بحث لوحة التحكم مصر
خروج التسجيل مواضيع اليوم

العودة   عالم ابن مصر > ----عالم ابن مصر---- > قاعة كلمات > حبر و ورقة
التسجيّل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
   
 
قديم 24-11-2007, 12:15 PM   #1 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
د.ه.لورنس

قبل اكثر من سبع سنوات كنت احث في مكتبه خالي عن كتاب اقرأه
فوجدت روايه نساء عاشقات كانت عبارو عن جزئين
كل جزء اكثر من 500 صفحه
المهم مع اني وقتها لم اكن ابحث عن روايه لكني هممت بقراءتها
وما ان بدأت حتى طفت معها في عالم ساحر زاخر بالاحداث والمناظر الطبيعيه
الخلابه والشخصيات المرسومه بكل دقه حتى تكاد تكون شخصيات شفافه
تقرأ مافي داخلها بدون صعوبه
بدات بالقراءة ولم اتوقف حتى انهيت الروايه بكاملها وكلما اتذكرها اعود لتلك
الاجواء الساحرة التي رسمها ذاك الفنان العبقري
انه د.ه.لورنس الانكليزي الذي لاقى معاداة المتعصبين وقتها لجرأته في
طرح قضاياه
د. هـ لورانس D. H. Lawrance 1885-1930

ولد في "ايست وود" في انكلترا. اسمه الكامل

ديفيد هنري لورانس. قاص وروائي وشاعر ورسام

. وتبرز شهرته بشكل أساسي، كقاص وروائي.

ينحدر من عائلة فقيرة فهو ابن لعامل في مناجم
الفحم.

بينما كانت أمه سيدةً مثقفة، تعلق بها لورانس
كثيراً.

اهتمّ، في أعماله بمعالجة العلاقات الاجتماعية

لاسيّما قضايا الحب والزواج. أمضى فترةً من حياته

في الولايات المتحدة ثم في فرنسا حيث مات

بسبب إصابته بمرض السل.
q
qأعماله:

1 - أبناء وعشاق- رواية.

2 - عشيق السيدة تشاترلي - رواية.

3 - نساء عاشقات - رواية.

4 - الفتاة الضائعة - رواية.


5 - قصص قصيرة.

أهم الذين كتبوا عنه الناقد وليام هوبكن.

وقد تشكلت في انكلترا جمعية اسمه

"جمعية لورانس".

جعلت منزله متحفاً يضم أعماله ولوحاته

، وتعمل على التعريف بأدبه ونشر الدراسات

عنه
.
اود ان اقدم لكم بعض اعماله القصيرة هنا لتوفرها لدي
وكم وددت لو ان روايه نساء عاشقات معي الان لكنت عملت لها سكانر ونزلتها لاجل عيونكم لكن اعذروني
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 12:30 PM   #2 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
الأميرة


قصة: د. هـ. لورنس

ترجمة : ماجد الحيدر


بالنسبة الى أبيها، فهي "الأميرة". أما بالنسبة الى خالاتها وأخوالها في بوسطن فهي ليست سوى "دولي أوركيوهارت .. الكائن المسكين الصغير"..

كان "كولن أوركيوهارت" ذا مسٍ طفيفٍ من الجنون. ينحدر من أسرة اسكتلندية عريقة ويدعي أن دماً ملكياً يجري في عروقه. وفي هذه النقطة بالذات كان أنسباؤه الأمريكيون يقولون إنه "مخبول بعض الشيء". ذلك لأنهم لم يعودوا يتحملون سماع المزيد عن ماهية الدماء الاسكتلندية التي تزرّق عروقه، فالأمر برمته صار من قبيل السخف ومصدراً للحرج. والحقيقة الوحيدة التي كانوا يتذكرونها هي كونه لا ينتمي الى أسرة "ستيوارت"[1]

كان رجلاً وسيماً ذا عينين زرقاوين واسعتين تبدوان أحياناً كأنهما تحدقان في الفراغ، وشعر أسود ناعم أسدل على جبينٍ خفيض، وقوامٍ غاية في الجاذبية. فإذا أضفت الى ذلك صوتاً رائع النبرات يتصف في العادة بالخفوت والحياء ولكنه يغدو أحياناً قوياً رناناً كالبرونز، عندها تستطيع أن تدرك مجموع تلكم المفاتن.

يخيل إليك كبطلٍ كلتي قديم[2] إذ لم ينقصه إلا ارتداء التنورة الاسكتلندية الرمادية التي تكشف عن ركبتيه وتعليق كيس الدراهم الفرائي التقليدي. وكان صوته يبدو آتياً من أعماق ذلك الماضي الأوسياني[3].

لقد نُظر اليه كواحدٍ من اولئك السادة المهذبين الذين يمتلكون دخلاً كافياً لكن من دون ثراء، ممن كانوا لخمسين خلت يتسكعون على غير هدى هنا وهناك، دون أن يبلغوا مكاناً ما، ودون أن يفعلوا شيئاً ما، ودون أن يصبحوا، بالتحديد، شيئاً ما. ورغم هذا فهو يستقبل بالترحاب والمودة في الأوساط الراقية في غير واحد من الأقطار.

لقد ظل عازبا عن الزواج حتى ناهز الأربعين حين التقى بالآنسة الغنية "بريسكوت" من "نيو إنكلاند".

فُتنت "حنا بريسكوت" ذات السنوات الإثنتين والعشرين بالرجل ذي الشعر الفاحم الناعم والعينين الزرقاوين الواسعتين الغامضتين. كانت نساء كثيرات قد وقعن في حبه قبلها، لكن "كولن أوركيوهارت" بغموضه المعهود تجنب أية ارتباطات قاطعة.

عاشت السيدة أوركيوهارت أعواماً ثلاثاً في هالة الضباب والسحر التي أضفاها حضور زوجها، ثم أرهقها الأمر. كانت الحال أشبه بالعيش مع شبحٍ ساحر. فهو يتعامل مع أغلب الأمور بتغافل كامل ، بل قل شبحي. صحيح أنه ظل على الدوام فاتناً ، دمثاً ، ومهذباً، ولطيفا بصوته الموسيقي الخافت، لكنه غير حاضر قط. وحين ننظر للأمر برمته فإنه لم يكن موجوداً البتة .. "أبداً ما هنا " كما يقال بالعامية.

أصبح مع نهاية العام الأول أباً لبنت صغيرة، ولكن ذلك لم يضف عليه المزيد من الوجود المادي. وفي غضون الأشهر الأولى صار جماله بالذات وطبيعته الموسيقية الساحرة أمرين لا يطاقان بالنسبة إليها… الصدى الغريب .. كان مثل صدىً حي! وحتى بشرته نفسها لم تكن لتبدو لمن يلمسها مثل بشرة إنسان حقيقي!

ربما يعود السبب الى أن به مسٌ من الجنون. تيقنت من ذلك ليلة ولدت ابنتها.:

-"آه . هكذا أخيراً حضرت أميرتي الصغيرة"

قال في تلك الليلة بصوته الكلتي الغنائي الخارج من أعماق حنجرته مثل ترنيمة جذلة وهو يتمايل طرباً.

كانت طفلة ضئيلة ضعيفة ذات عينين زرقاوين واسعتين مندهشتين. عمدوها باسم "ماري هنرييتا" لكنها كانت تنادي ذلك الكائن الضئيل "يا دميتي" وأما هو فكان يسميها على الدوام "أميرتي".

لم يعد يجدي معه أي هجوم عنيف، إنه يكتفي بأن يفتح عينيه الزرقاوين الواسعتين لتصبحا أكثر اتساعاً ويلبس مظهراً طفولياً هادئاً لا يحيد عنه.

لم تكن "حنا بريسكوت" قوية البنية، ولم تمتلك يوماً رغبة عارمة بالحياة. وهكذا ماتت فجأة عندما بلغت طفلتها عامها الثاني. شعر آل "بريسكوت" بحقدٍ دفين مكتوم حيال "كولن أوركيوهارت". قالوا إنه رجل أناني، ولذلك قطعوا ما كان يصل "حنا" من مالٍ بعد شهر واحد من دفنها في "فلورنسا"، بعد أن ألحوا على الأب بأن يعهد لهم بالصغيرة ، وبعد أن أجابهم بكل لطفٍ وكل "موسيقيّة" ولكن بكل إصرارٍ بالرفض القاطع. لقد تصرف إزاء آل "بريسكوت" وكأنهم ليسوا من عالمه، أو ليسوا أشياء حقيقية بالنسبة اليه، بل ظواهر عرضية أو غراموفونات ، آلات حاكية ينبغي أن يجاب عليها. ولقد كان يجيبهم بالفعل، لكنه لم يعر أي اهتمام الى حقيقة وجودهم. وعزموا على مقاضاته أمام المحاكم باعتباره غير أهل لرعاية الصغير، لكن ذلك كان سيثير الفضائح. ولذلك لجئوا في النهاية الى أبسط الحلول.. نفضوا عنه أيديهم. لكنهم واظبوا على إرسال رسائلهم الوسواسية الى الطفلة وعلى نفحها ببعض الهدايا النقدية المتواضعة في أعياد الميلاد وفي ذكرى رحيل أمها.

