخيف المعهود: لماذا يا ريس لا تتدخل لصالح المواطن؟ كأنكم لا تعرفونني! هل استنجدتم بي من قبل ووجدتموني حاضرا؟ هل تدخلت أنا من قبل لحمايتكم من مافيا المستشفيات الاستثمارية التي تتعامل مع أجسادكم كما يتعامل ميكانيكي السيارات مع سيارة قديمة متهالكة، فيأخذ منها ويضيف إليها كما يشاء؟ هل تدخلت أنا لحمايتكم من مافيا الدواء أو من الأمراض الوبائية أو من المياه الملوثة أو من عشش الصفيح وآلاف المساكن التي لا تليق بإنسان قط؟ هل سمع أحدكم أنني انتفضت غضبا لأن مواطنا مصريا هضمت حقوقه أو سرقت شركة أمواله أو تم طرده وآلاف معه من أي بلد آخر دون وجه حق؟
إن رجالي من مديري المكاتب والمستشارين ورجال الأمن والموظفين الكبار في ديوان الرئاسة يعلمون جيدا ماذا أريد أن أقرأ، لهذا لا يرهقونني بكتابات مليئة بالنقد أو العتاب أو الشكاوى، فأنا أظن أن لكم ربا يحميكم.
قرأت مصادفة حديث أحدهم عن توجيهاتي الكريمة واهتمامي منذ سنوات بتسهيل استيراد البضائع، وتوسعة القرية، وتجاوز البيروقراطية، والحقيقة أن هذا لم يحدث قط، فأنا أعلم أن قرية البضائع تحتفظ بنفس مساحتها منذ عام ثمانين، ولا يوجد في مخازنها أماكن لحفظ الرسائل والطرود.
لا يزال البريد في عهدي الرشيد بدائيا وبطيئا، والرقابة شديدة على الكلمة المكتوبة القادمة من الخارج رغم الانترنيت والبريد الإلكتروني والمحادثات، وأنه لم يعد يخفى على أحد الغث من السمين.
الاحتكار في عهدي بلغ مداه، لذا فإن شخصا واحدا قد يحدد نوع الطعام من فاكهة وخضروات ومعلبات وغيرها ليسيطر على السوق ويضع السعر الذي يحول التجارة إلى احتيال، والربح إلى ما تطلقون أنتم عليه: هبرة واحدة، ثم ينطلق صاحبنا إلى عالم الأسياد الأثرياء.
في عهدي ارتفع عدد مدمني المخدرات إلى أكثر من ربع مليون، وكان من المفترض أن أقوم بعمل حملة وطنية وإعلامية ذكية تتحد فيها المدرسة والكنيسة والمسجد والكتاب والإعلام والمستشفى والفنون والآداب لخدمة أبنائكم وإنقاذكم من براثن أعداء البشرية، تجار المخدرات.
في عهدي ارتفع ضحايا الحوادث المرورية إلى خمسة آلاف مواطن وعشرات الآلاف من الجرحى والمعوقين، لكنني لم أجد سببا واحدا لاعتبار الأمر كارثة وطنية،لأن هذا سيضطرني للاستعانة بالخبراء والأكاديميين وعشرات الكفاءات المصرية التي يمكن أن توجه إلىّ النصيحة للقضاء على هذه المأساة، وأنا أرفض النصيحة والنقد، ولا أريد أحدا ينتقد اختياري العبقري لوزرائي. ثم إنني أرفض فكرة تولي الشباب مسؤوليات ونفخ روح جديدة في العمل الوطني، لهذا تجدونني احتفظ بمسؤولين كبار لا يريدون من الدنيا إلا الستر ورضائي.
هل شاهدتم الحاضرين في إحدى المناسبات الوطنية أو الدينية أو غيرها، الذين يجلسون كأن على رؤوسهم الطير ويحاول كل منهم أن يستخرج من خطابي مالم يدر بذهني قط؟ إنهم الجدار الذي يحمي السلطة، وأكثرهم بلغ من العمر عتيا، ومنهم وزرائي الذين لا أستبدل بأحدهم ملء الأرض ذهبا ولو قدمتم آلاف الوثائق التي تدينهم فلن أكلف نفسي عناء إلقاء نظرة خاطفة عليها.
إنني لم أولي اهتماما لفشل أي وزير أو محافظ، ولعلكم تلاحظون أن الوزراء القدامى الذين تحنطوا في مقاعدهم هم الأكثر فشلا والذين أحيطت بهم شبهات وتساؤلات ومئات من علامات الاستفهام، حتى لو تعدى أي منهم السن القانونية للعمل، فسأجدد له كما فعلت مع المهندس فهيم الريان.
في عهدي أصبح الغلاء في مصر عذابا يوميا، بل إن هناك سائحين كثيرين يعتبرون مصر من أغلى بلاد الدنيا، وبعضهم يجلس في غرفته بالفندق في شرم الشيخ أو الغردقة ويرفض تناول الطعام في مطعم الفندق، فماذا عن المواطن العادي الذى يكفي مرتبه الأسرة عدة أيام، مع افتراض أنه يعمل؟
