|
عضو مسجل
تاريخ التسجيّل: Aug 2004
الإقامة: Norway
المشاركات: 187
|
ولكن العرب لم يسمعوا من قَبْل عن مقابر جماعية
الأول من يونيو 2003
ملايين من العرب يضربون كفا بكف, ويرفعون حواجبهم تعبيرا عن دهشة بالغة, ويتحسرون على الأبرياء المدفونين تحت التراب, ويتعجبون من أن هذا الخطأ ( وفقا لتعبير الأستاذ عمرو موسى ) مر عليهم دون أن يلفت انتباههم!
لماذا لم يتصل الرئيس صدام حسين في كل مرة يدفن عدة آلاف من العراقيين ويبلغنا بهذا الخبر حتى نعاتبه؟
أجهزة الاستخبارات العسكرية والمدنية في عالمنا العربي تستطيع أن تعرف ما يدور في الذهن, ويمكنها أن تحاسب المواطن على أحلامه قبل أن ينام بوقت طويل, وتشم رائحة كراهيته للنظام, وتعرف تاريخ حياته منذ مولده وحتى صعود روحه إلى بارئها, وبعض أجهزة استخباراتنا التي تجهل عدد الطائرات الاسرائيلية المرابضة على الحدود, تعرف عدد الحيوانات المنوية التي ربما يخرج منها بعد تسعة أشهر معارض أو مشاغب أو حزبي أو متطرف, لكنها, وفقا لأدبيات الدهشة العربية السارية في كل مكان, لا تعرف أن عراق صدام حسين كان به حوالي مئتي سجن ومعتقل, يقبع في زنزاناتها عشرات الالاف, ولا يمر عام أو اثنان إلا وتتم تصفية عدة آلاف تمهيدا للترحيب بغيرهم.
كان صدام حسين يقتل بدون حساب, وأرسل لمطار القاهرة الدولي جثث خمسة آلاف مصري في نعوش طائرة لم يلاحظها السيد الرئيس, ولم يتم ابلاغه فالعدد ليس كبيرا ولا ينبغي ازعاج فخامته بهذه الصغائر.
وأربعة ملايين عراقي في الغربة بح صوتهم في أركان الأرض الأربعة وهم يقصون من نبأ عشرات المقابر الجماعية التي تحتوي على بقايا رفات نصف مليون مواطن عراقي, ولكن وسائل الاعلام العربية أبلغت المثقفين والمفكرين وأصحاب الضمير الحي بأن كل العراقيين الهاربين من جنة وطنهم السجن يفترون كذبا على الرئيس القائد صدام حسين الذي لم يبلغ بنفسه صحيفة ( القدس العربي) والدكتور محمد المسفر والمعارضة المصرية واتحاد الكتاب التونسيين والقبائل اليمنية ومنتدى الفكر العربي في الأردن وأحمد بن بلا وسعد الدين الشاذلي وأسعد التميمي وأبا عمار وأبا مازن ومنظمة حقوق الانسان والحسن بن طلال وغيرهم أنه قتل نصف مليون عراقي ووزع رفاتهم بالتساوي والعدل على مقابر جماعية حول نهري دجلة والفرات.
والرئيس صدام حسين نسي ابلاغ اخوانه في مجلس التعاون العربي المكون من مصر والأردن واليمن السعيد والعراق أنه لم يذبح أكثر من أربعمئة ألف عراقي في ثورة مارس عام واحد وتسعين, وأن جنوده الأشاوس الذين قبلوا أقدام الجنود الأمريكيين في وقت لاحق, كانوا يلقون بالأطفال الرضع من فوق المساجد, ويلعبون الكرة برؤوس الأطفال أمام أمهاتهم وأشقائهم, وقد رفع الخطأ والنسيان عن أمتنا, فلا ضير في أن نمر على هذا الخطأ ( وفقا أيضا لتعبير الأستاذ عمرو موسى ) .
وفي العام الماضي كان هناك وفد رفيع من قناة ( الجزيرة ) الفضائية لزيارة عاصمة الرشيد, وأعلنت بعدها أن العراق آمن, وأن السلام والسكينة والمحبة تخيم فوق أرض الماجدات وأبطال البوابة الشرقية.
