بحث لوحة التحكم مصر
خروج التسجيل مواضيع اليوم

العودة   عالم ابن مصر > ----عالم ابن مصر---- > قاعة كلمات > حبر و ورقة
التسجيّل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
   
 
قديم 24-11-2007, 03:26 PM   #16 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road

حلمت بأن السماء تسقط ثلجاً. وبأن الثلج يهمي عليها عبر السقف، ناعماً، ناعماً، وهي عاجزة. وكانت ستدفن تحته وهي حية. كانت تزداد برداً وتزداد، وكان الثلج يثقل على جسدها. كان الثلج يمتصها. واستيقظت برعشة مفاجئة تشبه الألم. كانت بردانة للغاية، ربما خدرت البطانيات الثقيلة جسدها. وخيل اليها أن قلبها عاجز عن الخفقان، وأحست أنها لن تستطيع الحراك. نهضت جالسة بارتعاشة أخرى. كان الظلام عميقاً، لم تكن هناك شرارة من نار. لقد أشتعل الخشب الخفيف عن آخره. جلست في الظلام الدامس الكثيف، لم تستطع أن ترى من خلال الشقوق غير نجمة وحيدة.

ماذا كانت تريد؟ آه، ماذا كانت تريد ؟

جلست في السرير وأخذت تهتز وتتمايل في بؤس. كانت تسمع التنفس المطرد للرجل النائم. كانت ترتجف من البرد. وبدا لها أن قلبها سيتوقف. أرادت الدفء والحماية. أرادت أن تُنتزَع من نفسها. لكنها في الوقت نفسه أرادت، وربما أكثر من أي شيء، أن تظل سليمة، سليمة، لم يلمسها أحد. أن لا يكون لأي كان سلطة عليها، أو حقاً يطالبها به. كانت هذه حاجة جامحة في نفسها: أن لا يكون لأي كان، وبالتحديد لأي رجل كان، أية حقوق أو سلطة عليها. أن لا تكون ملكاً لأيما شيء، أو أيما إنسان.

ولكن ذلك الشيء الآخر! وهذا البرد الشديد الذي يرجفها. وقلبها الذي لا يستطيع النبض!

آه. أما من أحد يعين قلبها على الخفقان!

حاولت أن تتكلم فلم تستطع. ثم حررت حنجرتها.

-"روميرو" قالت بصوت غريب " البرد شديد"

من أين جاء صوتها؟ وصوت من كان في هذا الظلام؟

وسمعته ينتصب جالساً ويقول بصوته المجفل الذي يتذبذب برنين خالته معادياً:

-"ماذا ؟ ما الأمر؟ ها؟"

-"أنا بردانة"

وقام من بين الأغطية ووقف بحذاء السرير.

-"أتريدينني أن أدفئك ؟"

-"نعم"

حالما رفعها بين ذراعيه أرادت أن تصرخ به أن لا يلمسها. وصلبت جسدها. لكنها لم تنبس ببنت شفة. أما هو فقد كان دافئاً، لكنه ذلك الدفء الحيواني الفظيع الذي يلغي وجودها ويسحقها. كان يلهث مثل حيوان مغتلم. واستسلمت هي لـ "هذا الشيء". لم تكن تريد أبدا، أبدا أن تستسلم. لكنها "رضيت" أن يحدث لها. وبإرادتها هي اضطجعت وتركته يحدث لكنها لم تكن تريده. لم تكن تريد أن تهاجَم أو تُمَس أو تُخاشَن. كانت تريد أن تحتفظ بنفسها لنفسها.

ورغم ذلك فقد وافقت على حدوثه، وحدث، ولهثت بشعورٍ من الارتياح والخلاص عندما انتهى كل شيء. وكان عليها رغم ذلك أن تظل في القبضة الصلبة القوية لهذا المخلوق الآخر، هذا الرجل. خشيت أن تكافح للتخلص. خافت كثيراً البرد الجليدي لذلك السرير الآخر.

-"هل تريدين الابتعاد عني؟" سألها بصوته الغريب.

آه لو كانت بعيدة بآلاف الأميال! ورغم ذلك فقد رضيت أن تكون بهذا القرب، وأجابته:

-"لا" وأحست بالفرح الغريب والفخر الذين غمراه من جديد، وعلى حسابها هي، لأنه ظفر بها. وأحست بأنها ضحية. وكان هو جذلاً بسلطته عليها، بتملكه، بمتعته.. وعندما حل الفجر كان يغط في النوم. انتصبت جالسة فجأة وقالت:

-"أريد ناراً"

فتح عينيه البنيتين على اتساعهما، وابتسم بترفٍ غريبٍ ناعم.

-"أريدك أن توقد لي ناراً" قالت له. ألقى نظرة عجلى على الشقوق المضاءة وتصلب وجهه الأسمر استقبالاً للنهار.

-"حسناً " قال لها "سأوقدها" وأخفت وجهها وهو يرتدي ثيابه. لم تتحمل النظر اليه. كان مصطبغاً بالترف والفخار. أخفت وجهها في يأسٍ تقريباً. ولكنها عندما شعرت بتيار الهواء البارد الذي داهمها عندما فتح الباب تسللت الى موضعه الدافئ في الفراش. ما أسرع ما انحسر الدفء عندما غادر المكان. أوقد ناراً ثم خرج وعاد بعد قليل وهو يحمل الماء.

-"إبقي في الفراش حتى تشرق الشمس" قال لها "الجو بارد جداً"

-"ناولني عباءتي"

لفت العباءة حول جسدها بإحكام ووقفت وسط البطانيات. كان الدفء قد بدأ يشع من النار

-"أفترض أننا سنبدأ بالرجوع حالما ننهي إفطارنا" قالت له.

كان جاثماً عند الموقد النفطي يقلي البيض المطروق. نظر اليها فجأةً كالمصعوق، وصوب عينيه البنيتين المتسعتين بالترف والنعومة.

-"أتريدين ذلك؟"

-"من الأفضل أن نعود بأسرع ما يمكن" قالت وهي تتجنب عينيه.

-"تريدين الابتعاد عني؟" أعاد عليها سؤال الليلة البارحة في نوع من الوجل.

-"أريد أن أبتعد عن هذا المكان" قالت بتصميم. وكان هذا صحيحاً. لقد أرادت قبل كل شيء أن تبتعد، أن تعود الى عالم البشر.

انتصب على قدميه بتمهل وهو يمسك المقلاة.

-"ألا تحبين ما جرى الليلة البارحة؟"

-"ليس كثيراً" أجابته "لماذا؟ هل تحبه أنت؟"

أنزل المقلاة ووقف يحدق في الجدار. وأدركت أنها سددت اليه ضربة قاسية. لكنها لم تلن. لقد كانت ترد الصاع بالصاع. كانت تريد استرداد نفسها بالكامل. فقد تشعر بإحساس غريب بأنه ما زال يمتلك جزءاً منها.

نظر اليها بوجهٍ مكفهرٍ كئيب وتملاها على مهلٍ.

