|
كان تأثير المشروب فورياً، تطلعت في وجهه، كما لو أنها كانت تنظر إليه مدةً من الزمن، إلا أنها الآن فقط أمستْ واعيةً به.
"دكتور فيرجسون؟"... سألت هي.
"ماذا؟"... رد عليها.
كان قد تجرّد من معطفه، وحاول أن يجد لباساً جافاً في الطابق الأعلى. لم يكن يطيق رائحة الماء الطيني الراكد، وكان خائفاً
حتى الموت على صحته:
"ماذا فعلتُ؟"، قالت هي:
"غصت في البركة"، أجابها. جعل يرتجف مثل مريض حقيقي، ولم يعدْ قادراً على العناية بها. بقيتْ تركز نظراتها عليه، بدا
حزيناً، بينما هو يتطلع إليها عاجزاً. خف الارتجاف، وعادت إليه الحياة ثانية، حياة مظلمة وغير معلومة، إنما قوية.
"هل فقدتُ صوابي؟".. سألتْ هي، بينما كانت عيناها ماتزالان مركزتين عليه.
"ربما، في اللحظة الحاضرة"، أجابها. أحس بالهدوء، لأنه استعاد قواه، زايله التوتر الغريب المضطرب.
"هل أنا معتوهة الآن". سألته.
"أنتِ؟"، فكر ملياً. مرتْ لحظة ثم قال هو بصدق:"لا". أشاح وجهه جانباً.. الآن هو خائف، لأنه كان يشعر بالدوار، وأحس
بصورةٍ غامضة بأنها أقوى منه، في هذا الموضوع. واستمرت في النظر إليه بثبات طوال الوقت. "هل يمكنكِ أن تخبريني
أين يمكنني أن أجد ثياباً جافة كي أرتديها؟"سالها.
"هل غصتَ في البركة من أجلي؟". سألته.
"لا" أجابها. "خضتُ فيها. لكنني دخلت في الماء أيضاً".
خيم صمت لحظة، تردد هو، كان يتحرق شوقاً للصعود إلى الطابق العلوي كي يحصل على ملابس جافة، إنما كانت في
داخله رغبة أخرى. بدتْ وكأنها تريد الإمساك به. يبدو أن إرادته قد ذهبتْ لتنام. وتركته هو، واقفاً هناك خائر القوى أمامها،
لكنه شعر بأن داخله دافئ، لم يرتعدْ على الإطلاق، مع أن ثيابه كانت مبللةً بالماء وملتصقة بجسده.
"لماذا فعلتَ ذلك؟". سألته.
"لأنني لم أردكِ أن ترتكبي مثل هذا العمل الأحمق". قال هو.
"لم أكن حمقاء"، قالت، هي ما تزال هي تتطلع إليه راقدةً على الأرض، حيث كان دثار أريكة تحت رأسها. "كان ذلك هو
العمل الصحيح الذي ينبغي لي القيام به. كنتُ أعرف ماكنتُ أفعله.".
"سأذهب وأتخلص من هذه الأشياء الرطبة"، قال هو. لكنه مايزال لا يملك القدرة على الابتعاد عنها، مالم ترسله هي. بدا كما
لو أنها حياة جسده بيديها. وأنه غير قادر على أن يخلّص نفسه، أو لعله لا يودّ ذلك أصلاً.
فجأةً نهضت هي، ثم أمستْ واعيةً بحالتها. شعرتْ بالبطانيات التي حولها، وتحسست ساقيها. بدا على مدى لحظة كما لو أنها
فقدت صوابها.
نظرت من حولها بعينين وحشيتين، كما لو أنها تفتش عن شيء ما. جمّدها الخوف، رأت ثيابها مبعثرةً على الأرض.
"من نضا عني ملابسي؟". سألته، استقرت نظراتها على وجهه.
أجاب هو: "أنا. كي أعيدك إلى الوعي.".
وعلى مدى لحظات قلائل لبثت تنظر إليه بصورة مروِّعة. تباعدت شفتاها.
"هل أنتَ مغرم بي إذاً؟". سألت هي.
كان واقفاً يتطلع إليها مفتوناً. بدتْ روحه كما لو أنها على شفير الذوبان. مشتْ متثاقلة على ركبتيها، بينما كان واقفاً هناك،
تشبثت به بيقين غريب حاسم، ورنتْ إليه بعينين براقتين، ذليلتين، تنمان عن التجلي، والانتصار من نفسها. "أنتَ تحبني. أنا
أعرف أنكَ تحبني، أنا أعرف.".
وراحت تقبله بعاطفة جياشة، كما لوأنها غير مبالية بأي شيء آخر في الدنيا كلها.
خفض بصره متطلعاً إلى شعرها المبلل المشوش كان منذهلاً، حائراً، وخائفاً، لم يخطر بباله أن يغرم بها. لم يرغب بالوقوع
في هواها. عندما أنقذها من الغرق وأعاد إليها وعيها، كان ذلك بدافع ضميره المهني كطبيب، وكانت هي بمثابة مريضة. لم
تكن عنده أي فكرة شخصية عنها. كلا، إن تدخل العنصر الشخصي كان شيئاً بغيضاً بالنسبة له، إنه تدنيس لشرفه المهني.
إنه شيء مروِّع أن تطوّقه هكذا.ومع ذلك لم يكن قادراً على الإفلات منها.
__________________
أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
|