ظل الأقرباء البوسطنيون أعواماً طويلة مجرد حقيقة لفظية بالنسبة الى الأميرة. وبقيت مع أبيها الذي يرتحل على الدوام، ولو بوسائل متواضعة، ويعيش من دخله المتوسط. ولم تسافر هي قط الى أمريكا.

تنقلت الطفلة من حاضنة الى أخرى: في ايطاليا كانت هناك إحدى الـ "كونتادينات"، وفي الهند إحدى الـ "أيّا"ت، وفي ألمانيا كان لديها فتاة شقراء من الفلاحين. كان الأب وابنته لا يكادان ينفصلان عن بعضهما البعض. لم يكن الأب رجلاً انطوائيا؛ فحيثما ذهب كان يشاهَد وهو يلبي الدعوات الرسمية ويخرج للغداء أو للشاي وفي النادر للعشاء. وفي كل الأحوال برفقة الصغيرة. واعتاد الناس على تسميتها بالأميرة "أوركيوهارت" كما لو كان هذا اسمها بالمعمودية.

كانت الفتاة مخلوقاً عذبا خفيف الظل، بشعرها الذهبي الغامق الذي استحال الى بني ناعم، وبعينيها الزرقاوين الواسعتين الجاحظتين قليلا اللتين تميزتا منذ البداية بالصراحة والذكاء المفرطين. كانت بالغة رشيدة على الدوام رغم أنها لم تكبر في الحقيقة أبداً : دائماً طفولية ، ودائماً حكيمة الى حدٍ غريب.

لقد كانت غلطة أبيها:

-" ينبغي على أميرتي ألا تلقي كبير اهتمام الى الناس، أو الى ما يقولون أو يفعلون" لطالما ردد عليها "الناس لا يعرفون ما هم قائلون أو فاعلون. إنهم يثرثرون ويثرثرون . يؤذون بعضهم البعض وكثيراً ما يؤذون أنفسهم الى درجة البكاء. لكن لا تلقي بالاً يا أميرتي الصغيرة، فكل ذلك محض هراء. إن في داخل كل انسان كائنا آخر، وحشا عديم المبالاة. إنزعي عنهم كل ما يقولون ويفعلون أو يحسون مثلما ينزع الطاهي قشور البصل. وعندها سترين في لب كل انسانٍ .. سترين شيطاناً أخضر اللون يستحيل عليك انتزاعه . هذا الشيطان الأخضر لا يتغير أبداً، لا يبالي قط بكل ما يحدث للأوراق الخارجية للمرء، لكل اللغو وكل الأزواج والزوجات والأطفال، كل المآزق وكل الهرج والمرج. إنزعي كل القشور عنهم وستجدين على الدوام ثمة شيطاناً أخضر منتصباً في كل امرأة ورجل. ذلك الشيطان هو الذات الحقيقية للرجل والذات الحقيقية للمرأة. إنه لا يبالي بأيٍ كان، فهو ينتمي الى عالم الشياطين والجنيات البدائيين، أولئك الذين لا يبالون قط. ورغم ذلك فإن هناك شياطين كبارا وآخرين وضيعين ، وهناك جنيات شيطانية رائعات وأخريات سوقيات...ولكن، ما من جنيّة ملكية بقيت الى اليوم… أنتِ فقط يا أميرتي الصغيرة . أنتِ آخر من تبقـى من العرق الملكــي للبشر الغابرين. أنتِ الأخيرة يا أميرتي، ولا أحد سواك. أنا وأنتِ آخر من تبقى. وعندما أموت لن يبقى إلاك. ولهذا يا حبيبتي أنت لن تعيري اهتماماً كبيراً لأي انسان في هذا العالم، لأن شياطينهم جميعاً تافهة سوقية. إنها ليست ملكية الانحدار. أنت فقط الملكية، من بعدي أنا. تذكري ذلك على الدوام، وتذكري دوماً أنه هذا هو "سرنا الكبير". إذا ما أخبرتِ الناس سيحاولون قتلك. إنهم جميعاً يحسدونك لأنك أميرة. إنه سرنا الكبير يا حبيبتي: أنا أمير، وأنتِ أميرة. وإننا ننحدر من ذلك الدم الغابر القديم. وإننا لمحتفظون بسرنا هذا بيننا نحن الاثنين. وهكذا يا عزيزتي عليكِ أن تعاملي الناس بكل أدب، فالنبالة تقتضي هذا [4]. غير أن عليك ألا تنسي بأنك أنتِ فقط آخر الأميرات، وأن كل من عداك دونك أنت، دونك في النبل، وأقرب منك الى العامية.


يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .

آخر تعديل بواسطة duha ، 24-11-2007 الساعة 12:38 PM.
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 12:36 PM   #3 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road




عامليهم بأدب ولطف ورفق يا حبيبتي. لكنكِ أنتِ الأميرة، وهم العامة. لا تجعليهم أبداً أنداداً لكِ. إنهم ليسوا كذلك. ستجدينهم على الدوام يفتقرون الى اللمسة الملكية، تلك التي لا يملكها سواك"

وتعلمت الأميرة الدرس باكراً: درسها الأول في الكتمان المطلق وفي استحالة أية علاقة حميمة إلا مع أبيها، ودرسها الثاني في التأدب البسيط ذي مسحة التفضل. ومنذ طفولتها تبلور شيء ما في شخصيتها، شيء جعلها واضحة، صافية كالبلور، ولكن لا سبيل الى النفاذ اليها.

-"يا للطفلة العزيزة!" كانت مضيفاتها يعلقن "كم هي لطيفة! وكم هي عتيقة الطراز! يالها من سيدة، تلك المخلوقة الضئيلة المسكينة"

كانت منتصبة القامة، تفيض حلاوة، صغيرة على الدوام بل وضئيلة الحجم. وعندما تقف الى جانب الرجل الضخم الأنيق المخبول قليلاً الذي هو أبوها كانت تبدو كطفلٍ أبدلته جنيات الحكايات. لم تكن ترتدي غير البسيط من الثياب، زرقاء في الغالب أو رمادية رقيقة، مع ياقة صغيرة من تطريز ميلانو القديم أو من الحرير المشغول بدقة. كانت يداها رقيقتين للغاية، حتى أن صوت البيانو ليبدو حين تعزف عليه كأنه يخرج من آلة "السبياينيت" الصغيرة.[5]

خارج المنزل كانت تفضل، بدلاً من المعطف، ارتداء عباءةٍ فضفاضة وقلنسوة أو نوعاً من القبعات الصغيرة من طراز القرن الثامن عشر. أما بشرتها فكانت نقية صافية كزهرة تفاح. لقد بدت وكأنها خطت لتوها خارجة من لوحة ما. لكن أحداً لم يعرف حتى يوم موتها تلكم اللوحة الغريبة التي حبسها أبوها بين أطرها التي لم تخرج عنها أبداً.

لمرتين اثنتين طالب جدها وجدتها وخالتها "مود" برؤيتها، مرة في روما والأخرى في باريس. وفي كلتا المرتين خرجوا من لقائها مفتونين مبهورين ، مفتخرين وممتعضين. كانت صغيرة رائعة الجمال، طاهرة القلب، ولكن ذكية وواثقة من نفسها ثقة غريبة. وتلكم اللمسة الواثقة من الدماثة المشوبة بالترفع وذلك البرود الداخلي هما بالذات ما أغاض أقرباءها الأمريكيين.

لم تفتن الصغيرة في الحق أحداً مثل جدها. كان مخلوب اللب بها، بل كان بطريقة ما يعشق المخلوقة الصغيرة البريئة. ولقد فاجأته زوجته مراراً بعد تلك اللقاءات وهو ساهم يطيل التفكير في حفيدته ويتحرق الى رؤيتها ثانية، وظل حتى النهاية متعلقاً بأهداب آماله الساذجة في أن تأتي وتعيش معه.

-" شكراً جزيلا يا جدي. إنك طيب للغاية. ولكن كما ترى، أنا وأبي ثنائي قديم جداً، ثنائي ذو نزوات غريبة، نعيش في عالمٍ خاصٍ بنا"

أفسح لها والدها المجال كي ترى العالم، من الخارج. وسمح لها بالقراءة. وفي سني مراهقتها قرأت "زولا" و"موباسان". وبعيون"زولا" و"موباسان" رأت باريس. وبعدها بقليل أخذت تقرأ لـ"تولستوي" و"دوستويفسكي". أربكها الأخير، ولكن بدا أنها تفهم الآخرين بشكلٍ حكيمٍ ولاذع، تماما كما فهمت حكايات "ديكاميرون"[6] التي قرأتها في لغتها الإيطالية القديمة، أو أشعار "نبلنغ"[7].

غريبةً كانت، وخارقة. كانت تفهم الأشياء بشكل حرفي تحت الضياء البارد الذي غابت عنه كل دفقة من نار. لم تكن مخلوقاً بشرياً بكل معنى الكلمة، لم تكن إلا كطفلةٍ أبدلتها الجنيات.

وأكسبها ذلك عداواتٍ غريبة: كان سواق المركبات والعتالون في محطات القطارات، وخصوصاً في روما وباريس يعاملونها حين تكون وحيدة بفظاظة وقسوة على حين غرة. كانوا يطيلون التحديق فيها ببغضٍ عنيف مفاجئ. كانوا يشعرون أن بها لامبالاة غريبة، بسيطة، مجردة. لامبالاة بكل ما يشعرون هم بأهميته. كانت عظيمة الثقة بنفسها. وكانت زهرة صباها خالية من كل عطر.