-"أنتن الأمريكيات" قال لها "تحاولن دائماً الحط من قدر الرجال"

-"لست أمريكية" أجابته "أنا بريطانية. وأنا لا أريد الحط من قدر أحد. أنا فقط أريد الرجوع. الآن"

-"وماذا ستقولين عني، هناك في الأسفل؟"

-"سأقول إنك كنت لطيفاً معي للغاية، وطيباً جداً"

وجثم ثانية واستمر بتقليب البيض. ناولها صحنها وقهوتها وجلس الى طعامه. ولكنه لم يستطع أن يبتلع من شيئاً فنظر اليها وسألها:

-"ألا تحبين الليلة البارحة؟"

-"ليس كثيراً" أجابته رغم بعض الصعوبة "أنا لا أهتم بهذا النوع من الأمور"

وغمرت وجهه حيرة ذاهلة إزاء هذه الكلمات، وتلتها على الفور نظرة مكفهرة من غضب، ثم من يأسٍ متحجرٍ مشؤوم.

-"لا تفعلين؟"

-"ليس كثيراً" ردت عليه، ونظرت الى عينيه في عداءٍ راسخ.

وامتقع وجهه بلهيب مكفهر.

-"أنا أجعلك" قال لها وكأنه يحدث نفسه. ونهض وتناول ثيابها المعلقة على المشجب: الثوب الداخلي الكتاني الناعم، سروال الركوب البرتقالي، الكنزة الصوفية، المنديل الأزرق والأصفر، ثم التقط حذائي ركوبها والخفين الخرزيين وسحقها جميعاً بين ذراعيه وفتح الباب. ورأته وهو ينزل نحو البركة الخضراء الداكنة في الظل المتجمد لذلك الوادي العميق ويلقي الثياب على صفحة الماء المتجمد. ورأت الأميرة حاجاتها: الثوب الكتاني الأبيض، السروال البرتقالي، الأحذية السوداء والخفين الأزرقين، رأتها جميعاً منثورة في كومة متشابكة من الألوان، فوق المرآة الخضراء المعتمة الصافية، في الظل الأزرق. والتقط روميرو بعض الأحجار وضرب بها صفحة الماء حتى تكسر الجليد واختفت الثياب المرتعشة في الماء الذي يتكسر فيردد الوادي صدى تهشمه.


يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 03:28 PM   #17 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road

جلست بين الأغطية وقد غمرها اليأس، وشدت إليها بقوة عباءتها الزرقاء الشاحبة. وعاد روميرو من فوره الى الكوخ.

-"الآن ستظلين معي هاهنا"

واشتعلت بالغضب. والتقت عيناها الزرقاوين بعينيه. كانا مثل شيطانين يراقب أحدهما الآخر. وتكشف وجهه، من خلف هذا القنوط المقيم، عن توق شيطاني الى الموت. ورآها تنظر حولها وهي تستكشف الكوخ. ورآها وعينها على البندقية، فالتقطها وخرج. وعندما رجع جر سرجها وحمله الى البركة وألقاه فيها، ثم أخذ سرجه وفعل به الشيء نفسه.

-"والآن. هل ستبتعدين؟" قال وهو يتطلع اليها مبتسما.

فكرت في إقناعه وملاطفته، لكنها أدركت أن ذلك لن يعود مجديا بعد. جلست بين أغطيتها في ضرب من اليأس المتجمد، وقد تصلبت كالجليد من شدة الغضب. وأنهى روميرو بعض الأشغال المعتادة، ثم حمل بندقيته واختفى. نهضت في "بجامتها" الزرقاء وقد انكمشت في عباءتها ووقفت عند الباب. كانت البركة الخضراء الغامقة لما تزل ساكنة، وكانت المنحدرات الحجرية شاحبة متجمدة. ورقد في الوادي ظل عميق ساكن كالموت، ورأت الخيل من بعيد وهي تعلف. آه لو استطاعت الإمساك بواحد منها!

كانت الشمس الساطعة في منتصف طريقها الى أعالي الجبل، كانت الساعة التاسعة. ظلت وحدها طوال النهار، وكانت تشعر بخوف لم تكن تعرف له سببا؛ ربما كانت تلك الطقطقة الآتية من غابة الراتنج المعتمة، ربما ذلك التوحش القاسي لهذه الجبال. لكنها ظلت طوال النهار جالسة عند المدخل تتطلع الى بصيص من أمل. وظلت أمعاؤها تتقطع من الخوف. ورأت في المدى البعيد بقعة سوداء ربما تكون دباً يتسكع في الشمس فوق المنحدر المعشب الشاحب . وعندما رأت روميرو عند العصر وهو يدنو في حزن صامت حاملا بندقيته وغزالا ميتا، هدأ التقلص في أمعائها ثم شعرت بمزيد من البرد. كانت تحس إزاءه بخوف بارد كالجليد.

-"هناك لحم غزال" قال لها وهو يرمي الغزال القتيل عند قدميها "أنت لا ترغبين بالابتعاد عن هنا، هذا مكان جميل"

وانكمشت نحو الكوخ.

-"تعالي الى الشمس" قال لها وهو يتبعها. نظرت اليه بعينين خائفتين معاديتين "تعالي الى الشمس" أعاد عليها وهو يجرها من ذراعها في رفق بقبضته القوية. وأدركت أن لا جدوى من العصيان. قادها الى الخارج بهدوء وجلس في المدخل دون أن يفلت ذراعها.

-"إنها دافئة في الشمس" قال لها "أنظري، هذا مكان لطيف، وأنت امرأة بيضاء حلوة، لماذا تتصرفين معي بنذالة؟ اليس هذا مكانا لطيفا! تعالي! تعالي الى هنا! إنها دافئة هنا بالتأكيد"

وجرها اليه، ونزع عنها العباءة رغم مقاومتها المتحجرة، وضمها وهي في "البجامة" الزرقاء الخفيفة.

-"أنت بالتأكيد امرأة بيضاء صغيرة جميلة، صغيرة وجميلة. لن تكوني وضيعة معي –أنتِ لا تريدين ذلك- أنا أعرف أنك لا تريدين"

وكان عليها أن تستسلم له وهي متصلبة، عديمة الحول. وأشرقت الشمس على أديمها الأبيض الرقيق.

-"أنا بالتأكيد لن أبالي بالجحيم بعد هذا" قال لها وقد سيطر عليه من جديد مزاج من مرح مترف غريب. غير أنها كانت تقاومه –رغم ضعفها الخارجي- بكل صلابة وحزم وعندما تركها بعد ذلك قالت له على حين غرة:

-"تظن أن بمقدورك الاستحواذ عليّ بهذه الطريقة. لكنك لن تستطيع. لن تستطيع أبداً أن تستحوذ عليّ"

وقف ينظر اليها كالمصعوق وعلى محياه تتصارع مشاعر مختلفة: العجب، الدهشة، لمسة من خوف، وألم غير واعٍ يشوه وجهه حتى ليغدو أشبه بالقناع. ثم خرج دون أن ينطق بكلمة، علق الغزال القتيل على أحد الغصون وشرع بتقطيعه. وغطست الشمس بينما هو عاكف على جزارته هذه وحل الليل البارد من جديد.

