إذا كنت متعجّلا فلا تقرأ قصّتي الآن ، و لكن عُدْ إليها حين تفرغ من شؤونك الأخرى .
وضع البداية :
يا سادتي الكرام ، أنا إنسان بسيط ، أكتشف كلّ يومٍ أنّني في حاجة إلى رأس غير رأسي تحمل بعضا من أوجاع الرّؤوس الحالمة أمثال رأسي ...و مع الزّمن صار لي حلم يستبدّ بي وهو أن أتمكّن من إحداث شيء مّا في حياة شخصٍ مّا ، في حياة شخصٍ لا أعرفه ...
سياق التّحوّل :
منذ أيّام قلائل فقط وقعت المفاجأة التي لم يصدّقها أحد ممّن حدّثتهم عنها ... كنت عند شاطئ البحر ساعة غروب ، و كانت الشّمش الخريفيّة تغمز لي ... صدّقوني كانت الشّمس تغمز لي ... أصابني شيء كالخجل فطأطأت رأسي أنظر إلى الشّاطئ ... و كانت المفاجأة : رأيت قارورة بلّوريّة محكمة السدّ ، كانت القارورة تتّجه إليّ ، تقترب منّي ، تقترب منّي و كأنّها مبعوثة إليّ ، اقتربت القارورة حتّى ارتطمت بقدمي : حينذاك هزّني الفضول ، و أخذت الزّجاجة .
المفاجأة الثّانية : الزجاجة مغلّفة بورق معدنيّ لامع كالذّهب ، و مكتوب على الورق : هذا ماء الحياة ، من شربه صار خالدا لا يموت ...
لم أصدّق ما قرأت ، مثلما أنّك لا تصدّقني الآن ، و هممت بإلقاء الزّجاجة في البحر ، كما تفكّر أنت الآن بالكفّ عن قراءة كلامي هذا ... لكنّي تريّثت . و أخفيت الزّجاجة في ثيابي و عدت إلى المنزل ...و مضى المساء ... و الليل ... و لم أخبر أحدا بأمر الزّجاجة التي أخفيتها عن كلّ الأعين . و نمت.
أنا نائم ، رأيت حلما : حلما غريبا : رأيت شيخا أبيض البشرة ، أبيض الثّياب ، أبيض اللّحية ، على محيّاه نور ساطع مريح كبرد اليقين ، و صوته ساحر عذب كماء تشربه على طمإ ، حيّاني و قال :
غلبك الشكّ يا ولدي حتّى شككتَ في ماء الزّجاجة ، إنّه ماء الخلود يا ولدي ... "
و أضاف الشيخ : " أعلم أنّك غير مصدّقي الآن ، و لكنّي سأعطيك دليلا ... سوف تستيقظ بعد حين ، فقم و خذ الزّجاجة و ضعها في صندوق أمّك ، و حذار أن تلمس الزّجاجة أو تفتحها ... "
و ختم الشيخ كلامه : " غدا سأزورك في المنام أيضا "
استيقظت من نومي ، و غلبني الشكّ في كلام الشّيخ ، و لكنّي وجدت نفسي منصاعا لكلامه ، فقمت و خبّأت الزجاجة في المكان الذي حدّده ...
و في الليلة الموالية جاءني الشّيخ في المنام و قال : ّ ماء الزّجاجة هو ماء الخلود : من شربه لن يموت ، و لكي تثق في ما أقوله لك ، فإنّي أخبرك أنّ جاركم "متولّي " سيموت تحت عجلات القطار ، و أنّ جارتكم " تفيدة" ستلد ولدا برأسيْن ، و أنّ فيلا هائجا سيهاجم قريتكم و لن يقهره إلاّ حمار الشّيخ " سلامة " ....و غاب الشّيخ .
أفقت من نومي فزعا ، و لكنّي أجد في رأسي راحة ، و أنا أعلم أنّ ما أقوله غريب .... الآن أستطيع أن أحسم أمر الزّجاجة ... اليقين أن لا يقع شيء مما فاله الشّيخ :فجارنا متولّي مقعد لا يغادر منزله أبدا ، و جارتنا غير متزوّجة أصلا ,,, أمّا الفيل الذي سيهاجم القرية فمن أين يمكن أن يأتي .... و كيف لحمار أن ينتصر على فيل .... الآن بدأت أستريح ، و عزمت على أن أرمي بالزّجاجة من صندوق أمّي ، و أرميها في الآن نفسه من رأسي ....
لكن كانت الفاجات الدّامغات المفجعات :
ـ فجارنا " متولّي" جاء نعيه الفاجع : لقد وجدوه مفروما تحت عجلات قطار القرية ، و ليس أحد يعلم كيف وقع ما وقع ، و حتّى رجال المباحث داخوا في أمرهم : ليس لأن متولّي مات ، و إنّما لأنّ القطار ليس من برنامجه أن يمرّ بالقرية يوم الخميس ، و لكن القطار جاء يوم الخميس ، و دهس متولّي يوم الخميس ، و مات متولّي مدهوسا يوم الخميس ...
ـ و تكل جارتنا " تفيدة " البنت البكر المصون ، الورعة ... تصاب بتوعّك ، فتحمل إلى المستشفى ، و هناك تلد طفلا برأسين اثنين ، و تشهد على ذلك قابلة المشتشفى ، و طبيب ، و حتّى جارتنا " أمّ الخير " داية القرية المشهورة ، ذهبت إلى المستشفى و فحصت " تفيدة" و ٍرأن بعينيها ، و لمست بأصابعها ، و شخّصت و أكّدت ولادة تفيدة .
ـ و أمّا الفيل : فقد هاجم القرية فيل لا يعلم أحد كيف جاء و لا من أين جاء ، هاج الفيل فتداخل أمر قريتنا ، و ماج النّاس و عجزوا عن مقاومة الفيل ,,, و دون أن أطيل ... لم يقدر أحد عليه لولا أنّ حمار الشيخ سلامة كان يجري هائجا وراء حمارة جارنا الآخر عليوة الدّوباري ، حتّى إذا ما لمح الفيل الهائج شدّ وراءه و جرى خلفه ، و فرّ الفيل إلى حيث لا يعلم أحد ، و قد أقسم كلّ من تابع الواقعة أنّهم لم يعثروا له على آثار قوائمه ...
فهل أكذّب بعد ذلك كلام الشّيخ ؟ و هل أكذّب أن الزّجاجة تحوي ماء الخلود ؟
على كلّ حال ... للحكاية بقيّة سأرويها لمن يريد معرفة نهايتها ... و ليست نهايتها في أنّ ماء الخلود ذاك موجود بالفعل في الزّجاجة ، إنّما الحكاية الكبرى و الفاجعة المروّعة هي في الشّرط الذي يجب احترامه في استغلال ماء الخلود ...
لأنّ الماء كان ماء الخلود فعلا ,,, و لكن : ما شرط استعماله .
سأواصل الحكاية لمن يحبّ أن يتابعها .و فيها :
ـ شرط استعمال ماء الخلود
ـ أنا ... و أنت ... و ماء الخلود : أي دهليزي و دهليزك و ماء الخلود .
ـ و أخيرا سأحدّثك إن شئت ، عن وضع الختام .