قد يحدث أن تنظر الى سائقٍ من روما، شهوانيٍ داعر، كما لو تتفرج على زخرفةٍ تصويرية مضحكة، الأمر الذي يدفعها الى الابتسام. كانت تعرف عنه كل شيء عن طريق "زولا".

أما التلطف المشوب بالكبرياء، ذاك التلطف الذي تصدر به أوامرها اليه، كما لو أنها –المخلوق الجميل الرقيق- هي وحدها الحقيقية، وإنه هو –الوحش الغليظ الفظ- لم يكن غير ضربٍ من "كاليبان[8] يتخبط في الوحل على حافة المستنقع المليء بأزهار اللوتس، ذلك التلطف الغريب كان يثير حنق الرجل، ابن البحر المتوسط، الذي يفاخر بفحولته، والذي ما يزال سر الشهوة الجنسية سره الوحيد. فإذا بوجهه يربد ويمتقع، وإذا به يتنمر عليها في وحشية وفظاظة بشعتين، لأنها بالنسبة اليه لا تملك غير اللامبالاة الشبيهة بالكفر والنابعة من عقمها هي.

لقاءات كهذه كانت ترعبها وتجعلها تدرك حاجتها الى دعمٍ خارجي. فقوة روحها لم تكن لتمتد حتى تشمل أولئك العامة الذين يمتلكون كل القوة الجسدية. لقد كانت تدرك الحقد العنيد وراء مهاجمتهم إياها، لكنها لم تفقد الصواب أبداً. كانت تنفحهم بعض المال بهدوء ثم تنزل وتولي الأدبار.

لكنها لحظات خطرة، لذلك تعلمت كيف تتهيأ لها. إنها الأميرة.. إنها جنية الشمال الرقيقة. فكيف عساها أن تفهم براكين الشهوة التي يفجرونها إزاءها في نوبات من الحقد والكراهية؟ ما كانوا أبداً يهاجمون أباها على هذه الشاكلة، وقد أدركت منذ وقت مبكر أن أمها، المرأة النيوإنكلندية الكامنة فيها هي ما كانوا يكرهون. لم يحدث، ولو لدقيقة واحدة، أن رأت بعينين رومانيتين قديمتين، أن رأت نفسها عقيمة، وردة مجدبة ترتدي حلة من تشامخٍ ولامبالاة لا تحتمل. لكن ذلك ما كان السائق الروماني يرى فيها: إنه يتوق الى تحطيم هذا البرعم العقيم. فجمالها اللاجنسي وسطوتها يدفعانه الى حالٍ من ثورةٍ وحشيةٍ.

حين بلغت التاسعة عشرة من العمر مات جدها تاركاً لها ثروةً يعتد بها في أيدٍ أمينة لأوصياء مسؤولين. كان عليهم أن يسلموها المال شريطة أن تقيم ستة أشهر في العام داخل الولايات المتحدة.

-"لماذا يفرضون عليّ الشروط؟" قالت لأبيها "أنا أرفض أن أسجن ستة أشهر في العام في الولايات المتحدة. سوف نخبرهم أن يحتفظوا بالنقود"

-"لنتصف بالحكمة يا أميرتي الصغيرة. لنكن حكيمين. كلا. نحن معدمون تقريباً، ولسناً بمأمنٍ من العدوان. أنا لن أسمح لكائن من كان أن يعتدي عليّ. أنا أمقت ذلك!" واتقدت عيناه إذ قال هذا "يمكن أن أقتل أي رجلٍ أو امرأةٍ إذا أغلظ لي. لكننا منفيان في هذا العالم، نحن بلا حول ولا قوة. وإذا صرنا فقراء بالفعل فإننا سنصبح غاية في الضعف وعندها سأموت. كلا يا أميرتي. لنأخذ نقودهم، وعندها لن يجرؤ أحد على أن يكون فظاً معنا. دعينا نأخذها كما لو إننا نرتدي بذلك ثياباً تقينا من عدوانهم.

هنا بدأت مرحلة جديدة، عندما أخذ الأب وابنته يقضون الأصياف قرب البحيرات الكبرى أو في كاليفورنيا أو في الجنوب الغربي. كان الأب شاعراً من نوع ما وكانت الابنة رسامة نوعا. كتب اشعاراً عن البحيرات وعن غابات الشجر الأحمر العملاق، وانجزت هي رسوماً لطيفة. كان رجلاً قوي البنية ويحب الخروج الى البرية ويحدث أحيانا أن يخرجا سوية أياما بأكملها، يجذفان في قارب صغير وينامان عند نيران المخيمات في العراء. يا للأميرة الرقيقة الصغيرة! لقد كانت باسلة على الدوام.. على الدوام باسلة. يحدث لها أن تمتطي معه ظهور الخيل عبر شعاب الجبال حتى لا تغدو من فرط إعيائها غير ذهن دون جسد يجلس منفرج الساقين على ظهر حصانٍ صغير. بيد أنها لم تستسلم أبداً. وفي الليل كان يلفها ببطانياتها فوق سرير من أماليد صنوبر بلسمية وهي مستلقية ترقب النجوم دون تذمر.. لقد كانت تؤدي دورها في الحياة. كانوا يسألونها والسنون تمضي: وهي تصبح شابة في الخامسة والعشرين، ثم امرأة في الثلاثين، أميرةً رقيقةً عذراء، "تعرف كل شيء" بشكل رزين هادئ مثل امرأة عجوز، باكراً بكل معنى الكلمة .. كانوا يسألونها:

-"ألم تفكري يوماً بما ستفعلين عندما يغادرك أبوك؟"

فكانت تطالع محدثها بذلك التجرد الساحر، البارد، الذي يميزها، وتجيب:

-"لا. لم أفكر بذلك"

كانت تملك بيتاً صغيراً جميلاً في لندن، وبيتاً آخر صغيراً مكتملاً في "كَنِكْتَكِت" وضعت على كل منهما مدبرة أمينة، فلها إن هي شاءت أن تختار بين منزلين. وكان لها العديد من المعارف المشوّقين من أهل الأدب والفن. فماذا تريد فوق ذلك؟


يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 12:44 PM   #4 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
هكذا مرت السنون دون أن تشعر بها. كانت تتمتع بتلك الهبة التي تميز ملائكة الجن الذين لا هُم بالرجال ولا بالنساء: فيوم صارت في الثالثة والثلاثين بدت وكأنها ما تجاوزت الثالثة والعشرين. ورغم ذلك فإن والدها كان يشيخ، وتزداد غرابة أطواره. وصار عليها الآن أن ترعاه وتحميه وهو في جنونه الانفرادي. أمضى سنواته الأخيرة الثلاث في منزل "كَنِكْتَكِت". كان يزداد نفوراً، وتعاوده بين الحين والحين نوبات من عنفٍ تكاد تقتل الأميرة الصغيرة. فالأذى الجسدي كان في نظرها أمراً فظيعاً يكاد يحطم قلبها. بيد أنها عثرت على امرأة تصغرها بعدة سنوات، مرهفة، متعلمة، وعينتها مرافقة وممرضة للعجوز المجنون. وهكذا لم يعترف أحد بأمر جنونه بشكلٍ صريح. وأظهرت الآنسة "كيومن" ولاءً عاطفياً عميقاً للأميرة، وتعلقاً غريباً يشوبه الحب بالعجوز الوسيم اللطيف الأشيب الذي ما كان ليتذكر نوباته العنيفة بمجرد انقضائها.

كانت الأميرة في الثامنة والثلاثين عندما مات والدها. لم تتغير هي البتة. لما تزل ضئيلة الجرم، لما تزل مثل زهرةٍ جليلةٍ .. لا رائحة فيها. ولما يزل شعرها البني الأملس المقصوص الشبيه بلون فراء القندس الذي نشر برقة حول وجهها الشبيه بزهرة تفاح، الذي يزينه أنف مقوس فتبدو كلوحة شخصية مختالة من عصر النهضة. في صوتها، في سلوكها ومشيتها وجلوسها ووقوفها كانت تزداد هدوءً فكأنها زهرة تفتحت في مكان ظليل. من عينيها الزرقاوين كان يطل ذلك التحدي الأبدي المقتضب الذي تحول بمر السنين الى تهكم وسخرية. لقد كانت الأميرة. وفي تهكم كانت تنظر الى عالم أولئك الذين لا أمير لديهم.

رغم أن موت والدها قد خفف عن كاهلها لكن كل شيء من حولها بدا وكأنه قد تبخر. لطالما عاشت في ضرب من البيت الزجاجي، في جو مفعم بجنون أبيها. وعلى حين غرة رفع هذا البيت الزجاجي. فإذا بها مكشوفة في الهواء الطلق، الوسيع، الفج ، المبتذل.

ما العمل ؟ ما الذي ستفعله ؟

بدت كأنها تقف وجهاً لوجه أمام الفراغ المطلق. ما عاد لها غير الآنسة "كيومن" التي شاركتها سرها، وتقريباً في عاطفتها نحو أبيها. لقد أحست الأميرة في الحقيقة أن محبتها لأبيها المجنون قد انتقلت والى حد بعيد وبطريقة غريبة الى"شارلوت كيومن" خلال الأعوام الأخيرة.