-"هل ترين؟" قال لها وهو منكب على إعداد العشاء "أنا لن أدعك تذهبين. أتذكر أنك أنت ناديتني في الليل إن لي بعض الحق. إذا أردت أن تسوي الأمر في الحال، وأن تقولي أنك اردت البقاء معي فإننا سنسوي الأمر الآن وننزل الى المزرعة غدا ونتزوج أو نفعل ما تريدين، ولكن عليك أن تقولي أنك أردت البقاء معي، وإلا فإني سأبقى هنا، حتى يحدث شيء ما"

إنتظرت قليلا ثم أجابت:

-"لا أريد أن أكون مع أحد ضد إرادتي. أنا لا أكرهك. على الأقل لم أكرهك حتى حاولت وضع إرادتك فوق إرادتي. لن أسمح لأي كان أن يفرض إرادته عليّ. لن تنجح أنت ولن ينجح أحد. لن تستطيع وضعي رهن إرادتك، ولن يكون لديك متسع من الوقت للمحاول، فعما قريب سيرسلون من يبحث عني"

توقف عند جملتها الأخيرة وراح يفكر فيها فندمت على ما فرط منها، ثم عاد من جديد لينكب على تحضير الطعام.

لم يستطع أن يستحوذ عليها مهما كرر الانتهاك. لقد كانت روحها صلبة لا شرخ فيها كالماس. لكنه كان يستطيع تهشيمها. إنها تعرف ذلك ، وقد رضيت هي بأن تتهشم.

حاول مرارا بطريقة عنيفة كئيبة أن يوسع رغبته نحوها، وكانت في كل مرة تتمزق من الغضب وتشعر بأنها ميتة لا محالة. ذلك لأنه تمكن بطريقة غريبة من السيطرة عليها، على جزء منها لم تكن تدركه ولا تتمنى إدراكه. كانت تحس، وهي تتقلب في غضب حارق ممزق، بأن خيط حياتها سينفرط وبأنها لا بد ميتة. إنها النار الحارقة التي تعذبها من الداخل. آه لو عادت من جديد وحيدة، باردة، عذراء لم تمس! ترى هل سيمكنها أن تطيق نفسها مرة أخرى؟ لم تكرهه حتى الآن. كان الأمر أبعد من ذلك، مثل لعنة ممزقة حارقة. أما وجوده الشخصي فكانت بالكاد تشعر به.

في اليوم التالي لم يسمح لها بإيقاد النار لئلا يجلب الدخان الانتباه. كان يوما مكفهرا وكانت تحس ببرد شديد. ظل روميرو في الجوار، وسخن الحساء على الموقد النفطي. ورقدت هي بين البطانيات دون حراك. وعند العصر سحبت الأغطية فوق رأسها وانخرطت في بكاء شديد وهي التي لم يسبق لها أن بكت بشكل حقيقي طوال حياتها. جر البطانيات وكشف عن وجهها كي يرى سبب اهتزازها: كانت تنشج في نوبة هستيرية يائسة. أعاد الغطاء على وجهها وخرج. راح يتأمل الجبال حيث تجرجر الغيوم أذيالها وتخلف وراءها نتفاً من الثلج. كان يوما عاصفا، فظيعا. كان شيطان الشتاء يزحف على الأرض.

يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 03:30 PM   #18 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road

بكت طوال ساعات. وحل بينهما بعدها صمت عظيم. كانا الآن شخصين ميتين. ولم يلمسها بعد ذلك كرة أخرى. وعندما حل الليل رقدت وأخذت ترتجف مثل كلب محتضر. وأحست أن ارتجافها هذا سيمزق شيئا في جسدها فتموت. وأجبرت في النهاية على الكلام فقالت له من ين أسنانها التي تصطك:

-"هل لك أن تشعل نارا. أشعر بالبرد الشديد" وجاء صوته مجيبا:

-"هل تريدين المجيء اليّ؟"

-"أفضل لأن تشعل لي نارا" قالت واسنانها تصطك حتى لتنقسم الكلمات الى نصفين.

ونهض وأوقد نارا. وانتشر الدفء أخيرا وصار في إمكانها أن تنام.

وكان اليوم التالي قارس البرد. وهبت بعض الرياح، لكن الشمس أشرقت في النهاية. أخذ يتجول في صمت بوجه كوجوه الميتين. وأزداد الأمر كآبة. وبلغ من شبهه بالموت أن تمنت منه فعل أي شيء إلا الاستمرار في هذه التجاهل. لو سألها الآن أن تنزل معه الى الناس وتتزوج مه لفعلت. ماذا يهم؟ لا شيء يهم على أية حال. لكنه لم يشأ سؤالها. كانت الرغبة في داخله ميتة، ثقيلة مثل الجليد. واستمر في مراقبته حول المنزل.

في اليوم الرابع كانت جالسة في الشمس عند المدخل وقد لفت نفسها بإحدى البطانيات. رأت فارسين يصعدان قمة المنحدر المعشب، شخصين ضئيلين على البعد فأطلقت صيحة. رفع نظره سريعا ورآهما. كان الرجلان قد ترجلا وشرعا يبحثان عن آثار الطريق.

-"إنهم يبحثون عني" قالت الأميرة

-"حسن جدا !"[24] أجاب بالأسبانية وأحضر بندقيته وجلس على الأرض ووضعها على ركبتيه.

-"آه" صاحت به "لا تطلق النار!"

نظر اليها جانبيا وسألها:

-"لماذا؟ هل تحبين البقاء معي ؟"

-"كلا، ولكن لا تطلق"

-"لن أذهب الى السجن"

-"لا يتحتم عليك الذهاب –لا تطلق النار" لكنه دمدم:

-"سأطلق" وجثا من فوره على ركبتيه وصوب بدقة. وجلست الأميرة في نوبة من اليأس والشقاء. دوت الطلقة خارجة، ورأت على الفور أحد الحصانين يثب فوق المنحدر الشاحب المعشب ثم يتدحرج هاويا. وسقط الرجل على العشب ولم يعد يُرى. أما الثاني فقد تسلق صهوة حصانه وأخذ يعدو به فوق المنحدر الخطير في استدارةٍ طويلة حتى وصل أقرب شجرة راتنج يحتمي بها. بانغ! بانغ! بانغ! دوت طلقات روميرو. لكنه أخطأ في كل مرة. وقفز الحصان الهارب مثل الكنغر نحو ملجأ يحميه واختفى عن النظر. وتحصن روميرو خلف إحدى الصخور منتظرا أن يبدي الرجل أية إشارة تنم عنه. وساد الهدوء المتوتر تحت ضوء الشمس الساطع. جلست الأميرة على السرير وقد تكورت كما المشلول، وظل روميرو طوال ساعات، كما خيل لها، راكعا خلف صخرته بقميصه الأسود ورأسه الحاسر وهو يراقب ويراقب. كان ذا مظهر رشيق جميل. وتساءلت الأميرة لماذا لا تحس بالأسف عليه. لكن روحها كانت صلبة باردة، وما كان لقلبها أن يلين، رغم أنها مستعدة الآن لأن تعطي كل شيء إذا قيض له أن يلين. إذا أمكنها أن تناديه نداء الحب. ولكن لا. لم تكن تحبه. بل لم تستطع قط أن تحب أحداً. كان هذا أمراً راسخا مختوما في داخلها كمثل حقد قديم مقيم.

