|
أول العبقرية صفعة
كانت في السادسة عشرة من عمرها عندما تلقت صفعة على وجهها من أختها الكبرى، وكان سبب هذه الصفعة أن الأخت الكبيرة وجدت بين أوراق أختها الصغيرة صفحات مليئة بالتعبير عن بعض المشاعر الخاصة، وتصورت الأخت الكبيرة أن شقيقتها إنما تعبر عن حب خفي بينها وبين أحد الشباب، وكانت مثل هذه العلاقات في المجتمع الأمريكي في ذلك الوقت سنة 1827 موضعا للاستنكار والرفض.
كانت الفتاة الصغيرة واسمها هارييت بريئة من التهمة فلم تكن تسعى لمثل هذا النوع من العلاقات العاطفية الخفية أو العلنية بل كانت على العكس لا تشعر بالثقة في نفسها وتعرف أنها ليست ذات جمال ساحر وكان إحساسها بأنوثتها شديد التواضع ولم يكن ما كتبته في تلك الأوراق سوى تعبير صادق عن مشاعرها التي كانت تحس بها في وحدتها ومن خلال لحظات الصمت الطويلة التي تمتلئ بها حياتها.
لم يكن لديها حبيب مجهول أو مأمول ولم تتصور أنها ستتزوج وتنجب أو تكون موضع اهتمام أي رجل فقررت أن تعيش عانساً طيلة حياتها وشغلت نفسها بالكتابة التي كانت تريحها دون أن تتصور أنها كاتبة أو صاحبة موهة.
ولم تكن من أصحاب النفوس المضطربة بل كانت راضية بنصيبها من الجمال وبحياتها البسيطة مع أبيها القسيس.
تصل هارييت إلى سن السابعة والعشرين وتتعرف على أستاذ علم اللاهوت "كالفن ستو" وتصبح صديقة حميمة لزوجته التي سرعان ما تموت بمرض مفاجئ فيتقدم كالفن للزواج من هارييت عندما أحس بصدقها وإخلاصها وسلامة نفسها واخلاقها الرفيعة.
تزوجت وأصبح اسمها "هارييت بيتشر ستو" وأنجبت ستة أطفال استغرقت منها مسؤولية البيت والأسرة نهارها كله ولكن مع ذلك تحاول في لحظات فراغها القليلة أن تكتب بعض الأشعار والمقالات وترسلها إلى الصحف المحلية.
وعندما بلغت السابعة والثلاثين كتبت إلى أبيها تقول: "لقد كبرت وعندي ستة من الأبناء فماذا بقي لي في الحياة؟ لاشيء.""
كانت تحس أن رسالتها تحددت في أعمال البيت ورعاية الزوج والأولاد وكانت راضية بنصيبها إلا أنها تحس في داخلها بشيء يتحرك في أعماقها يثير فيها كثيراً من الغضب والقلق.
فقد كانت أمريكا في تلك الأيام تعتبر نظام الرق نظاما مشروعا وكان العبيد كلهم من الزنوج الذين يباعون في الأسواق ويتعرضون للجلد والإذلال ويعاملون معاملة الحيوانات دون أدنى رحمة..
كانت هارييت تسمع قصصا كثيرة عن سوء معاملة العبيد وإهدار إنسانيتهم..
وتحركت موهبتها الكامنة منذ أن صفعتها أختها.. عادت إلى الكتابة وأحست أن القلم هو الشيء الوحيد الذي تملكه وعليها استخدامه لمحاربة الظلم والدعوة لتحرير العبيد.
وبدأت تكتب روايتها التي أصبحت بعد نشرها من أشهر الروايات في أدب العالم كله وهي رواية "كوخ العم توم". كانت تكتب كل ليلة ثم تقرأ على أطفالها ما تكتبه فيتأثرون أشد التأثير وكان بعضهم يستغرق في بكاء مرير. وتمنت أن تتمكن من التأثير على شعبها الأمريكي بنفس القوة. وتساهم بذلك في الكشف عن مأساة العبيد وتحرر بلادها من وصمة العار التي تتمثل في نظام الرق.