صارت الآنسة كيومن الآن الإناء الذي ضم تلك العاطفة نحو الرجل الراحل، أما هي، الأميرة، فقد كانت إناءً خاوياً. إناءً خاوياً في مستودع الدنيا الكبير.

ما العمل ؟[9] ما الذي ستفعل ؟

أحست أنها طالما لا تقدر أن تتبخر كما يتبخر الكحول من قارورة مفتوحة فإن عليها أن تفعل شيئاً. لم تشعر طوال حياتها الماضية بوطأة المسؤولية ولم تشعر أبداً أن عليها أن تفعل شيئاً بعينه. كان ذلك متروكاً للعامة من الناس. أما وقد مات والدها فقد وجدت نفسها واقفة على حافة هذا الحشد من العامة، تقاسمهم لزوم "عمل" شيء ما. كان أمراً مهيناً بعض الشيء وقد شعرت الآن بأنها تتبذل. وفي الوقت نفسه فإنها وجدت نفسها تنظر الى الرجال بعينٍ أكثر دهاء؛ عين من تروم الزواج. ليس لأنها أحست بأي ولعٍ مفاجئ بالرجال، أو انجذاب اليهم. كلا، لم تزل في الأساس غير مهتمة بهم ولا منجذبة نحوهم، لكن "الزواج"، ذلك المفهوم المجرد المبهم فرض عليها نوعاً من السلطان. وقد آمنت بأن الزواج كفكرة مجردة مطلقة كان الشيء الذي يجب أن تقدم عليه، لقد أدركت كل الحقائق، لكن الرجل تراءى شيئاً من ممتلكات عقلها هي، لا كائناً آخر، شيئاً قائماً بذاته.

توفي والدها في الصيف، في الشهر الذي أعقب عيد ميلادها الثامن والثلاثين. وعندما انتهى كل شيء بدا واضحاً ما ينبغي فعله: السفر بالطبع، ومع الآنسة كيومن. فهمت المرأتان إحداهن الأخرى بشكل عميق، لكنهما ظلتا على الدوام في نظر إحداهن للأخرى: الآنسة أوركيوهارت والآنسة كيومن. واحتفظتا غريزياً بمسافة معينة فيما بينهما. فالآنسة كيومن، المنحدرة من عائلة فيلادليفية متمسكة بالتقاليد، الذكية رغم قلة أسفارها، والتي تصغر الأميرة بأربع سنوات، أحست بشكل عميق بأنها تلميذة لسيدتها، وكانت تشعر بنوع من التبجيل العاطفي نحو الأميرة التي بدت لناظريها خالدة، سرمدية الشباب. لم يكن في وسعها أن ترى صفوف الأحذية الصغيرة الطريفة الرائعة في خزانة الأميرة دون أن تحس بوخزة في قلبها، وخزة من عطفٍ واحترام يكاد يصل حد الرهبة.

يتبع

__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 01:05 PM   #5 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road

وكانت الآنسة كيومن هي الأخرى طاهرة بريئة، لكن نظرة مندهشة متحيرة كانت تطل من عينيها. كانت ذات بشرة شاحبة صافية ورغم أن وجهها متناسق القسمات فإن نوعاً من الإنشداه يظهر على تعابيره، في حين تتمتع الأميرة بلمسة فريدة من جلال عصر النهضة. كان صوت الآنسة كيومن خافتاً يصل حد الهمس، وهو التأثير الحتمي لطول بقائها في غرفة السيد. غير أنه كان خفوتاً أجشاً.

لم ترغب الأميرة بالسفر الى أوربا. بل بدا الغرب وجهتها المقصودة. والآن وقد رحل أبوها شعرت أن عليها أن ترحل غرباً.. دائماً نحو الغرب، مقتفية بلا شك الطريق الامبراطوري الذي ينقطع فجأة على مسافة قليلة من الساحل الباسفيكي الذي يعج بحشود السابحين المترفين. لا ، ليس الساحل الباسفيكي. لقد فضلت التوقف قبل ذاك. فالجنوب الغربي أقل ابتذالاً. ولهذا قررت الذهاب الى نيومكسيكو.

وصلت هي والآنسة كيومن الى مزرعة "سيراجورد" قرب نهاية، آب عندما كانت الجموع تقفل راجعة الى الشرق. تقع المزرعة على ضفة نهر يخترق منطقة صحراوية تبعد أربعة أميال تقريباً عن أقدام الجبال، وميلا واحدا عن قرية هندية تدعى "سان كريستوبال". كانت مزرعة للأغنياء؛ فقد دفعت الأميرة مقابل إقامتها والآنسة كيومن ثلاثين دولاراً في اليوم، لكنها حصلت بالمقابل على كوخ صغير خاص داخل بستان لأشجار التفاح مع طباخ ممتاز، رغم أنها والآنسة كيومن كانتا تتناولان طعامهما في الأمسيات في قاعة الضيوف الكبيرة. ذلك لأن الأميرة لما تزل تعلل نفسها بفكرة الزواج.

كان ضيوف المزرعة من مختلف الأصناف، عدا الفقراء. وكانوا جميعا أغنياء من الناحية العملية وكان العديد منهم يتصف بالرومانسية. البعض منهم جذاب للغاية، بعضهم أناس عاديون، بعضهم من أهل السينما، ظرفاء جداً ولا يفتقرون الى الجاذبية رغم عاميتهم، والعديد منهم من اليهود. لم تعن الأميرة باليهود رغم أن الحديث معهم كان في العادة أكثر امتاعاً.

وهكذا فقد تحدثت كثيراً مع اليهود، مارست الرسم مع الفنانين، امتطت الخيل مع شباب جامعيين، وأمضت على العموم وقتاً طيباً. بيد أن إحساساً لازمها كإحساس سمكة خارج الماء أو طير في غابة غريبة. وظل "الزواج" فكرة مجردة تماماً، لا تقترن بأي واحد من أولئك الشبان، ولا حتى الظرفاء منهم.

كانت الأميرة تبدو في الخامسة والعشرين. فنضارة فمها، والبراءة الهادئة الرقيقة التي ترتسم على وجهها لا تعطيها يوماً واحدا أكثر. لم يفسد الأمر غير النظرة المقتضبة الفظة التي في عينيها. وعندما كانت "ترغم" على كتابة عمرها كانت تخط "ثمانية وعشرين" راسمة الرقم "اثنين" بشكل سيئ حتى لا يتبين "ثلاثة" واضحة.

لمح لها البعض بالزواج، وعلى وجه الخصوص فتيان جامعيون أشاروا الى الأمر من بعيد. لكنهم جميعاً سقطوا أمام نظرة الاستخفاف الساخرة التي يرونها في عينيها. فالأمر يبدو لها على قدر من منافاة العقل، والسخف، وقليل من الوقاحة من جانبهم.

الرجل الوحيد الذي أسر اهتمامها كان واحداً من المرشدين، رجلاً يدعى "روميرو" : "دومنغو روميرو". كان هو نفسه من باع المزرعة الى آل "ويليكون" قبل عشرة أعوام مقابل ألفي دولار. وسافر زمنا ثم ظهر ثانية في المكان. كان ابناً لروميرو العجوز، آخر أفراد العائلة الأسبانية التي ملكت في الماضي أميالاً من الأراضي حول "سان كريستوبال". لكن قدوم الرجل الأبيض، وضياع القطعان الكبيرة من الماشية، والكسل القاتل الذي غلب على الرجال في هذه الأرض الجرداء المحاذية للجبال قضى في النهاية على عائلة روميرو، وكان آخر الأحفاد مجرد فلاحين مكسيكيين. أنفق دومينغو، الوريث، دولاراته الألفين وعاد ليعمل عند البيض، وكان عندها يناهز الثلاثين، رجلاً طويلاً، صامتاً، بفم متجهم مقفل، وعينين سوداوين تطالعانك بشيء من كآبة.

كان يبدو من الخلف وسيما، ذا جسم قوي سوي، وقذالٍ حسن شديد الاسمرار، ومليئاً بالحيوية. غير أن وجهه الأسمر كان طويلاً ثقيل القسمات ويكاد يكون شرير الملامح بسبب ذلك الخلو الغريب من التعبير الذي يميز مكسيكيي منطقته. إنهم أقوياء ويبدون أصحاءً، لكن بنية أجسادهم وطبيعتهم تبدوان جامدتين، كما لو أنه ما من مكان، ما من مكان على الإطلاق لتندفع نحوه طاقاتهم. أما وجوههم التي انحدرت نحو ضربٍ من التثاقل الأشوه فقد بدت كأنها لا تملك مبرراً للحياة[10]. وكأن كل واحد من الرجال الفرادى، والسلالة كلها، لا يملكون مبرراً للعيش. إنهم ينتظرون: أما الموت وأما أن توقظهم الرغبة والأمل. أنك لترى في بعض العيون السود تلك النظرات التي تميز التائبين، وذلك الغموض السري الكئيب الشنيع الذي توحي به صورة الجمجمة والعظام المتقاطعة. لقد وجدوا معنى للحياة في تعذيب النفس، وفي تقديس الموت. ولأنهم لم يتمكنوا من انتزاع مغزى ايجابي لأنفسهم في هذا المشهد الذي وجدوا أنفسهم يولدون فيه، المشهد الهائل، الجميل الحقود في آنٍ معاً، تراهم يستديرون نحو أنفسهم ويعبدون الموت من خلال تعذيب الذات. وها هو الحزن الغامض الناتج عن ذلك يتجلى في عيونهم.