وأجفلت فجأة وكادت تسقط من السرير. ودوت من وراء الكوخ إطلاقة قريبة للغاية. وقفز روميرو في الهواء وتلوى وذراعاه ممدودتان، ثم دوت إطلاقة ثانية وهو لما يزل في الهواء… وهوى الى الأرض في صخب. وتلوى وقد قبض بكفيه على التراب قبالة باب الكوخ.

جلست الأميرة في سكون وجمود، تحدق في الرجل المنكب على وجهه على الأرض. بعد لحظات اقترب من الكوخ رجل يرتدي زي رجال إدارة الغابات: شاب يعتمر قبعة عريضة ويرتدي قميصا داكنا من الصوف الناعم، وحذائين للركوب وفي يده بندقية، وسار بخطى عراض نحو الجسد الممدد.

يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 03:36 PM   #19 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
-"ظفرت بك يا روميرو!" قال بصوت عال وأدار الرجل الميت على ظهره. كانت بركة صغيرة من الدم قد انتشرت في المكان الذي كان فيه صدر روميرو.

-"همم ! " قال موظف إدارة الغابات "أظن أني أصبتك في مكان أقرب مما ظننت " وأقعى هناك يتأمل الرجل القتيل. وأيقظه النداء البعيد لرفيقه فانتصب واقفا.

-"هاللو بيل ! " صاح برفيقه "نعم ! ظفرت به ! قتلته ! بالتأكيد"

وخرج الثاني من الغابة راكبا حصانه الرمادي. كان ذا وجه متورد ودود وعينين بنيتين مستديرتين اتسعتا من الفزع. وسأل في قلق:

-"لم يفارق الحياة ؟ "

-"يبدو أنه فعلها" أجاب الشاب ببرود. ترجل الثاني وانحنى على الجثة، ثم وقف ثانية وهز رأسه.

-"نعم، نعم ! لقد مات حقا! إنه هو بالتأكيد. يا ولد ! إنه دومينغو روميرو"

-"نعم، أعرف ذلك" أجاب الشاب، ثم استدار في ارتباك ونظر داخل الكوخ الى حيث قبعت الأميرة ملفوفة بالبطانية وهي تحدق بعينين متسعتين كعيني بوم.

-"أهلا " قال الشاب وهو يدنو من الكوخ. ونزع قبعته محييا. آه، يا لشعور السخف الذي أحست به ! رغم أنه لم يقصد ذلك. لكنها لم تستطع الكلام، مهما كان ما تشعر به.

-"لماذا بدا هذا الرجل بإطلاق النار ؟" سألها الرجل.

بحثت عن الكلمات بشفتيها الخدرتين.

-" لقد فقد عقله !" قالت باقتناع كئيب، متلعثم.

-"يا إلهي ! أتعنين أنه قد جن ؟ واو ! هذا فظيع. هذا إذن يفسر كل شيء. همم !"

وقبل التفسير دون كثير جدال.

إستطاعا ببعض المشقة أن ينزلا بالأميرة الى المزرعة. لكنها كانت هي الأخرى قد مسها بعض الجنون.

-"لست متأكدة أين أنا" قالت للسيدة ويليكسون، وتمددت في السرير "هل لك أن تشرحي لي"

وشرحت السيدة ويليكسون بلباقة.

-"آه، نعم ! " قالت الأميرة " لقد تذكرت .. وقد تعرضت الى حادث في الجبال، أليس كذلك ؟ ألم نلتق برجل أصيب بالجنون؟"

أما ما جرى في الحقيقة فقد تكتموا عليه. وسافرت الأميرة شرقا برعاية الآنسة كيومنز بعد اسبوعين. كانت تبدو كأنها شفيت تماما. كانت الأميرة العذراء التي لم تمس. لكن شعرها المعقوف شاب عند الصدغين، واصطبغت عيناها بمسحة من الخبال. كان بها مس طفيف من الجنون.

-" منذ الحادثة التي عرضت لي في الجبال، عندما جن أحد الرجال وقتل الحصان الذي كنت أركبه فاضطر دليلي الى قتله، لم أعد أشعر بأني على ما يرام"هكذا صاغت الأمر.



وبعد زمن تزوجت من أحد الكهول. وبدت سعيدة راضية.

ماجد الحيدر
شاعر وقاص ومترجم - العراق
26/3/2002





[1] آل ستيوارت (
House of Stuart) الأسرة الملكية التي حكمت اسكتلندا من عام 1371 وإنكلترا من عام 1603 لغاية عام 1714 عندما استلمت الحكم أسرة هانوفر.

[2] الكلت أو السلت (
Celt) عرق هندو-أوربي سكن قديماً أجزاء من أوربا الغربية والجزر البريطانية وما تزال آثارهم اللغوية موجودة في اسكتلندا وويلز وايرلندا.

[3] نسبة الى (
Ossian) وهو شاعر-محارب كتب الملاحم الآوسيانية التي تدور حول مغامرات الأبطال الغاليين في ايرلندا واسكتلندا في القرون الوسطى.

[4] في الأصل
Noblesse Oblique .

[5]
Spinet : آلة تشبه البيانو لكنها أصغر وأقل تعقيداً.

[6]
Decameron (وتعني الأيام العشرة) : حكايات من فلورنسة عصر النهضة رويت على لسان عشرة أشخاص اعتزلوا الناس أثناء وباء الطاعون الكبير.

[7]
The Nibelung poems مجموعة أشعار كتبها مؤلف نمساوي مجهول أوائل القرن الثالث عشر وتروي مغامرات البطل "سيغفريد"

[8]
Caliban في مسرحية شكسبير "العاصفة" : مخلوق ممسوخ أخرق يعيش وحيداً في جزيرته.

[9] في الأصل بالفرنسية
Quoi faire ?

[10] في الأصل بالفرنسية
Raison d’ être .

[11] الحور القطني
cottonwood : نوع من الأشجار الطويلة ذات أوراق مثلثة مسننة وبذور قطنية تصدر فروعها المتدلية أصواتا مجلجلة في الريح.



[12] حاولت كما سيلاحظ القارئ أن أحاكي قدر المستطاع بعض العجمة التي وردت في أحاديث الشخصيات ذات الأصول الهندية أو الأسبانية (المترجم)

[13]
Yale جامعة أمريكية عريقة تقع في ولاية كنكتكت.

[14] الحور الرجراج
Aspen ضرب من أشجار الحور (poplar) ترتعش أوراقه إذا هب عليها النسيم.

[15] الراكون
Raccon حيوان ثديي يعيش في شمال أمريكا.

[16] الراتنجية أو البيسية
Spruce أشجار من الفصيلة الصنوبرية تكثر في النصف الشمالي من الكرة الأرضية.

[17] القصع
sage والخشب الزيتي greasewood ضربان من الشجر.

[18] البنيون
Pinon نوع من الصنوبر الأمريكي.

[19] لحية العجوز
old-man’-beard نوع من الحزازيات الشبيه بالطحال يتدلى في خصل كثيفة من أغصان الأشجار.

[20] زهرة الغرنوق
Cranesbill نوع من أزهار الجيرانيوم.

[21] الغرير
badger : حيوان ثديي قصير القوائم يحفر ثقوباً في الأرض يحتمي بها.

