عامليهم بأدب ولطف ورفق يا حبيبتي. لكنكِ أنتِ الأميرة، وهم العامة. لا تجعليهم أبداً أنداداً لكِ. إنهم ليسوا كذلك. ستجدينهم على الدوام يفتقرون الى اللمسة الملكية، تلك التي لا يملكها سواك"
وتعلمت الأميرة الدرس باكراً: درسها الأول في الكتمان المطلق وفي استحالة أية علاقة حميمة إلا مع أبيها، ودرسها الثاني في التأدب البسيط ذي مسحة التفضل. ومنذ طفولتها تبلور شيء ما في شخصيتها، شيء جعلها واضحة، صافية كالبلور، ولكن لا سبيل الى النفاذ اليها.
-"يا للطفلة العزيزة!" كانت مضيفاتها يعلقن "كم هي لطيفة! وكم هي عتيقة الطراز! يالها من سيدة، تلك المخلوقة الضئيلة المسكينة"
كانت منتصبة القامة، تفيض حلاوة، صغيرة على الدوام بل وضئيلة الحجم. وعندما تقف الى جانب الرجل الضخم الأنيق المخبول قليلاً الذي هو أبوها كانت تبدو كطفلٍ أبدلته جنيات الحكايات. لم تكن ترتدي غير البسيط من الثياب، زرقاء في الغالب أو رمادية رقيقة، مع ياقة صغيرة من تطريز ميلانو القديم أو من الحرير المشغول بدقة. كانت يداها رقيقتين للغاية، حتى أن صوت البيانو ليبدو حين تعزف عليه كأنه يخرج من آلة "السبياينيت" الصغيرة.[5]
خارج المنزل كانت تفضل، بدلاً من المعطف، ارتداء عباءةٍ فضفاضة وقلنسوة أو نوعاً من القبعات الصغيرة من طراز القرن الثامن عشر. أما بشرتها فكانت نقية صافية كزهرة تفاح. لقد بدت وكأنها خطت لتوها خارجة من لوحة ما. لكن أحداً لم يعرف حتى يوم موتها تلكم اللوحة الغريبة التي حبسها أبوها بين أطرها التي لم تخرج عنها أبداً.
لمرتين اثنتين طالب جدها وجدتها وخالتها "مود" برؤيتها، مرة في روما والأخرى في باريس. وفي كلتا المرتين خرجوا من لقائها مفتونين مبهورين ، مفتخرين وممتعضين. كانت صغيرة رائعة الجمال، طاهرة القلب، ولكن ذكية وواثقة من نفسها ثقة غريبة. وتلكم اللمسة الواثقة من الدماثة المشوبة بالترفع وذلك البرود الداخلي هما بالذات ما أغاض أقرباءها الأمريكيين.
لم تفتن الصغيرة في الحق أحداً مثل جدها. كان مخلوب اللب بها، بل كان بطريقة ما يعشق المخلوقة الصغيرة البريئة. ولقد فاجأته زوجته مراراً بعد تلك اللقاءات وهو ساهم يطيل التفكير في حفيدته ويتحرق الى رؤيتها ثانية، وظل حتى النهاية متعلقاً بأهداب آماله الساذجة في أن تأتي وتعيش معه.
-" شكراً جزيلا يا جدي. إنك طيب للغاية. ولكن كما ترى، أنا وأبي ثنائي قديم جداً، ثنائي ذو نزوات غريبة، نعيش في عالمٍ خاصٍ بنا"
أفسح لها والدها المجال كي ترى العالم، من الخارج. وسمح لها بالقراءة. وفي سني مراهقتها قرأت "زولا" و"موباسان". وبعيون"زولا" و"موباسان" رأت باريس. وبعدها بقليل أخذت تقرأ لـ"تولستوي" و"دوستويفسكي". أربكها الأخير، ولكن بدا أنها تفهم الآخرين بشكلٍ حكيمٍ ولاذع، تماما كما فهمت حكايات "ديكاميرون"[6] التي قرأتها في لغتها الإيطالية القديمة، أو أشعار "نبلنغ"[7].
غريبةً كانت، وخارقة. كانت تفهم الأشياء بشكل حرفي تحت الضياء البارد الذي غابت عنه كل دفقة من نار. لم تكن مخلوقاً بشرياً بكل معنى الكلمة، لم تكن إلا كطفلةٍ أبدلتها الجنيات.
وأكسبها ذلك عداواتٍ غريبة: كان سواق المركبات والعتالون في محطات القطارات، وخصوصاً في روما وباريس يعاملونها حين تكون وحيدة بفظاظة وقسوة على حين غرة. كانوا يطيلون التحديق فيها ببغضٍ عنيف مفاجئ. كانوا يشعرون أن بها لامبالاة غريبة، بسيطة، مجردة. لامبالاة بكل ما يشعرون هم بأهميته. كانت عظيمة الثقة بنفسها. وكانت زهرة صباها خالية من كل عطر.
قد يحدث أن تنظر الى سائقٍ من روما، شهوانيٍ داعر، كما لو تتفرج على زخرفةٍ تصويرية مضحكة، الأمر الذي يدفعها الى الابتسام. كانت تعرف عنه كل شيء عن طريق "زولا".
