[ بكل بساطة ]
صحوت على غير عادة مبكر..!!
وجلست أحزم أمتعتي في حقيبتي الرمادية في آخر يوم لي ـ كعادتي احزمها في آخر يوم في آخر ساعة ـ استعدادا للسفر ثم جلست أشاهد التلفاز قليلا وغفوت وأنا أشاهده
أيقظتني أمي قائلة:
محمد محمد قم تغدى
قلت لها: اتركيني أريد أن أنام قليلا
قالت: قم الآن حتى لا تتأخر, يا ولدي لا تتعبني معك
وبعد نصف ساعة من المحاولات المستميتة قمت متعكر المزاج كالمألوف مني فأكلت ولبست وسلمت عليهم
كما يحدث في كل مره أحس أن سعادتهم غامره وهم دائما كذلك كلما حان موعد رحيلي لا أدري لماذا ؟!!
حملت حقيبتي عالما ألا سيوصلني أحد إلى الموقف
احتضنتني أمي وقبلتني وقالت:
خذ حذرك يا بني واحترس لحقيبتك ولنفسك
دائما تأتي على ذكر الحقيبة قبلي لأسباب أجهلها !
المهم أنني حملت الحقيبة وخرجت أتدحرج من عظم وزنها
ـ كل مره أقول لنفسي هذه المرة سأعود بها فارغة ـ
ولكن المأساة تتكرر كل مرة بنجاح منقطع النظير
مشيت في الشارع ابحث عمن أعرف ومن لا أعرف عله يحمل عني هذه التهمه أو حتى أجد إحدى سيارات الأجرة فلم أجد
غير أني مررت في الطريق على دكان عم محمد سالم
ذلك الرجل الطيب المحب للجميع الذي رسم الدهر على وجهه أعتى علامات الهرم والسن وقد ذهب بنظره وبسواد شعره وأحاله إلى خطين أبيضين على جانبي رأسه كنت أعلم أنه مريض منذ متى كان الناس أصحاء؟
فمن المعروف في محافظتي أن أي رجل عندنا مهما طال به العمر ومها حافظ على صحته أو فرط فيها حتى لو صدمته سيارة فسوف يموت لا محاله بالتهاب الكبد الوبائي!
كل مره أسافر أو أعود أتعمد المرور أمامه كي يناديني لألقي عليه السلام
قال لي: أمسافر أنت يابني ؟
قلت: نعم, ادعي لي يا عمي فأنا أريد النجاح هذه السنة
قال لي: وفقك الله يابني وأبلغك ما تريد تروح وترجع بألف سلامة
وصافحني وطبع قبلتين على خدي
ركبت إلى القاهرة ومنها إلى محطة السكة الحديدية وسافرت إلى إحدى محافظات الوجه القبلي لأستكمل تعليمي الجامعي هناك على أمل العودة لأعيش في النهاية مع أهلي
وهكذا مرت الأيام متتالية متشابهة لاختلاف بينها إلا التاريخ
حتى جاء اليوم الذي اتصلت فيه بأمي وأخبرتني أنها وإخوتي جميعا بخير وأن عم محمد سالم قد مات
هكذا قالتها بكل سهوله
نعم مات الرجل بكل بساطه
صدمت ولم أبدي ردا وودعتها بكلام قليل
رأى صديقي على وجهي أمارات الذهول فقال:
ماذا حدث ؟!
قلت: لا شيء
قال: ولكن وجهك لا يوحي بلا شيء اخبرني بالله عليك فلقد أقلقتني
قلت له: أحد معارفنا توفاه الله
قال لي: وهل يهمك أمره إلى هذا الحد
قلت: نعم كنت أحبه ويحبني كأني أحد أولاده
قال: لا تحزن فكلنا سوف نموت فليرحمه الله
ومر اليوم علي بغير دموع وتوهمت أني قد نسيت
ولكن...
استيقظت في آخر الليل وأنا لا أدري ما سبب الحزن الذي يجثم على صدري ولم أدري إلا وأنا أبكي بحرقه أسكتني أصدقائي فقرأت له الفاتحة ودعوت له بالرحمة وتعجبت.....!!!!!!
لم أكن اعلم أني أحبه لهذه الدرجة !
بيد/
د.محمد رضـا