[22] الوشق أو القط البري
bobcat حيوان متوحش يعيش في أمريكا الشمالية يعيش على الطيور والقوارض ويصل وزنه أحياناً الى 15 كلغم.

[23] كانت الولايات المتحدة قد حظرت في الفترة بين 1919 و 1933 بيع وتصنيع واستيراد الخمور.

[24] في الأصل بالأسبانية
Muy bien! .

تمت
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 25-11-2007, 11:09 AM   #20 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
" أدولـــــــف "

تأليف: د.هـ لورانس


n ترجمة: عيسى اسماعيل- عن الإنكليزية.n







عندما كنّا صغاراً، كان والدنا يعمل في الليل، أغلب الأحيان. ومرةً، في ربيع إحدى السنين، عاد إلى البيت مُتعباً وشاحب اللون، كعادته. كنّا في الطابق السفلي من البيت مانزال بثياب النوم، نستقبل الصباح بفرح وضجة. ربّما كان من المؤلم لأبي أن يرانا مسرورين، ونحن نستقبل الصباح الذي يأتي ليجد أبي في حالةٍ من التعب.
لم يكن أبي يذهب للنوم في صباحات أيام الربيع المشرقة على الرغم من عمل ليل طويل، بل اعتاد أن يجلس معنا. وفي ذلك اليوم، بالذات، كان أبي فرحاً لأنّه عاد مشياً على قدميه بين الحقول. فهو يحبّ الصباح المشرق بعد ليل المنجم الطويل. كان يراقب العصافير المبتهجة، والأشجار الندية، ويحاول تقليد زقزقة العصافير، بما يماثل صوتها. وكان يردّد دائماً أنّه يتمنى أن يفهم لغة الطيور.
في ذلك الصباح المشمس عاد والدي ليجدنا متحلقين حول الطاولة الكبيرة. كان يتثاقل في مشيته، ولقد أزعجتنا خطواته الثقيلة وهي تحدث ضجةً تعكّر هدوء الصباح، وتضع حدّاً لهرجنا الصباحي.
ذهب إلى المطبخ، ثم عاد، بعد قليل. لم يتكلم أحدّ منّا بحضوره. لكننا شعرنا أنّه يريد أن يخبرنا شيئاً ما.
- "أعطوني شيئاً ما لأحتسيه....!! قال لنا.
وضعت أمي الشاي أمامه، على الفور، فصبها لنفسه في الفنجان. ولكنه بدلاً من أن يتناول فنجانه ويأخذ رشفةً كبيرةً منه، كعادته، مدّ يده إلى جيبه الكبير المنتفخ وأخرج منه شيئاً ما أسود وضعه على الطاولة بين الفناجين.
كان ذلك الشيء الأسود أرنباً صغيراً!!
جلس الأرنب بين الفناجين وأرغفة الخبز، جامداً، وكأنّه تمثال ليس أكثر....!!
- "أرنب...؟؟!! من أعطاك إياه يا أبي؟!".
ضحك وراح يخلع معطفه. بينما قفزنا جميعنا باتجاه الأرنب.
"أهو حيّ... هل نحسّ ضربات قلبه..؟!".
سحب والدي فنجانه ومطّ شفتيه من تحت شاربيه السوداوين وأخذ رشفةً كبيرة.
- "من أين جئت به يا أبي؟؟! " سألناه.
- " لقد التقطته...." قال وهو يمسح فمه ولحيته بيده.
- "أين....؟!" عدنا نسأل ثانيةً.
وجاء صوت أمي هادراً وبسرعة:
- "إنّه أرنب بريّ متوحش!!"..
" نعم . هو كذلك" أجاب أبي.
- لماذا أحضرته إلى هنا... ما شأننا به؟!". صرخت أمي باحتجاج.
- "نحن نريده... نحن نريده" صرخنا أنا وإخوتي.
- "بالتأكيد أنتم تريدونه.....!!" قالت أمي وهي تهزّ رأسها.
لكن صوتها تلاشى بسبب الضجة التي كنا نقوم بها فرحين بهذا المخلوق الصغير.
في طريقه، بين الحقول، عائداً إلى البيت، وجد أبي الأرنب.
وقربه كانت الأرنب -الأم- ميتةً مع ابنيها أما هذا الثالث فقد بقي حياً لوحده.
- "لكن من قتل الأرانب يا أبي؟!" سألناه بدهشةٍ ممزوجةٍ بالحزن.
- "لا أعرف. ربّما يكونوا قد تناولوا سُماً مع طعامهم فماتوا... عدا هذا الأرنب الصغير الذي وجدته في غيبوبة....".
- " لماذا جلبته..... ربّما يسبب لنا متاعب...." عاد صوت أمي يهدر بغضب.
لم يجب أبي بشيءٍ. لكن كنّا جميعنا غير موافقين على ما قالته أمي.
- "كان من واجب أبي أن يحضره، فهو صغيرٌ ولا يستطيع أن يعيش معتمداً على نفسه.:.. وكان من المحتمل أن يموت لولا أبي...." قلنا لأمي بلهجة عتاب اعتراضاً على ما سمعناه منها.
- "لكنه مع ذلك في طريقه إلى الموت.. عندها سيكون في البيت صراخ آخر"..ردّت أمي وهي تهزّ رأسها. فقد كانت تكره موت الحيوانات في البيت.
غاصت قلوبنا بعد ما سمعناه من أمي عن احتمال موت الأرنب.
- "أعتقد أنّه لن يموت" قال أبي مؤكداً.
- "بل إنّه سيموت.. لقد حصل مثل هذا كثيراً، معنا، من قبل؟!"
قالت أمي...
- "الحيوانات لا تموت دائماً... بل تقاوم الموت وتنجح في دفعه أحياناً.. مثل الإنسان...." قال أبي بلهجةٍ غاضبةٍ.
وهنا راحت أمي تذكره بالحيوانات التي أتى بها إلى البيت ولاقت حتفها... مما جعلنا -نحن الأولاد- نبكي كثيراً وتسيل دموعنا بغزارة بسبب ذلك.
أجلسنا -نحن الأولاد- الأرنب الصغير على أرجلنا ووضعناه في أحضاننا. كان ساكِناً وعيناه مفتوحتين. جلبنا له الحليب الساخن، وقربناه من فمه، لكنه كان غير مبالٍ أبداً بما نفعله من أجله.
وضعنا قطرات من الحليب على شفتي الأرنب، لكنه لم يتحرك، بل هزّ رأسه ليتخلص من تلك القطرات. بعضنا راح يبكي خوفاً على حياته.
- "خذوه إلى الحقل.... ليس هنا مكانه...." قالت أمي بلهجةٍ آمرةٍ. لكنّ أمرها بقي دون تنفيذ.
ذهبنا لنرتدي ملابسنا وكي نذهب للمدرسة، بينما بقي الأرنب جالساً. كان مثل غيمةٍ داكنةٍ صغيرة لا تتحرك من مكانها. رحنا نراقبه، وقد بدأت مشاعرنا تتلاشى شيئاً فشيئاً نحوه.
ربما يكون من العبث أن نحب هذا المخلوق. هذا ما فكرنا به.
ربّما لا يريد حبنا وعواطفنا. أيكون مخلوقاً متوحشاً؟! لقد أصبح أكثر صمتاً عندما اقتربنا منه ثانيةً.
- "يجب ألاّ نحبّه..... يجب ألاّ نحبّه... قد لا يستحق حبنا؟!"..
قلت لأشقائي.
لففت الأرنب بثوبٍ صوفيٍ ووضعته في زاوية مظلمةٍ في غرفة الجلوس الباردة، ووضعت صحناً من الحليب أمامه. وعندما شاهدت أمي ما قمت به، أعلنت أنّها لن تدخل غرفة الجلوس مادام الأرنب فيها، وقالت:
- "سوف لن أهتمّ بأفكاركم السخيفة....".
عدنا من المدرسة بعد منتصف النهار، وتسللنا إلى الغرفة.
كان الأرنب ساكناً، بدون أية حركة، وملفوفاً بثوب الصوف، كما تركناه، وكانت تلك مشكلتنا الكبيرة: "لماذا يبقى هكذا؟!"...
وسألنا أمي بدهشة:
- "لماذا لم يتناول الحليب يا أمي؟!"
- "إنّه يفضل أن يعيش حياته الخاصة، بعيداً عن هنا. إنّه شيءٌ صغيرٌ تافه....!!"
يفضل أن يعيش حياته الخاصة!! إنّها مشكلة!!...
اقتربنا منه، ووضعنا أمامه بعض الأعشاب الطرية وقريباً من فمه، لكنّه لم يبدِ أيّ اهتمام. كانت عيناه تلمعان.
ذهبنا لتناول الشاي. وعندما أدرنا ظهورنا له، قفز بضعة سنتيمترات خارج قطعة الصوف، وجلس ساكناً بدون غطاء.
حلّ الظلام، انطلق والدي إلى عمله، أمّا الأرنب فقد بقي ساكناً، وبدت علائم اليأس على أشقائي. وهذا معناه أنّ سيلاً من الدموع سيحصل قبل النوم، حزناً على الأرنب وتعاطفاً مع حالته.
تجمّع الغضب في عيني أمي.