غير أن العيون الداكنة للمكسيكي، ثقيلة في الغالب ونصف حية، عدوانية أحياناً ورقيقة أحيانا أخرى، وكثيراً ما كساها ذلك البريق الهندي القاتل وتلكم الغشاوة الهندية القاتلة.

ربما كان دومينغو روميرو الصورة المثالية للمكسيكي، بوجهه النموذجي الثقيل الطويل الحليق، وفمه الذي يكاد يكون كئيباً حد التوحش: كانت عيونه سوداء ذات مرأى هندي. وهناك، في منتصف اليأس الذي يغشاها سوف ترى شرارة من الاعتداد والثقة بالنفس.. شرارة وحسب وسط هذا الظلام اليائس الذي لا يريم. غير أن هذه الشرارة إنما هي التي تميزه عن سائر الرجال. إنها تضفي على محياه نوعاً من رهافة الحس اليقظى، وقدراً من الجمال. كان يرتدي ثياباً أنيقة خفيفة وقبعة سوداء بقمة خفيضة بدلاً من غطاء الرأس الثقيل الذي يضعه المكسيكي العادي. كان صموتاً، منطوياً، يكاد لا يظهر في المشهد، ولهذا صار مرشداً ممتازاً يتمتع بذلك الذكاء اليقظان السريع الذي يتنبأ بالصعاب قبل نزولها. وكان يجيد الطبخ أيضاَ، فيروح ينحني على نار المخيم، محركاً يديه الضامرتين الرشيقتين السمراوين. العيب الوحيد الذي فيه هو إنه صعب المعاشرة؛ ولم يكن محدثاً لبقاً أو أليفاً.

-"أوه ، لا ترسل معنا روميرو" كان اليهود يقولون "أنت لا تقدر أن تحصل منه على أية استجابة".

كان السياح يجيئون ويذهبون، لكنهم لم ينظروا الى أعماقه إلا فيما ندر. لم يرَ أحد منهم على الإطلاق تلك الشرارة التي تتوسط عينيه، لم يكونوا أحياء بما يكفي كي يروها. لكن الأميرة لامستها ذات يوم، عندما اصطحبته دليلاً. كانت تصطاد السلمون في مجرى الوادي فيما انشغلت الآنسة كيومن بمطالعة كتاب ما، وقد أوثقت الجياد تحت الأشجار. كان روميرو يحاول تثبيت طعم مناسب الى سنارة الأميرة. وضع الطعم في السنارة وناولها إياها ناظراً في وجهها. في تلك اللحظة لمحت تلكم الشرارة في عينيه وأدركت على الفور أنه كان رجلاً حقيقياً وبأن شيطانه –كما كان والدها سيقول- كان شيطاناً ممتازاً. وتغير على الفور سلوكها نحوه.

كان قد أوقفها فوق صخرةٍ تطل على بركة ماء هادئة، أمام صف من أشجار الحور القطني[11]. كان الوقت أوائل أيلول وقد أصبح الماء يبرد بالفعل، لكن أوراق الحور لما تزل خضراً. وقفت الأميرة فوق الصخرة: امرأة ضئيلة لكن حسناء، في بلوزة ناعمة ضيقة رمادية وسروال للركوب حسن التفصيل رمادي اللون أيضاً، وحذاء طويل أسود، فيما يكافح شعرها البني المنثور مندفعاً من تحت قبعتها اللبادية الرمادية الصغيرة. امرأة ؟ ليس بالضبط. طفلة مستبدلة من نوع ما، انتصبت في لوحة تخطيطية فوق صخرة ناتئة في مجرى وادٍ ثائرٍ بري.

كانت تجيد استعمال السنارة، فقد جعل منها أبوها صائدة ماهرة. وكان روميرو بقميصه الأسود وسرواله العريض الأسود الذي حشر نهايتيه في حذاء ركوبٍ واسع أسود هو الآخر، يصطاد أسفل منها على مقربة وقد وضع قبعته فوق صخرة من خلفه وانحنى برأسه الأسود الى الأمام قليلاً وهو يراقب الماء. لقد اصطاد ثلاث أسماك وكان من وقت لآخر يلقي نظرة أعلى الجدول نحو الأميرة الواقفة هناك بكل عذوبة. رأى أنها لم تصطد شيئاً بعد فأسرع بوضع سنارته جانباً في هدوء وتقدم نحوها. تفحص بعينيه الذكيتين سنارتها، وتفحص موضع وقوفها ثم أقترح بلطفٍ بعض التغييرات واضعاً يديه السمراوين الحساستين قبالتها. ثم تنحى في هدوء ووقف متكئاً على إحدى الأشجار وشرع بمراقبتها. كان يمد لها يد العون من بعيد. أدركت هي ذلك، وارتعشت، وفي خلال لحظة علقت سنارتها بشيء، وفي دقيقتين كانت قد اصطادت سمكة جيدة.

تطلعت اليه سريعاً وقد التمعت عيناها، وتضرج خداها. وعندما التقت عيناهما ارتسمت على وجهه ابتسامة محيية، مفاجئة للغاية، وذات جمالٍ غريب. أدركت أنه يساعدها، وأحست في وجوده بأنها في كنف حنان رجولي ماكر لم تألفه من قبل، فتورد خداها واكفهرت عيناها الزرقاوين. وصارت من بعد تبحث عنه وتتطلع على الدوام اليه، والى ذلك الخيط الغامض من العطف الرجولي الذي كان قادراً على منحه إياها، كأنه يخرج من صدره، من أعماق قلبه.. وكان هذا شيئاً لم تألفه من قبل.

ونمت بينهما مودة مبهمة غير معلنة. أحبت صوته، أحبت مظهره وحضوره. كانت الإسبانية لغته "الطبيعية" وكان يتكلم الإنجليزية كأنها لغة أجنبية، بطيئة الى حدٍ ما، ينتابها شيء من التردد، ولكن في جهارةٍ حزينةٍ وكئيبة تخلفت عن لغته الإسبانية[12]. كان في منظره نوع من الاتزان الحاذق: لحيته حليقة على الدوام، وشعره الخشن الطويل قليلاً من الأمام مهندم بعناية من الخلف. ومنحه قميصه الأسود الناعم المصنوع من الكشمير، وحزامه الجلدي العريض وسرواله الأسود الفضفاض الحسن التفصيل الذي ينتهي داخل جزمة رعاة البقر العريضة الموشاة.. منحه كل ذلك قدراً من أناقةٍ لا تخبو. لم يكن يضع على حذائه ابزيماً أو حلقات فضية. كانت أحذيته موشاة فقط في أعلاها بتلبيسة من جلدٍ أبيض. كان يبدو رشيقاً، أهيف القد، ورغم ذلك بالغ القوة.

في الوقت نفسه كان يمنحها بشكل مبهم إحساسا بأن الموت منه غير بعيد. ربما كان هو الآخر نصف عاشقٍ للموت. ومهما كان الأمر فإن إحساسها ذاك صيره شخصا "محتملا" بالنسبة اليها.

لقد جعل منها صغر جسمها فارسة ممتازة. سلموها في المزرعة فرساً كميتا ذات لون محبب وبنية متينة ورقبة عريضة قوية وظهر أجوف فكانت فرساً لا يشق لها غبار. كانت تدعى "تانسي" وكان عيبها الوحيد هو العيب المعتاد في الأفراس : المزاج الهستيري. وهكذا أخذت الأميرة تنطلق كل يوم نحو الجبال على صهوات الخيل برفقة الآنسة كيومن وروميرو. وفي إحدى المرات خيما في البرية أياما عديدة مصطحبين صديقين آخرين من الفريق.

يتبع


__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 01:07 PM   #6 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road

-"أعتقد أني أفضل الأمر أكثر حين نكون نحن الثلاثة لوحدنا" قالت الأميرة لروميرو فمنحها واحدة من ابتساماته تلك، التي تضفي على وجهه شكلاً جديداً. من المدهش أن لا أحد من الرجال البيض كان قادراً على أن يظهر لها ذلك العطف وتلك الرقة، تلك القدرة على العون الصامت من البعد: سواء عندما تخفق في الصيد، أو عندما ترهقها فرسها أو تصاب تانسي فجأة بالرعب. وكأن روميرو كان قادراً على أن يرسل لها "من القلب" شعاعاً خفياً من العون والمؤازرة. لم تعرف شيئاً كهذا من قبل، وكان ذلك يجعلها ترتجف ارتجافاً. ثم تلك الابتسامة التي تجعد فجأة وجهه الأسمر وتكشف عن أسنانه البيض القوية. كانت تجعد وجهه حتى يغدو مثل تصوير زخرفي متوحش. غير أن فيها لهيباً معتماً من العطف نحوها، وشيئاً يبلغ من الدفء حداً يجعلها تشعر بالزهو بذاتها الأميرية الحقيقية. ثم تلك الومضة الحية، الخفية في عينيه، التي أبصرتها والتي تعرف أنه يعرف أنها أبصرتها. لقد خلقت نوعاً من التفاهم بينهما، تفاهم صامت رقيق. وهنا، في هذا الفهم المتبادل، كان يغدو رقيقاً مثل امرأة.