أما التلطف المشوب بالكبرياء، ذاك التلطف الذي تصدر به أوامرها اليه، كما لو أنها –المخلوق الجميل الرقيق- هي وحدها الحقيقية، وإنه هو –الوحش الغليظ الفظ- لم يكن غير ضربٍ من "كاليبان[8] يتخبط في الوحل على حافة المستنقع المليء بأزهار اللوتس، ذلك التلطف الغريب كان يثير حنق الرجل، ابن البحر المتوسط، الذي يفاخر بفحولته، والذي ما يزال سر الشهوة الجنسية سره الوحيد. فإذا بوجهه يربد ويمتقع، وإذا به يتنمر عليها في وحشية وفظاظة بشعتين، لأنها بالنسبة اليه لا تملك غير اللامبالاة الشبيهة بالكفر والنابعة من عقمها هي.
لقاءات كهذه كانت ترعبها وتجعلها تدرك حاجتها الى دعمٍ خارجي. فقوة روحها لم تكن لتمتد حتى تشمل أولئك العامة الذين يمتلكون كل القوة الجسدية. لقد كانت تدرك الحقد العنيد وراء مهاجمتهم إياها، لكنها لم تفقد الصواب أبداً. كانت تنفحهم بعض المال بهدوء ثم تنزل وتولي الأدبار.
لكنها لحظات خطرة، لذلك تعلمت كيف تتهيأ لها. إنها الأميرة.. إنها جنية الشمال الرقيقة. فكيف عساها أن تفهم براكين الشهوة التي يفجرونها إزاءها في نوبات من الحقد والكراهية؟ ما كانوا أبداً يهاجمون أباها على هذه الشاكلة، وقد أدركت منذ وقت مبكر أن أمها، المرأة النيوإنكلندية الكامنة فيها هي ما كانوا يكرهون. لم يحدث، ولو لدقيقة واحدة، أن رأت بعينين رومانيتين قديمتين، أن رأت نفسها عقيمة، وردة مجدبة ترتدي حلة من تشامخٍ ولامبالاة لا تحتمل. لكن ذلك ما كان السائق الروماني يرى فيها: إنه يتوق الى تحطيم هذا البرعم العقيم. فجمالها اللاجنسي وسطوتها يدفعانه الى حالٍ من ثورةٍ وحشيةٍ.
حين بلغت التاسعة عشرة من العمر مات جدها تاركاً لها ثروةً يعتد بها في أيدٍ أمينة لأوصياء مسؤولين. كان عليهم أن يسلموها المال شريطة أن تقيم ستة أشهر في العام داخل الولايات المتحدة.
-"لماذا يفرضون عليّ الشروط؟" قالت لأبيها "أنا أرفض أن أسجن ستة أشهر في العام في الولايات المتحدة. سوف نخبرهم أن يحتفظوا بالنقود"
-"لنتصف بالحكمة يا أميرتي الصغيرة. لنكن حكيمين. كلا. نحن معدمون تقريباً، ولسناً بمأمنٍ من العدوان. أنا لن أسمح لكائن من كان أن يعتدي عليّ. أنا أمقت ذلك!" واتقدت عيناه إذ قال هذا "يمكن أن أقتل أي رجلٍ أو امرأةٍ إذا أغلظ لي. لكننا منفيان في هذا العالم، نحن بلا حول ولا قوة. وإذا صرنا فقراء بالفعل فإننا سنصبح غاية في الضعف وعندها سأموت. كلا يا أميرتي. لنأخذ نقودهم، وعندها لن يجرؤ أحد على أن يكون فظاً معنا. دعينا نأخذها كما لو إننا نرتدي بذلك ثياباً تقينا من عدوانهم.
هنا بدأت مرحلة جديدة، عندما أخذ الأب وابنته يقضون الأصياف قرب البحيرات الكبرى أو في كاليفورنيا أو في الجنوب الغربي. كان الأب شاعراً من نوع ما وكانت الابنة رسامة نوعا. كتب اشعاراً عن البحيرات وعن غابات الشجر الأحمر العملاق، وانجزت هي رسوماً لطيفة. كان رجلاً قوي البنية ويحب الخروج الى البرية ويحدث أحيانا أن يخرجا سوية أياما بأكملها، يجذفان في قارب صغير وينامان عند نيران المخيمات في العراء. يا للأميرة الرقيقة الصغيرة! لقد كانت باسلة على الدوام.. على الدوام باسلة. يحدث لها أن تمتطي معه ظهور الخيل عبر شعاب الجبال حتى لا تغدو من فرط إعيائها غير ذهن دون جسد يجلس منفرج الساقين على ظهر حصانٍ صغير. بيد أنها لم تستسلم أبداً. وفي الليل كان يلفها ببطانياتها فوق سرير من أماليد صنوبر بلسمية وهي مستلقية ترقب النجوم دون تذمر.. لقد كانت تؤدي دورها في الحياة. كانوا يسألونها والسنون تمضي: وهي تصبح شابة في الخامسة والعشرين، ثم امرأة في الثلاثين، أميرةً رقيقةً عذراء، "تعرف كل شيء" بشكل رزين هادئ مثل امرأة عجوز، باكراً بكل معنى الكلمة .. كانوا يسألونها:
-"ألم تفكري يوماً بما ستفعلين عندما يغادرك أبوك؟"
فكانت تطالع محدثها بذلك التجرد الساحر، البارد، الذي يميزها، وتجيب:
-"لا. لم أفكر بذلك"
كانت تملك بيتاً صغيراً جميلاً في لندن، وبيتاً آخر صغيراً مكتملاً في "كَنِكْتَكِت" وضعت على كل منهما مدبرة أمينة، فلها إن هي شاءت أن تختار بين منزلين. وكان لها العديد من المعارف المشوّقين من أهل الأدب والفن. فماذا تريد فوق ذلك؟
يتبع