لففنا الأرنب، ثانيةً، بقطعة الصوف، بعدما نقلناه إلى الغرفة الأخرى، ووضعناه قرب موقد النار النحاسي. وهكذا فرّبما

يتخيّل نفسه داخل حجره. وضعنا العديد من الصحون، أربعة أو خمسة، متناثرةٍ حوله، هنا وهناك، على الأرض.

أينما يتحرك -إذا ما تحرّك- فسوف يكون الطعام قريباً منه.

دخلت أمي الغرفة لتأخذ ما تريده منها ثم خرجت لتعلن أنّها لن تدخلها ثانيةً قبل رحيل هذا الشيء التافه الصغير.

جاء صباح اليوم التالي بأنواره. نزلت إلى الطابق الأرضي كي أرى الأرنب. وعندما فتحت باب الغرفة سمعت حركةً
ما.

بعد ذلك شاهدت الأرنب يحدق بي، وقطرات الحليب على الأرض.

كانت عيناه حمراوين. أخذ يحرك أنفه، وهو يحدّق بي.

كان الأرنب بصحةٍ جيدة.

- "أبي... الأرنب سوف يعيش.. لن يموت..."قلت.

- "ذلك مايجب أن يحصل بالطبع...ردّ أبي وهو يبتسم كان لابدّ أن نطلق اسماً ما على الأرنب، فسميناه "أدولف" لم

نستطع أن نحبّه كثيراً، لأنّه كان أرنباً برياً، غير ودود.

بعد ذلك أصبح أليفاً وكان يمثل فرحاً حقيقياً بالنسبة لنا.
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .

آخر تعديل بواسطة duha ، 25-11-2007 الساعة 11:12 AM.
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 27-11-2007, 11:02 AM   #21 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
ابنة تاجر الخيول

تاليف د.ه لورنس
ترجمه د. علي عبد الامير


"طيب، مابيل، وماذا ستفعلين بنفسك؟"، سأل جو، بذلاقة لسان سخيفة. شعر أنه في غاية الأمان.ودون أن يصغي إلى أي جواب، استدار جانباً، نقل حبة تبغ إلى طرف لسانه، وبصقها إلى الخارج. لم يكنْ يكترث بأي شيء، طالما أنه هو نفسه يحس بالأمان، وبمنأى عن الأذى.
كان الأشقاء الثلاثة والأخت جالسين حول مائدة الفطور المقفرة، يحاولون أن يتشاوروا فيما بينهم تشاوراً مفككاً بعض الشيء. نقر بريد الصباح النقرة الأخيرة على مصائر أفراد العائلة، وانتهى كل شيء. أما حجرة الطعام الموحشة نفسها، بقطع أثاثها الثقيل المصنوع من خشب الماهوغاني، فقد بدت كما لو أنها تنتظر من يتخلص منها.
لكن المشاورة لم تسفر عن شيء. هيمن على الرجال الثلاثة جو غريب من العقم واللاجدوى، بينما كانوا منتشرين من غير اتساق حول المائدة، يدخنون ويفكرون ملياً وبصورة مبهمة في حالهم. الفتاة وحيدة، قصيرة القامة نوعاً ما، شابة في السابعة والعشرين، متجهمة الوجه. لم تكنْ تشاطر إخوتها الثلاثة الحياة ذاتها.