ورغم ذلك كله فإن حضوره كان يطرد من بالها فكرة الزواج الملازمة لها، ولسبب ما لم تستطع فكرة الزواج منه هو بالذات أن تدخل عقلها الصغير الغريب. ولم يكن ذلك بسبب واضح محدد. فقد كان في شخصه رجلاً مهذباً، وكانت هي تملك من المال ما يكفيهما، فلم تكن هناك معضلة حقيقية، ولا كانت هي بالتقليدية. كلا، الآن أدركت السبب: إن شيطانيهما يصلحان للزواج، ولربما كانا متزوجين فعلاً، لكن ذاتيهما كآنسة تدعى أوركيوهارت وسيد يدعى دومينغو كانا لسبب ما غير متوافقين. إن بينهما ألفة عجيبة وتفاهماً رقيقاً. لكنها لم تدرك قط كيف يمكن أن يؤدي ذلك الى الزواج. ولربما كان بمقدورها وبسهولة أكبر أن تقترن بواحد من أولئك الشبان الظرفاء من هارفرد أو ييل.[13]

ومضى الوقت، تركته يمضي. وجاءت أيام أيلول الأخيرة، واصفرت أشجار الحور الرجراج [14] فوق الجبال، وأخذت شجيرات السنديان تميل الى الاحمرار.، لكن أشجار الحور القطني في الوادي وحول الجدول لما تتغير بعد.

-"متى ترحلين؟" سألها روميرو مثبتاً فيها عينيه الداكنتين الصريحتين.

-"في نهاية أكتوبر. لقد وعدت أن أكون في "سانتا بربارا" بحلول نوفمبر."

كان يحاول إخفاء الشرارة التي في عينيه، لكنها رأت التثاقل الكئيب المميز على فمه المتجهم.

كانت قد شكت له مراراً من أنها لم تشاهد حيواناً بريا خلا بعض السناجب العادية أو المخططة وربما قنفذاً أو جرذا برياً ما، لكنها لم تر غزالاً أو دباً أو أسداً.

-"أليس من حيوانات أكبر في هذه الجبال؟" سألت بخيبة أمل.

-"بلى. هنالك بعض الغزلان. لقد رأيت آثارها. ورأيت أيضاً آثاراً لدب"

-"ولكن لماذا لا يستطيع المرء أن يرى الحيوانات نفسها؟" وبدت حزينة مستاءة مثل طفلة.

-"رؤيتها فيه بعض الصعوبة. إنها لن تسمح لك بالاقتراب منها. عليك أن تلبثي ساكنة عند الأماكن التي ترتادها، وإلا فعليك أن تتعقبي آثاراً مسافة طويلة"

-"لن أطيق الرحيل دون أن أراها : دباً أو غزالاً ما"

وغمرت وجهه فجأة ابتسامة متسامحة.

-"حسناً، وماذا تريدين؟ هل تريدين الصعود الى مكان في الجبال وانتظار مجيئها؟"

-"نعم" أجابت ناظرة اليه بدفقة مفاجئة من طيشٍ ساذج. واستعاد وجهه على الفور مسحة الحزن والإحساس بالمسؤولية.

-"حسناً" قال بشيء من التهكم ولمسة من السخرية "عليك أن تجدي منزلاً، فالجو في الليل شديد البرد، وعليك قضاء الليل كله داخل بيت ما"

-"أليس هناك من بيوت في الأعالي؟"

-"بلى. أمتلك هناك كوخاً صغيراً، بناه أحد الباحثين عن الذهب قبل زمن طويل. يمكنك الذهاب الى هناك وقضاء ليلة فيه. لربما ترين شيئاً. ربما!… لست متأكداً. وقد لا يأتي شيء"

-"وما مقدار الفرصة"

-"حسناً. لا أعرف. في آخر مرة كنت فيها هناك رأيت ثلاثة غزلان نزلت تشرب الماء، كما اصطدت راكونين[15]. ولكن قد لا نرى شيئاً هذه المرة"

-"هل هناك ماء في تلك الأنحاء ؟"

-"اجل. هناك بركة مستديرة صغيرة ، تعرفين، تحت أشجار الراتنج [16] تصب فيها مياه الجليد"

-"أهي بعيدة ؟ "

-"نعم. الى حدٍ ما. أترين الى تلك الحافة الناتئة هناك ؟" واستدار صوب الجبال ورفع يده في إيماءة مؤثرة للغاية باتجاه الغرب مشيراً الى البعد "تلك الحافة حيث لا أشجار. صخور فقط" كانت عيناه السوداوان تحدقان في المدى البعيد ووجهه جامداً كأنما يعتصره الألم "تستديرين حول القمة ثم الى الأمام، ثم تهبطين من خلال أشجار الراتنج الى حيث يوجد الكوخ. أبي هو اشترى موضع التنقيب ذلك من منقب أعلن إفلاسه، لكن لم يعثر أحد على أي ذهب أو على أي شيء آخر. لم يذهب أحد الى هناك. هناك موحش جداً!"


يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 01:10 PM   #7 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road

راقبت الأميرة الكتلة الهائلة، الرائعة الجاثمة من جبال روكي. كان الوقت أوائل أكتوبر، وقد بدأت أشجار الحور الرجراج تنزع عنها أوراقها الذهبية. وفي الأعالي كانت أشجار الراتنج والصفصاف تضرب من بعيد الى السمرة، فيما كانت البقع الكبيرة المستوية من أشجار البلوط فوق المرتفعات حمراء بلون الدم.

-"هل أستطيع الصعود الى هناك؟" سألته وقد استدارت اليه والتقت بالشرارة التي في عينيه. كان وجهه مثقلاً بالمسؤولية.

-"نعم. تستطيعين الذهاب. لكن سيكون هناك ثلج على القمة. برد فظيع، ووحدة فظيعة"

-"إني لعازمة على الذهاب" قالت بإصرار.

-"حسناً. تستطيعين الذهاب، ما دمت راغبة بذلك"

لكنها شكّت في أن آل ويليكسون سيدعونها تذهب، على الأقل لوحدها مع روميرو والآنسة كيومنز. غير أن العناد المميز في طبعها، وهو العناد الذي ربما امتزج بالجنون، قد استحوذ عليها. كانت تريد أن تخترق الجبال وتنظر الى قلبها الخفي. كانت تريد أن تنحدر الى ذلك الكوخ تحت أشجار الراتنج قرب البركة الجبلية ذات الماء الأخضر الرقراق. كانت تريد أن ترى حيوانات البر وهي تتحرك هنا وهناك ، في لاوعيها البري.

-"لنخبر آل ويليكسون بأننا نروم التنزه عند وادي "فريجيولس" هكذا قالت له.

كانت الرحلة الى ذلك الوادي أمراً معتاداً ليس فيه مشقة. فلا برد هناك ولا وحشة، وفي إمكانهم أن يبيتوا في منزل خشبي أسموه فندقاً. التفت روميرو اليها سريعاً وأجاب:

-"إن أردتِ قول ذلك. أخبري السيدة ويليكسون بنفسك. أعرف تماماً أنها ستفقد صوابها معي إن أخذتك الى الجبال نحو ذلك المكان. وعلي الذهاب أولاً مع حصانٍ محمل بالأمتعة لآخذ الكثير من الأغطية وبعض الخبز. ربما لن تتحمل الآنسة كيومنز الأمر، ربما لن تستطيع. الرحلة شاقة"

كان يتحدث ويفكر، بتلك الطريقة المكسيكية الثقيلة المفككة.

-"لا تلق بالا " أصبحت الأميرة على حين غرة مصممة ومتصلبة في سطوتها "أريد أن أفعلها. سأرتب الأمور مع السيدة ويليكسون، وستذهب أنت يوم السبت"

هز رأسه ببطء وقال:

-" يجب أن أذهب يوم الأحد مع حصان الأمتعة والبطانيات. لا يمكن قبل الأحد"

-"حسن جداً ، سننطلق إذن يوم الاثنين" قالتها بشيء من الاستياء، فقد كرهت أن يعارضها أحد أدنى معارضة. أدرك أنه إذا ما انطلق بالأمتعة فجر الأحد فلن يعود إلا في وقت متأخر من الليل، لكنه وافق على أن ينطلقوا صباح الاثنين، في السابعة. وتم إخبار الآنسة كيومنز بالتحضير لرحلة فريجيولس. أمضى روميرو يوم الأحد خارجاً ولم يكن قد ظهر عندما أخلدت الأميرة الى النوم. لكنها شاهدته صباح الاثنين عندما كانت ترتدي ثيابها وهو يقود الجياد الثلاثة من الحظيرة. وكانت معنوياتها مرتفعة.