أشاهد في عيونكم أسئلة تتراقص وتكاد تقفز إلى أذني وفي مقدمتها علامات الاستفهام عن مئات الملايين التي تدخل الدولة من تحويلات المصريين بالخارج، وبيع البترول، وقناة السويس، والتصدير، والدعم الأوروبي والأمريكي، والمبالغ الطائلة التي تصلنا لمشروعات من الدول الغنية المانحة ومن السياحة.أكثر من خمسة ملايين مصري في الخارج يساهمون في رفع مستوى الدخل لدى نصف عدد السكان، والباقي تكفيه الدخول التي أشرت إليها من قبل، فلماذا الفقر والمرض والأمية والبلهارسيا وسكان المقابر وعشش الصفيح والنسبة المئوية المخيفة لرعايا الرئيس حسني مبارك الذين يتألمون تحت خط الفقر؟
ألمح من بعيد ابتسامة ساخرة تلخص كل ما في نفوس وعقول وأفئدة أبناء الشعب، أين تذهب أموال هذا الوطن المسكين؟ لا يتسع المجال هنا للحديث عن القضايا والمشاكل المستعصية فهي تناطح السحاب طولا، وتؤلم الأرض ثقلا، وتجرح القلب حزنا، وتوجع النفس كمدا. ولن يثنيني هذا عن عزمي الذي لم أحد عنه طوال مسيرتي قيد شعرة، ولن أقدم تنازلا واحدا عن لاءاتي العشرة.
لا للتفريط في كرسي السلطة قبل نهاية الولاية الخامسة وتولي جمال مبارك رئاسة الجمهورية. لا لكشف سوءات وعيوب وخصوصيات وممتلكات وأموال رجالي من الوزراء والمحافظين، فهم باقون معي مدى الحياة. لا لعرض ملفات كبار الدولة على المخابرات ومباحث أمن الدولة ومباحث الأموال، فأنا وحدي الذي يأمر فيطيع الآخرون دون تردد.
لا لإشغالي بعشرات الآلاف من القضايا والمشاكل والشكاوى فللمصريين رب يحميهم. لا للحفاظ على كرامة المصريين في الداخل أو في الخارج، ومن حق ضابط الشرطة أن يضرب ويركل ويعلق أي مواطن من قدميه. لا لمعرفة عدد المعتقلين من سجناء الرأي والتهم الموجهة إليهم وأحكام القضاء وحقوقهم الإنسانية الأخرى. لا لتعيين نائب لي. لا لرفع الأحكام العرفية وقانون الطوارئ. لا لاستبدال كفاءات مصرية بوزرائي الفاشلين والذين أمضوا سنوات طويلة دون أن يمسهم التغيير.
لا أحد يحاسبني أو يشكك في اختياراتي، فأنا لست في خدمتكم، إنما أنتم جميعا تحتاجون رضائي
فأنا السيد الذي يأمر، وأنت عبيد تطيعونني في مذلة واستكانة ومهانة وخنوع
محمد عبد المجيد
رئيس تحرير طائر الشمال
أوسلو النرويج
مجلة طائر الشمال
Taeralshmal@hotmail.com
Abonaser is offline   الرد مع إقتباس
 
   
المشاركة في الموضوع


خيارات الموضوع
طريقة العرض قيّم هذا الموضوع
قيّم هذا الموضوع:

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك إضافة مشاركات جديدة
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح

مواضيع مشابهة
المواضيع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
ويندوز Xp بكــار عالم الكومبيوتر والانترنت 17 10-09-2008 03:00 PM
رسالة مفتوحة إلى أم الدنيا .. ماذا فعل بك هذا الرجل؟ Abonaser دهاليز السياسة 5 04-12-2007 07:52 PM
محولات مضنية للبحث عن الرئيس مبارك Abonaser دهاليز السياسة 0 04-03-2007 04:16 PM
البيان والتبيين في أوجاع مصر وأحزان المصريين Abonaser دهاليز السياسة 0 03-03-2007 03:16 AM
دعاء الفراشه حوار اسلامي 2 30-12-2005 06:45 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 04:03 PM.

ترجمة كلمات - دليل مواقع ابن مصر - مواقع صديقة - منتدى ابن مصر
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37

Powered by: vBulletin الاصدار 3.6.4
Copyright ©2000 - 2009, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.2.0 RC4 ©2008, Crawlability, Inc.