لو كانت تحيا على غرارهم لبدت حسنة المظهر، ولحافظت على الاستقرار الرائق لسحنتها، سحنة "كلب بلدوغ"، كما يقول أشقاؤها.
كان ثمّة وقع مشوش لقوائم الخيل في الخارج. تحرك الرجال الثلاثة كلهم في كراسيهم كي يراقبوا ماسيحدث، خلف شجيرات الأيلكس الداكنة التي تفصل شريط المرجة عن الطريق العام؛ يمكنهم أن يروا موكباً من الجياد الإنكليزية المخصصة للجرّ تتمايل خارج زريبتها الخاصة، وهي في طريقها إلى التمرّن. كانت هذه آخر مرة. هذه آخر الجياد التي ستفلت من أيديهم. كان الشبان الثلاثة مذعورين من تدهور حياتهم، وإن شعورهم بالكارثة التي أحاطتهم جميعاً لم يُبقِ لديهم أيَّ إحساس بالحرية الداخلية.
ومع ذلك فقد كانوا ثلاثة شبان جميلي الطلعة، أقوياء الأبدان بصورة كافية. كان جو، الأكبر سناً، رجلاً في الثالثة والثلاثين، وسيماً ومتحرراً، يشع حيوية وعافية. وجهه أحمر، كان يفتل شاربه الأسود على إصبع سميك، أما عيناه فكانتا قلقتين غير عميقتين. كانت له طريقة حسية في الكشف عن أسنانه، عندما يقهقه، أما مشيته فكانت حمقاء. هاهو الآن يراقب الأحصنة بعينين تكسوهما غشاوة شبه زجاجية جرّاء القلق وعدم الارتياح، يخالطهما شيء من الذهول الناجم عن تردي الحالة المعاشية.
أحصنة الجر الضخمة تأرجحت أثناء سيرها. كانت مربوطة الواحد عكس الآخر، الرأس إلى الذيل، كانت أربعة جياد، تبذل جهداً للوصول إلى ممر ضيّق متفرع من الطريق العامة، زارعةً حوافرها الضخمة بصورة هازئة في الطين الأسود الناعم، مؤرجحةً أكفالها المدورة الكبيرة بترف. ركضتْ خبباً خطوات قليلة مفاجئة فيما كانت تُساق إلى الممر الضيق، في المنعطف. كل حركةٍ من حركاتها كانت تنم عن قوة هائلة هادئة، وعن حماقةٍ جعلتها حبيسة الخضوع. سائس الخيل الذي في المقدمة تطلع إلى الوراء، هازاً حبل القيادة. وتوارى موكب الخيل عن الأنظار مختفياً في المجاز، وكان ذيل الحصان الأخير بارزاً للأعلى، متوتراً وصلباً، مشدوداً ومقيداً بالأكفال الضخمة المتأرجحة بينما هي تتمايل خلف أسيجة الشجيرات في حركةٍ أشبه ماتكون بالنوم.
كان جو يراقب ذلك بعينين يائستين، تكسوهما غشاوة شبه زجاجية، كانت الجياد بالنسبة له مثل جسده هو تقريباً، يشعر هو الآن أنه مرهق حدّ الأعياء. لحسن الحظ كان هو قد خطب امرأة في مثل سنه، ومن هنا فإن أباها، الذي كان موظفاً مالياً في مقاطعة مجاورة، سوف يجد له مهنةً. سيتزوج هو ويُشد إلى نير. حياته انتهت، وأمسى هو الآن حيواناً مطيعاً.
تنحى جانباً بارتباك، وقع حوافر الخيول المنسحبة لما يزل يتردد صداه في أذنيه. ومن ثم، بارتباك سخيف، مدّ أصابعه إلى بقايا لحم الخنزير المقدد في الصحون، صفّر بصوت ضعيف، ثم قذف البقايا إلى كلب ترير المستلقي لصق سياج المدفأة. راقب الكلب وهو يبتلعها، وانتظر ريثما يحدّق الحيوان في عينيه، ثم بانت على محياه تكشيرة طفيفة، وقال بصوت عال وسخيف:
-"لن تنال مزيداً من لحم الخنزير، ماذا يمكنك أن تفعل، أنت أيها الكلب الصغير؟"
هز الكلب ذيله بحركةٍ مترددة وكئيبة؛ ثم خفض كفليه، استدار، واستلقى ثانيةً.
هيمن سكون بائس آخر عند المائدة، تململ جو في مقعده، غير راغب بالمغادرة إلى أن ينفض الاجتماع العائلي. فريد هنري، الأخ الثاني، كان منتصب القامة، أنيقاً، ويقظاً. راقب هو مرور الجياد بمزيد من رباطة الجأش. لو كان هو حيواناً، مثل جو، فإنه حيوان مسيطر وليس مسيطر عليه. كان سيداً لأي حصان من الأحصنة، وكان يمتاز بقدرٍ معتدل من التفوق والسيطرة، لكنه لم يكنْ بارعاً في معالجة تعقيدات الحياة. دفع شاربه البني الخشن إلى الأعلى، بعيداً عن شفته، ونظر بانفعال إلى شقيقته، التي كانت جالسةً بلا حراك، وعلى وجهها تلوح سيماء الغموض.
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 27-11-2007, 11:15 AM   #22 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
"ستذهبين وتمكثين عند لوسي بعض الوقت، أليس كذلك؟"، سأل هو. الفتاة لم تجبْ. "لا أدري ماذا ستفعلين غير ذلك"، قال فريد هنري بإصرار. "اذهبي كخادمة"، قال جو محرّفاً النص بصورة مقتضبة. الفتاة لم تحرك ساكناً. "لو كنتُ في مكانها لذهبت للتدريب على مهنة التمريض"، قال مالكولم، الأخ الأصغر سناً. كان طفل الأسرة، شاب في الثانية والعشرين، بهي الطلعة، متناسق القسمات. إلا أن مابيل لم تلحظ وجوده، كانوا يتحدثون عنها ومن حولها طوال أعوام عديدة، بحيث أنها لم تكدْ تسمع شيئاً على الإطلاق. دقتْ ساعة الحائط المرمرية الموضوعة على الموقد بصوت واهن معلنةً انقضاء نصف ساعة، نهض الكلب المستلقي على بساط الموقد بحركةٍ مضطربة ونظر إلى المجموعة الجالسة إلى مائدة الفطور. بيد أنهم مازالوا جالسين في اجتماع سري عقيم. "أوه، طيب"، قال جو بغتةً، من غير أن يقترح شيئاً. "سوف أذهب"... دفع كرسيه إلى الوراء، باعد بين ركبتيه بهزةٍ إلى الأسفل، كي يحررهما، بطريقةٍ حصانيةٍ، ومضى إلى النار. لكنه لم يغادر الحجرة بعد؛ كان تواقاً لمعرفة ماسيفعله أو يقوله أشقاؤه الآخرون . شرع يحشو غليونه بالتبغ، مخفضاً بصره إلى الكلب، قائلاً بصوت عال ومتكلف: "أتذهب معي؟ أتأتي معي أيها الكلب الترير. هم لن يذهبوا إلى أماكن أبعد من تلك التي هم بصددها الآن. ألا تسمعني؟". هز الكلب ذيله بوهن، أبرز الرجل فكه وغطى غليونه بكفيه، ونفخ الدخان بتصميم، ناسياً نفسه في التبغ، مصوّباً نظراته طوال كل تلك المدة إلى الكلب ذي العينين البنيتين الشاردتين. رفع الكلب عينيه إلى الرجل في ارتياب كئيب. وقف جو بركبتين بارزتين بطريقة حصانية حقيقية. "هل تلقيتِ خطاباً من لوسي؟"، سأل فريد هنري شقيقته. "نعم، في الأسبوع الماضي" ردتْ أخته بطريقة حيادية. "وماذا قالت في رسالتها؟". مابيل لم تحرْ جواباً. "هل طلبت منكِ المجيء، والمكوث هناك؟"، ألح فريد هنري. "قالت يمكنني أن أفعل إن شئت.". "طيب، إذاً، خير لك أن تفعلي ذلك. أخبريها بأنكِ آتية يوم الاثنين.". واستقبل هذا الكلام بصمت. "إذاً هذا هو ماستفعلينه، صحيح؟". قال فريد هنري بشيء من الغيظ والسخط. لكنها لم تردْ عليه. كان يخيم على الغرفة صمت يزخر بالسخط واللاجدوى. كشر مالكولم بصورةٍ حمقاء. "عليكِ أن تتخذي قراراً من الآن وحتى الأربعاء القادم.". قال جو بصوت مرتفع، "وإلا وجدتِ نفسكِ فوق حجر الرصيف.". اكفهر وجه الشابة، إلا أنها ظلت جالسةً بثبات. "هو ذا جاك فيرجسون!". هتف مالكولم، الذي كان يحدق بلاهدف عبر النافذة. "أين هو؟"، صاح جو بصوتٍ عالٍ. "مر تواً."."هل سيدخل؟". أتلع مالكولم عنقه ليرى البوابة. "أجل". قال هو. خيم صمت، مابيل لبثت جالسةً كامرأةٍ مدانةٍ، عند رأس الطاولة، ثم سُمِعَ صفير من المطبخ. هبّ الكلب واقفاً ونبح بصوت حاد. فتح جو الباب وصاح قائلاً: "هلمَّ".. بعد لحظةٍ دخل رجل في مقتبل العمر. يلف نفسه بمعطف ولفاع صوفي أرجواني اللون، أما قبعته التويد (نسيج صوفي خشن)، التي لم يرفعها، فقد كانت مسحوبة إلى الأسفل فوق رأسه. كان ربع القامة، وجهه طويل نوعاً ما وشاحب، أما عيناه فقد كانتا تبدوان متعبتين. "مرحباً، جاك! حسن، جاك!"، هتف مالكولم وجو بينما لم يقلْ فريد هنري غير "جاك". "ماذا ستفعل؟". سأل القادم الجديد، كان جلياً أنه يوجه كلامه إلى فريد هنري.
يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .

آخر تعديل بواسطة duha ، 27-11-2007 الساعة 12:14 PM.
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 27-11-2007, 11:28 AM   #23 (رابط ثابت)
أنا مـســـــلـــــــــم
 
الصورة الرمزية لـ The Caesar
 
تاريخ التسجيّل: Dec 2006
الإقامة: مصر
المشاركات: 4,093
The Caesar is on a distinguished road
انا هنا

شكلها قصه جامده
ياذن الله اعود لتكملتها

شكلك جايبه تحفه ضحي
__________________
Open Your EyEs
الخيال مضطر الى التمسك بالاحتمالات.
لكن الحقيقة ليست كذلك.

The Caesar is offline   الرد مع إقتباس
قديم 27-11-2007, 12:11 PM   #24 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
اهلا قيصر
بجد كتابات د.ه لورنس تحفه
اقراها وما هتندم
انا حطيت هنا الاعمال القصيرة بس
لكن الروايه اللي قريتها له نساء عاشقات اكثر من تحفه
عالم سحري او تقدر تقول سمفونيه بيتهوفينيه
هي موجودة عندي في بغداد والله لو كانت معايا كنت عملتلها سكان ونزلتها
بجد تحفه
يارب تستمتع بالقراءة
وشكرا قيصر
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 28-11-2007, 04:45 PM   #25 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
"سيان. علينا أن نخلي المكان يوم الأربعاء- هل أنت مصاب بالزكام؟".

"نعم. زكام شديد.".

"لِمَ لا تلازم الفراش. طالما أنتَ مصاب بالبرد؟".

"أنا ألازم الفراش؟ عندما لا أكون قادراً على الوقوف على قدميّ، من الجائز أن تكون لي فرصة سانحة في ملازمة

السرير.". قال الشاب بصوت أجش. كانت له لهجة اسكتلندية طفيفة.

"إنه عمل مرهق، صحيح". قال جو باسترسال، "إذا ماواصل الطبيب عمله هنا وهناك متحدثاً بصوت خفيض أجش،

آنذاك سيترك انطباعاً سيئاً لدى مرضاه، أليس كذلك؟ ".

جعل الطبيب الشاب يتأمل محدّثه.

"المسألة لا تعني عندك شيئاً، صحيح؟"، سأل هو ساخراً.

"هي لا تعنيني بالدرجة التي أعرفها. تباً لك، أتمنى أن لا تعنيني. علام تسألني؟".

"في اعتقادي أنك كثير الاهتمام بالمرضى، إني أتساءل ما إذا يحتمل أن تكون أنتَ واحداً منهم.".

"تباً، إني لستُ كذلك. لم أكن يوماً مريضاً عند طبيب متحمس، وآمل ألا أكون كذلك في المستقبل أيضاً". رد جو.

حينذاك قامتْ مابيل من المائدة، لاح عليهم كلهم أنهم باتوا منتبهين لوجودها.

بدأت هي تصف الصحون. تطلع الطبيب الشاب إليها. لكنه لم يخاطبها بكلمة. الواقع، لم يوّجه إليها تحيته. غادرت هي

الحجرة مع الصينية، كان وجهها جامد الملامح من دون أن يطرأ عليها أي تغيير.

"متى سينفد مالكم أنتم جميعاً؟". استفهم الطبيب. ثم التفت إلى جو:"هل وقعت في المصيدة؟

"نعم، سبق وأن أخطرتك بأنني وقعت في المصيدة، أليس كذلك؟".

"يتوجب علينا، إذاً، أن نتغلب على هذا الوضع -وداعاً، جاك، إن لم أرك قبيل مغادرتي". قال مالكولم مصافحاً الطبيب.

انصرف إلى الخارج، ولحقه جو، الذي بدا كما لو أن له ذيلاً بين ساقيه.

"حسن، هوذا قدركم"، هتف الطبيب، عندما ترك وحيداً مع فريد هنري. "ستذهب قبل الأربعاء، أليس كذلك؟".

"تلك هي الأوامر"، رد الآخر.

"إلى أين، إلى نورثامبتون؟".

"نعم."

"اللعنة!" صاح فيرجسون، بغم هادئ.

لزم الاثنان الصمت.

" حسمت الأمور كلها، صحيح؟" سأل فيرجسون

"تقريباً.".

حلت فترة صمت أخرى.

"حسن، سأشعر بفراقك، ياعزيزي فريدي"، قال الطبيب الشاب.

"وأنا أيضاً، سأحس بالوحشة بعيداً عنك، ياجاك". رد الآخر.

"إن فراقك هو الجحيم بعينه". قال الطبيب متأملاً.

التفت فريد هنري. لم يكن ثمة مايقال. أقبلتْ مابيل من جديد، كي تزيل ما تبقى من أشياء على المائدة.


"وماذا ستفعلين أنتِ، آنسة بيرفين؟". سأل فيرجسون."ستذهبين إلى شقيقتكِ، صحيح؟".

تطلعت إليه مابيل بنظرات ثابتة وخطيرة، كانت تشعره دوماً بالضيق، وتزعزع راحته الظاهرة.

"لا" أجابت هي.


"طيب، باسم القدر ماذا ستفعلين؟ أخبريني ما الذي تنوين عمله؟"، صاح فريد هنري بحدةٍ لا طائل تحتها.

لكنها لم تفعل شيئاً سوى أنها أدارت رأسها، وتابعتْ عملها. طوتْ قماش المائدة الأبيض، وفرشت غطاء الشنيل([1]).

"إنها لا تعرف سبيلاً إلى الملل والتعب!". تمتم أخوها.

لكنها فرغت من مهمتها بوجهٍ خالٍ تماماً من أي تعبير، الطبيب الشاب لا يني يراقبها بشغف واضح طوال كل تلك

المدة. بعدها غادرت هي حجرة الطعام.

([1])الشنيل : غزل صوفي أو قطني أو حريري ذو زئبر ناتئ (المورد).
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 28-11-2007, 05:03 PM   #26 (رابط ثابت)
الهدوء
 
الصورة الرمزية لـ ايطالي
 
تاريخ التسجيّل: Nov 2007
الإقامة: الغربة
المشاركات: 45
ايطالي is on a distinguished road
إرسال رسالة عبر بريد الياهو إلى ايطالي
- الفتاة الضائعة - رواية.