تجمع بعض الجليد عند حافات سواقي الري فقد كان الليل بارداً. وزحفت السناجب نحو دفء الشمس واستلقت بأعين واسعة، قلقة، بكماء، وقد منعها الخدر من الجري. قالت الأميرة:

-"ربما نظل في الخارج يومين أو ثلاثة"

فأجابتها السيدة ويليكسون، المرأة الفتية البارعة من شيكاغو:

-"حسن إذن. لن نبدأ بالقلق عليكم قبل يوم الخميس" وأضافت " على أية حال فإن روميرو سيعتني بكم، إنه جدير بالثقة حقاً"

عندما توجهوا صوب الجبال كانت الشمس قد أشرقت لتوها على الصحراء، فلونت أشجار الخشب الزيتي والقصع[17] بضياء شاحب شحوب الرمال الرمادية، وأنارت السهل الفسيح الذي يحيطهم. والى اليمين التمعت ظلال قرى الهنود الطينية، منبسطة تكاد لا ترى فوق هذا السهل .. تراباً فوق تراب! والى الوراء امتدت المزرعة وحزم من أشجار الحور القطني المزغبة التي اصفرت ذراها تحت السماء الزرقاء الرائعة. كان الخريف ينثر ألوانه في المسافات الشاسعة الى الجنوب الغربي. لكن الثلاثة كانوا يخبّون على الطريق صوب الشمس التي تلألأت كالذهب فوق كتلة الجبال الهائلة وقد شرعت منحدراتها الجانبية تشع باصفرار ملتهبة بضياء آخر تحت الزرقة الباردة للسماء الشاحبة. أما المنحدرات الأمامية فقد كانت في الظل، مغمورة بحمرة أشجار البلوط واللون الذهبي الباهت لأشجار الحور والسواد المزرق للصفصاف والزرقة الرمادية للصخور، فيما كان الوادي طافحاً بزرقةٍ عميقة.

قادوا الجياد فرادى، في رتل يتقدمه روميرو على حصانٍ أدهم، وقد ارتدى هو الآخر ثياباً سوداء راسماً بقعة حالكة مضطربة في ذلك الشحوب الرقيق للمنظر، حيث توشحت حتى أشجار الصنوبر البعيدة بغشاءٍ من شحوبٍ أزرق بدلاً من لونها الأخضر. سار روميرو صامتاً في محاذاة أشجار الخشب الزيتي المزغبة وتلته الأميرة على فرسها الكميت. أما الآنسة كيومنز التي ما كانت تشعر بالارتياح على حصانها فقد سارت في النهاية، في الغبار الشاحب الذي أثاره الباقون، وكان حصانها يعطس أحياناً فتجفل هي.

لكنهم مضوا قدماً في خبب لطيف. لم ينظر روميرو الى ما حوله، كان بمقدوره سماع الحوافر التي تتبعه، وكان هذا كل ما يريد. أما الأميرة فقد شعرت بعجزٍ غريب إزاء هذا الرجل اللامبالي الذي يسير مبتعداً على الدوام. لكنها ظلت فرحة تياهة.

دنوا من التلال السفحية المستديرة الشاحبة، المنقطة ببقعٍ سوداء مستديرة من أشجار الأرز والبنيون[18]. صلصلت الجياد وقعقعت فوق الصخور، وكانوا يصادفون بين الحين والحين واحدة من أشجار الخشب الزيتي الكبيرة الممتلئة وقد أبرزت باقة من أزهار صوفية ناعمة مثل ذهب خالص. وانعطفوا نحو الظلال الزرقاء، ثم صعّدوا في منحدر صخري شديد الميلان. وامتدت الأرض الشاحبة بعيداً الى الأسفل، الى الوراء، ثم هبطوا الى ظلال وادي سان كريستوبال.

كان الجدول يتدفق طافحاً سريعاً. وكانت الجياد تنتزع في مسيرها بين وقت وآخر باقة من العشب. وأخذ الطريق يضيق، ويمتلئ بالصخور التي لفتها الظلال. وساد البرد والعتمة والجياد تتسلق وتتسلق مصعِّدة نحو الأعالي. وتزاحمت جذوع الأشجار حول الجدول الظليل الهادئ الذي يضيق. كانوا في غمرة أشجار الحور التي نمت منتصبة، ناعمة، رشيقة الى علو شاهق، وفوقهم كانت الذرى الذهبية .. كانت الشمس. وبعيداً الى الأسفل، في المكان الذي كانت الجياد تجاهد لتتسلق الصخور وتدور حول جذوع الشجر كانت الظلال الزرقاء لما تزل جنباً الى جنب مع خرير المياه. وكنت تجد بين الفينة والأخرى أطواقاً مدلاة من لحية العجوز[19]،.أو زهرة غرنوق شاحبة[20] محشورة هنا أو هناك، بين الطحالب والصخور، في هذه البقعة العذراء. وها هي القشعريرة تغمر قلب الأميرة من جديد، وهي تبصر أي تشابك لليأس والبِلى يقبع في هذه الغابات البكر.

زحفوا نازلين، وخوضوا وعبروا الجدول، ثم تسلقوا الصخور ومضوا عبر شعاب الجانب الآخر من الجبل


يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 01:13 PM   #8 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
توقف حصان روميرو الأدهم ملقياً نظرةً حيرى على الأشجار الساقطة ثم قفز من فوقها بخفة، وتبعته كميت الأميرة في حذر، لكن جواد الآنسة كيومنز الأشقر هاج وتمنع، فصار لزاما أن يدار به من حول الأشجار. وفي الهدوء الغامر نفسه الذي لا يقطعه إلا وقع حوافر الجياد وصوت تناثر الماء الذي يخوضون فيه شقوا طريقهم نحو الأعالي، يغمرهم الظل المتشابك الكثيف للوادي.

أحياناً وهم يعبرون الجدول كانت الأميرة تلقي نظرة خاطفة على الذرى فإذا بقلبها يحتبس بين أضلاعها؛ فهناك في العلى، بعيداً في السماء، كانت قمم الجبال تلمع في اصفرار مرقش بأشجار تنوب راتنجية سمراء، صافية كأزهار نرجس برية، تواجه هذه الزرقة الفيروزية الشاحبة التي تمتد عالية جليلة فوق الظلال الزرقاء المعتمة التي تسير الأميرة فيها. وعندما يعبرون المنحدرات الأكثر اتساعاً كانت تحاول الإمساك بأغصان البلوط الحمراء كالدم، غير دارية بما ينتابها من أحاسيس.

أصبحوا الآن على ارتفاع كبير، وربما أشرفوا بعض الأحيان فوق الوادي نفسه، في الأخاديد الخفيضة، تحت القمم المنقطة ذات البريق الذهبي، التي شمخت دونهم. وغطّوا من جديد، وعبروا الجدول، وسارت الجياد في حذر شديد فوق ملاءة كثيفة من أغصان الحور الساقطة المهشمة فإذا بهم يتخبطون فجأة بين كتلة من الصخور. وتقدم الأدهم وعبر وهو يهز ذيله أما الأميرة فقد تركت فرسها تختار موضع قدميها فعبرت هي الأخرى تلك الكتلة الصخرية وعندها سمعوا الجلبة المسعورة للأشقر في آخرتهم. وانتبهت الأميرة الى وجه روميرو وهو ينظر حوله في انتباه شيطاني غريب ثم تلفتت هي الأخرى كي ترى الأشقر يعرج في محاذاة الصخور وقد احمرت إحدى ركبتيه الشقراوين الباهتتين من أثر الدماء. وصرخت الآنسة كيومنز:

-"لقد كاد أن يهوي"

ترجل روميرو وأسرع في نزول الممر، وشرع بتفحص الركبة الجريحة، بعد أن هدأ من روع الحصان.

-"هل هو جريح ؟ " صرخت الآنسة كيومنز في قلق وترجلت سريعاً. وصاحت حين رأت الدم يسيل في خيط رفيع من القائمة النحيلة الشقراء:

-"آه ، يا إلهي ! أليس هذا فظيعاً! "

كانت تتحدث بصوت متوجع وهي شاحبة. تفحص روميرو ركبة الحصان، ثم جعله يمشي بضع خطوات، ثم انتصب واقفاً وهز رأسه.

-"ليس بذلك السوء! لم ينكسر شيء! "

وانكب ثانية على الركبة الجريحة ثم رفع بصره الى الأميرة وقال:

-"يمكنه الاستمرار، ليس الأمر بالغ السوء "

ونظرت الأميرة من علٍ الى الوجه الأسمر في صمت، وصاحت الآنسة كيومنز :

-"ماذا ؟ أيستمر في الصعود حتى هناك؟ لِكَم من الساعات؟"

-"خمس تقريبا " أجاب روميرو ببساطة.

-"خمس ساعات! " صاحت الآنسة كيومنز "حصان بركبة عرجاء! وجبل شديد الانحدار! وَيْ ! "

-"نعم. أنه وعر حقاً في الأعلى" قال روميرو دافعاً قبعته الى الوراء ومحدقاً بالركبة النازفة فيما وقف الأشقر في حزنٍ أليم.

-"لكني أظن أنه سيفلح في صعوده" أضاف الرجل.

-"آه " صاحت الآنسة كيومنز وعيونها تكتضان فجأة بدموع حبيسة " لن أفكر بذلك. لن أصعد به الى هناك، ولو أعطوني مال الدنيا "

-"ولم لا تفعلين؟ " سأل روميرو.

-"هذا سيؤلمه "

انحنى روميرو من جديد على ركبة الحصان.

-"ربما يؤلمه قليلاً، لكنه سينجح، ولن تتيبس ساقه"

-"ماذا! أمتطيه خمس ساعات صاعدة هذه الجبال الوعرة! " صاحت الآنسة كيومنز " لا أستطيع. أبداً لا أستطيع. سأقتاده قليلاً وأرى إن كان بمقدوره السير. لكني "لا أستطيع" ركوبه ثانية. لا أستطيع. دعاني أمشي على قدمي"

-" ولكن يا عزيزتي الآنسة كيومنز، إذا قال روميرو أنه سيكون بخير –" قالت الأميرة فقاطعتها الآنسة كيومنز:

-"أنا أعرف أنه يتألم. آه. لا أستطيع أبداً تحمل ذلك"


يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 01:15 PM   #9 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road
ولم يجدِ شيءٌ مع الآنسة كيومنز. فقد كانت فكرة الحيوان الجريح تضعها دائماً في حالة هستيرية.