أخذت تكتب وتكتب حتى أكملت جزءاً أساسياً من قصتها وأرسلتها إلى إحدى الصحف فتحمس لها الناشر وبدأ يقدمها في حلقات مسلسلة وأقبل الناس على القصة إقبالاً شديداً وتضاعف توزيع الصحيفة مئات المرات وعندما أعلنت الصحيفة أن الكاتبة سوف تتوقف عن كتابة الرواية، خرجت مظاهرة من عشرة آلاف قارئ وقارئة لتقتحم مبنى الصحيفة وتطالب باستمرار نشر حلقات أخرى,
كانت أمريكا كلها تقرأ الرواية، وكانت الدموع تسيل في عيون المجتمع وهم يقرأون وهكذا بكت أمريكا كلها بدموع غزيرة فوق صفحات الجريدة التي كانت تنشر حلقات رواية "كوخ العم توم".
ثم صدرت الرواية في كتاب من جزءين ووزعت أربعين ألف نسخة في أقل من ثلاثة أشهر وكان توزيع هذه الكمية الكبيرة في مثل هذه الفترة القصيرة أمراً جديداً على أسواق الكتب لم يعرف له الناشرون ما يشبهه من قبل.
أصبح اسم هارييت بيتشر ستو على كل لسان وقامت العواصم الأوروبية بترجمة الرواية إلى لغاتها المختلفة. وانتقلت بذلك إلى أضواء الشهرة والمجد والنجاح واهتمام الناس..
على أن أنصار الرق والعبودية في الجنوب الأمريكي شعروا بالسخط عليها وعلى روايتها التي فتحت عيون الزنوج وحرضتهم على المطالبة بالحرية.
وفي ولايات الجنوب الأمريكي يصدر قرار رسمي بمصادرة الرواية واعتبار المواطن الذي يملك نسخة منها مجرما خارجا على القانون. وتتلقى الكاتبة مئات الخطابات المهددة بالقتل..
ولكن الرواية تعمل عملها القوي في المجتمع الأمريكي بين الذين يقرأونها علنا في الولايات الشمالية والذين يقرأونها سرا في ولايات الجنوب.
وبعد تسع سنوات من صدورها تشتعل الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب وكان الموضوع الرئيسي لهذه الحرب هو الدعوة إلى خلق أمريكا جديدة واحدة خالية من الرق والعبودية.
ومن نتائج هذه الحرب أن لنكولن نفسه بطل تحرير العبيد وتوحيد أمريكا فقد حياته برصاصة أطلقها عليه أحد المتعصبين.
وفي أثناء رئاسة لنكولن لأمريكا يقوم بدعوة هارييت بيتشر ستو إلى زيارته في البيت الأبيض ويقول وهو يصافحها: "إذن فهذه هي المرأة الصغيرة التي أشعلت الحرب الأهلية في البلاد".
كشفت هارييت عن المآسي الكثيرة التي يتعرض لها الزنوج في أسلوب ساحر ومواقف مثيرة وقوة فنية وروحية جلعت منها كاتبة من الدرجة الأولى في أدب العالم كله، حيث وضعها القراء والنقاد في مقام الروائيين العباقرة الكبار من أمثال تولستوي وديكنز وبلزاك..
بل تفوقت على غيرها من الروايات العالمية بما أحدثته في مجتمعها من هزة عنيفة وتمكنت أن تهز حياة شعبها وتضع أمامه قضية كبرى وتدافع بجمال الفن الرفيع عن مبدأ إنساني نبيل هو المساواة بين الناس الذين ولدتهم أمهاتهم أحراراً..
عاشت السيدة ستو حتى بلغت الخامسة والثمانين ومازالت روايتها موضع الحب والاحترام والمتعة والاعجاب وقد بلغ ما طبع منها منذ صدورها سنة 1852 أربعين مليون نسخة تقريباً وبذلك كانت هذه الرواية عملاً أدبياً خالداً استطاع بجماله وصدقه أن يقضي على أسوأ شرور الإنسانية في تاريخ الانسان.
وبالرغم من أن هدف الرواية في جانبها الاجتماعي قد تحقق بأكمله فإن الرواية لم تفقد شيئاً من قيمتها الأدبية والفنية فبقيت أغنية رائعة تتعلق بها القلوب جيلاً بعد جيل.
ها هي الرواية التي تنضم لقائمة كتب غيرت العالم
__________________
ولكني نبذت زمام امري لمن تدبيره فينا عجيب هو الرحمن حولي واعتصامي به واليه مبتهلا اتيب الهي انت تعلم كيف حالي فهل يا سيدي فرج قريب فيا ديان يوم الدين فرج هموم في الفؤاد لها دبيب فآمن روعتي وأكبت حسود فان النائبات لها نيوب
|