السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
تحدثنا في المرة السابقة عن أحد القضايا الشائكة في تاريخ الإخوان ، ألا وهو التنظيم السري ... أحد أكثر الملفات إثارة علي الإطلاق
ورأينا كيف أُتهم هذا النظام في مقتل
أحمد باشا الخازندار وكيف تورط في مقتل
النقراشي باشا رئيس الوزراء آن ذاك
وكان الرد سريعاً وقوياً ... كان الإنتقام
وكان
مقتل حسن البنا في 12/2/1949م هو الرد
ولكي نتكلم عن مقتل حسن البنا لابد من ذكر بعض المقدمات فكان هناك عدة شواهد تسبق القتل بحوالي ثلاثة أشهر.
ففي 15/11/ 1948م وفي سقطة خطيرة انكشف النظام الخاص لرجال الأمن العام، عُثر في أحد شوارع العباسية على سيارة جيب من دون أرقام تحتوي علي أسلحة وذخيرة ومعها خططا لعمليات نسف السفارتين البريطانية والأميركية ووثائق تحتوي على أسماء أعضاء التنظيم والشفرة السرية للاتصال بينهم ودراسات حول أهداف مزمع تدميرها، اتضح من الوثائق والمضبوطات أن الإخوان هم المسؤولون عن حوادث التفجير التي هزت أركان الإحتلال في الشهور الأخيرة، كل هذا تم عن طريق المصادفة لكنها مصادفة أهدت البوليس المصري دليلا قاطعا لإدانة الجماعة.
وقد بذل البنا جهودا مستميتة لإنقاذ الموقف غير أن النقراشي باشا كان أسرع وأقوي منه في رد الفعل فقد أخذ الضربة الإستباقية وبادر بحل جماعة الإخوان المسلمين في 8/12/1949م بمساندة القصر والإنجليز فالحكومة السعدية "الأقلية" لا تقوي علي الإقدام علي مثل هذه خطوة دون مساعدة , لِمَا للإخوان من قاعة شعبية آن ذاك .
ولعل سيناريو الحل يوضح ذلك
ففي السادس من ديسمبر صدر أمر بإغلاق صحيفة الجماعة وجاء العنوان الرئيس لجريدة الأساس لسان الحزب السعدي الحاكم أن أنباء سارة ستذاع قريبا ... وبعد يومين صدرت أوامر لقوات الإخوان في فلسطين بالعودة إلى المعسكرات ... وفي العاشرة مساء نفس اليوم اتصل عبد الرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية بحسن البنا ليبشره بأن هناك أوامر جديدة ستُعلن في المساء من شأنها إنقاذ الموقف... فتجمع عدد كبير من أعضاء الجماعة في المركز العام حول الراديو إنتظاراً للقرارات... وفي الحادية عشرة مساء أذاع الراديو نبأ الأمر الصادر من الحاكم العسكري العام رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد ومصادرة أموالها وممتلكاتها ... بعد دقائق كان المبنى قد حوصر من كل ناحية بقوات الشرطة التي قبضت على كل من فيه ... انتظر البنا دوره لكن أحد لم يتعرض له فتشبث بسيارة الشرطة لكنهم أبعدوه فقد كانت الأوامر هي القبض على كل أعضاء الجماعة عدا حسن البنا.
وقد أيقن البنا أن الهدف ليس إعتقاله بل إغتياله وقد أظهرت كل الشواهد بعدها ذلك
حيث صادَرت الحكومةُ سيارة الإمام الخاصّة، واعتقلت سائقه، وسحبت سلاحه المُرخص به، وقبضت على شقيقيه اللذين كانا يرافقانه في تحركاته, ورفضت تعيين حارس خاص لحمايته الذي تكفل هو بدفع راتبه .
كما كانت تعتقل كل من يحاول الإتصال به أو حتي يقترب منه , وقد أطلق رفعت السعيد "رئيس حزب التجمع" علي هذه المرحلة " مرحلة عصر البرتقالة " .
ولم يتبقي بعد ذلك سوي الإجهاز عليه وكان يوم الثامن من فبراير حيث جاءه أ. محمد الليثي رئيس قسم الشباب بجميعة الشبان المسلمين وأخبره بأن الحكومة تريد استئناف المفاوضات وأن بعض الشخصيات الحكومية ستحضر في الجمعية لهذا الغرض وهناك أنتظر الإمام منذ صلاة المغرب وحتي أنتهاء صلاة العشاء ولم يحضر أحد . وهنا خرج البنا صفر اليدين يرتب لما أمامه من صِعاب وأمام مقر الشبان المسلمين في شارع الملكة نازلي رمسيس حالياً أستقل البنا وصهره أ. عبد الكريم منصور تاكسي لكن الغريب أن الشارع كان خالياً من المَّارة مظلماً تماماً وإذا بشخصين يقتربان من التاكسي ويطلقون النار علي من فيه فيصاب البنا برصاصة أستقرت أسفل الرئة وأصيب صهره بعدة طلقات فكانت إصابته أخطر , وخرج البنا من السيارة عدوا خلف الجناه لكن لم يلحقه وأخذ رقم السيارة التابعة لهم وعاد وأبلغه لـ أ. محمد الليثي وهو9979 وتم أستدعاء الإسعاف غير أنها تأخرت كثيراً رغم قرب المسافة ووصل إليها البنا وهو واقف علي قدميه وهناك أشار طبيب الإسعاف انه لابد من نقلهم للقصر العيني وهناك حينما جاء الطبيب للإمام قال : أصابة عبد الكريم أخطر داووه هو أولاً .
في هذه الأثناء دخل علينا الأميرلاي محمد وصفي مندوب الملك وقال صارخا (أنتم لسه ما متوش يا مجرمين) وانصرف ....
وبعدها نُقِل البنا لغرفة مستقلة وترك وحده ينزف حتي مات وفي رواية عائشة الصديق إحدي ممرضات القصر العيني أنه ترك عالقاً في الأسانسير عدة ساعات حتي مات غارقاً في دمائه .
وفي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل أخبر ضابط شرطة الشيخ أحمد البنا نبأ وفاة ولده وأن أوامر صدرت تقضي بنقل جثمان البنا من المشرحة إلى القبر مباشرة وتكليف قوات الشرطة بالقيام بذلك تحسباً لوقوع أحداث قد تخل بالأمن العام ولكن والد الشيخ طلب بإلحاح أن تشيع الجنازة من منزله وبعد مفاوضات وافقوا على ذلك شرط أن يتم الدفن الساعة التاسعة صباحاً ومنعوا أي أحد من أن يقترب من المنزل أو المسجد فغسله والده وشيع جنازته وحده هو وخادم المسجد وبعض النساء من أهله .
أما علي الجانب الآخر فقد أبرقت السفارة البريطانية في القاهرة إلى لندن بوفاة حسن البنا ونشرت صحيفة التايمز النبأ في طبعتها الأخيرة، وتهللت أسارير الإنجليز هناك بهذا الخبر أما الجالية اليهودية في كل العالم فقد طارت فرحاً وأعلنت الإحتفالات في كل مكان ، وكان ممن شاهدوا هذه الإحتفالات مصري يدعي سيد قطب وهو علي متن مركب متجه لأمريكا في بعثة علمية "سنعرف قصته فيما بعد".
وكانت تلك نهاية رجل مازالت آثاره باقية حتي الآن , شهد له الجميع بالعبقرية سواء من أتفق معه ومن إختلف .
وللحديث بقية