تقدموا قليلاً سائرين وهم يقودون الأشقر. كان يعرج بشكل سيئ نوعاً ما. وجلست الآنسة كيومنز على صخرة.

-"وَيْ ! إن رؤيته عذاب لا يطاق! إنها لوحشية! "

-"سيتوقف عن العرج بعد قليل إن لم تلقي اليه بالاً " قال روميرو "أنه الآن يتملقك ويبالغ في العرج كي يثير انتباهك"

-"لا أظن أن هناك مجالاً للتملق" أجابت الآنسة كيومنز بمرارة "بإمكانك أن ترى كم يتألم"

-"الأمر لا يؤلم كثيراً" قال روميرو. ولزمت الآنسة كيومنز الصمت في عداء.

كانت ورطة حقيقية. وتوقف الفريق دونما حراك على قارعة الطريق: الأميرة على سرجها، الآنسة كيومنز جالسة على الصخرة، وروميرو الملفوف بالسواد يقف بعيداً قرب الأشقر المتعب.

-"حسناً" قال الرجل أخيراً واختلس نظرة سريعة الى الحصان المنشغل بقضم الأعشاب الجبلية وهو يدوس على الأعنة المدلاة "أظن إذن أن علينا الرجوع"

"لا. أوه، لا!" رن صوت الأميرة التي أعولت بغضب وحزن عظيمين، لكنها سرعان ما كبحت جماح نفسها. ونهضت الآنسة كيومنز في نشاط وقالت في وقار وبرود:

-"دعاني أعد بالأشقر، وامضيا أنتما الإثنان"

استقبلا كلماتها بصمت. وحدقت اليها الأميرة بسخرية تقارب الوحشية.

-"لم يمض علينا غير ساعتين" قالت الآنسة كيومنز "ولا أمانع البتة في قيادته والعودة به. لكني لا أستطيع ركوبه. لا أستطيع امتطاءه بركبته تلك"

واستقبلا كلماتها هذه ايضاً بصمت قاتل، وظل روميرو ساكنا خامدا.

-"حسن إذن" قالت الأميرة "قوديه وارجعي. ستكونين بخير. لن يصيبك سوء على أية حال. أخبريهم أننا واصلنا الرحلة وأننا سنعود غداً أو بعد غد"

كانت تتكلم ببرود ووضوح. ذلك لأنها لم تكن لتطيق أية معارضة.

-"الأفضل أن نعود جميعاً ونأتي في يوم آخر" قال روميرو دون تصميم.

-"لن يكون هناك يوم آخر!" صاحت الأميرة "أنا أريد الاستمرار" ونظرت مباشرة الى عينيه، والتقت بالشرارة التي فيهما.

رفع روميرو كتفيه قليلاً وقال:

-"إن كنت تريدين ذلك. سأمضي معك. لكن يمكن للآنسة كيومنز أن تركب حصاني حتى آخر الوادي فيما أقود الأشقر، ثم أرجع اليك"

ورتبوا الأمر على ذلك. وضعوا سرج الآنسة كيومنز على الحصان الأدهم وأمسك روميرو بعنان الحصان الأشقر وأقفلا راجعين. ومضت الأميرة لوحدها وصعّدت في بطءٍ شديد. كان الغضب المحتدم على الآنسة كيومنز يعميها عن كل ما حولها؛ فاكتفت بأن ترخي زمام فرسها لتسير كما يحلو لها. رافقتها نوبة الغضب الغريبة طوال ساعة تقريباً. وكانت في هذا الوقت قد ارتقت الى علوٍ لا يستهان به. سارت الفرس بعزم طوال الوقت، ثم انكشفا على منحدر عارٍ، ودار الشِعب خلال سيقان الحور الرجراج الهشة. كانت الريح تهب هنا، حيث تعرت بعض الأشجار لتوها، فيما تهز أخريات أقراص أوراقها الخالصة الصفار، الشبيهة بتويجات الأزهار، بينما يبدو المنحدر قبالتها مثل كتلة متماسكة من الصوف تشع باصفرار نرجسي، ناعمة مثل فراء ثعلب ذهبي، صفراء كنرجسات حية في الريح، في شمس الجبال العالية.

توقفت ونظرت الى الوراء. كانت المنحدرات العظيمة القريبة مرقشة بالذهب وبسمرة أشجار الراتنج مثل نسر لم يطرح ريشه. وكان الضوء المنبسط يلمع فوقها. وبعيداً، عبر فسحة الوادي كانت ترى الزرقة الشاحبة للصحراء الشبيهة بسطح بيضة امتد فوقها الصدع المعتم المتغضن الذي شكله وادي ريو كراند. والى البعيد، البعيد انتصبت الجبال الزرق على الأفق مثل صف من الملائكة.

وفكرت في مغامرتها: ها هي الآن تمضي وحيدة مع روميرو. لكنها واثقة تمام الثقة من نفسها، ولم يكن روميرو من الرجال الذين قد يلمسونها ضد إرادتها. كانت هذه فكرتها الأولى. وتملكتها رغبة واحدة ثابتة هي أن تجتاز حافات الجبال وأن تنظر في الهيولى الداخلية لجبال روكي. لقد أرادت الذهاب مع روميرو بالتحديد لأن به شبهاً غريباً بها، ورابطة غريبة تربط بينهما. ولم تكن الآنسة كيومنز على أية حال غير نغمة ناشزة نافرة.

وتقدمت بفرسها. وانتهت أخيراً الى أكناف القمة. ورأت في البعد الانحناء العظيم من الصخور والأشجار الرمادية الميتة حيث ينتهي الجبل قبالة السماء. لكن في المدى القريب كانت أشجار الراتنج الكثيفة السمراء تقف كالأهداب الشائكة، وعند قدميها رقدت أكناف القمة: وادياً منبسطاً صغيراً من العشب اليابس وأشجار الحور الصفر المنتصبة بهدوء والجدول ينساب عبرها في قطرات كالخيط. كان وادياً أو هيكلاً ينصب منه الجدول في رفق نحو الصخور والأشجار السفلى للوادي. ومن حولها سادت رقة ملائكية: العشب اليابس الناعم، غياض من أشجار الحور الرقيقة الجذوع التي تُسقِط رقاقاتها مثل تويجات الزهور. ومثل الزهور كانت أشجار الحور تنتصب في أجمات وتنزع تويجاتها الصفراء المشرقة والجدول الصغير السريع ينساب في نعومة مثل خيطٍ رقيق بين العشب البري الذاوي.

هنا قد يتوقع المرء رؤية غزال أو خشف أو كائن بري ما كما لو كان في جنة صغيرة، وهنا كان عليها أن تنتظر روميرو حيث يتناولان الغداء. حلت سرج حصانها وأسقطته أرضاً في جلبةٍ، وتركت فرسها تتجول في حبلها المرخى الطويل. كم كانت تانسي جميلة بلونها الأسمر الضارب الى الحمرة بين الأوراق الصفر التي ترقد مثل الغشاوة التي تكسو تماثيل البرونز فوق الأرض الذابلة.

أما الأميرة نفسها فقد ارتدت كنزة صوفية ذات زغابات شاحبة ذابلة مثل العشب وسروال ركوب ذا لون برتقالي مصفر نقي. وشعرت بأنها في الصورة تماماً.

أخرجت من جيوب السرج رزمة الغداء ونشرت منديلاً صغيراً وجلست في انتظار روميرو. ثم أشعلت ناراً صغيرة وتناولت بيضة متبلة. ثم ركضت خلف تانسي التي كانت تبتعد عبر الجدول، وجلست أخيراً في الشمس: في السكون الرائق قرب أشجار الحور وانتظرت.


يتبع
__________________

أَنا ... وثمَّةَ حالمونَ مثلي
مازلنا حافلينَ
ومازلنا محتفلينَ
بفيضِ الخلاصِ
الذي يُشبهُ نور اليقينِ
في الأَبدية .
duha is offline   الرد مع إقتباس
قديم 24-11-2007, 01:17 PM   #10 (رابط ثابت)
مشرف
 
الصورة الرمزية لـ duha
 
تاريخ التسجيّل: Jan 2007
المشاركات: 4,949
duha is on a distinguished road

كانت السماء زرقاء. وكان جبلها الصغير ناعماً رقيقاً مثل أرض الأحلام. لكن المنحدرات العظيمة كانت ترتفع من أمامها ومن فوقها، شاهقة، معتمة بخصلات مدببة من أشجار الصفصاف، أو مكتضة بأشجار ميتة تنتصب كأهداب رمادية بين الصخور المتجهمة، أو مبقعة بالأسود والذهبي. إنها الجبال الفاتنة، الوحشية، المتجهمة، الفظة.. في لحظات رقتها.

رأت الأميرة تانسي تنتصب، ثم تشرع بالجري. وخرج من عتمة غابة الراتنج التي عبر الجدول شخصان مثل شبحين على ظهور الخيل. كانا هنديين راكبين يلتفان كالمومياء في بط