من أين إذن جاءت المقابر الجماعية؟
لقد عرض الفنان عادل إمام مسرحية بودي جارد ولم يشاهد مقبرة واحدة, وكانت هناك الفنانة الشاعرة الرقيقة رغدة, والزميل مصطفى بكري والزميل عبد الباري عطوان وأثرياء من قطر والامارات والبحرين, وشعراء من الأردن, ومناضلون من فلسطين, ورجال أعمال من سوريا, والقوى الوطنية من مصر ولم يشاهد أحد عظاما في الطريق أو رفاتا في فندق الرشيد أو جثثا محروقة بحامض الأسيد في غرف النوم بفندق المنصور مليا!
من قال إذن بأن الرئيس صدام حسين, المختبيء ,كان يقتل أتباعه, ويصفي الالاف في ليلة واحدة, ويلقي على شعبه أحماضا كيماوية فتذوب أجساد بضة وملائكية ورقيقة لأطفال ولدتهم أمهاتهم في الجمهورية السجن؟
صحيح أن كنعان مكية أصدر كتابيه ( جمهورية الخوف ) و ( القسوة والصمت ), وأن مئات من الكتب الوثائقية تغطي مكتبات الوطن والمهجر, وتفضح دراكيولا العصر, لكن من قال بإن العرب يريدون تعرية مساويء قاتليهم وأسيادهم؟ مقابر جماعية في العراق!
لماذا لم تبلغنا وسائل اعلامنا النزيهة والمحايدة, ولم يدر بذهن أي وزير اعلام أو ثقافة أو الاثنين معا أن يستأذن سيده وزعيمه ليبث تقريرا ولو على استحياء عن بعض تجاوزات النظام في العراق لذر الرماد في العيون؟
مقابر جماعية في العراق!
كيف يحدث هذا؟
لابد أن هناك سوء فهم, فالرئيس العراقي كان يتمتع باحترام الزعماء العرب, وتلقى طائرة هدية من أحد أثرياء دولة قطر, والرئيس اليمني أكد للكويتيين قبل الغزو عام تسعين بأن الزعيم العراقي لا يغدر, ولا يحشد قواته على الحدود.
والرئيس حسني مبارك, قائد الطيران المحنك, أكد للكويتيين أيضا أن شائعات حشد قوات عراقية مغرضة, ولم يكلف نفسه عناء القاء نظرة على الجيش العراقي من طائرة هليكوبتر! وعندما كان الأطباء في مستشفيات الجنوب يسيرون فوق جثث الأطفال في طريقهم لغرفة العمليات خلال مذابح صدام حسين ضد أبناء شعبه, كانت وسائل الاعلام العربية تتلقى توجيهات من الزعماء العرب بعدم التعاطف مع الثوار بحجة أنهم شيعة حتى لو كانوا عراقيين!
وحدها الكويت التي فضحت لأكثر من عقد من الزمان سادية الارهاب العفن لطاغية بغداد, ونشرت الصحافة الكويتية آلاف المقالات والوثائق والترجمات والأحاديث عن جحيم جمهورية الرعب, وتدخل الصحف الكويتية بيوت كل المثقفين, ويقرأها القادة العرب قبل أن يطلعوا على صحفهم المحلية المملة والمجاملة والمنافقة, ولكن صمت الحملان يخيم على الجميع, فالواقع يؤكد أن ضرب بيوت الآخرين خطأ لمن كان بيته من زجاج, والمقابر الجماعية موجودة في معظم أقطارنا العربية, ووسائل التعذيب في سجونها ومعتقلاتها تنافس, أحيانا, الطرق الجهنمية لشياطين الموت في حزب البعث العربي الاشتراكي.
في عدد أكتوبر عام 2001 نشرنا في طائر الشمال مقالا مطولا تحت عنوان ( رسالة مفتوحة إلى صدام حسين .. حفار القبور يحكم الجمهورية السجن) وقرأها الالاف, ولكن رد الفعل الايجابي الوحيد وصلنا من الكويت, فهي الدولة التي أخذت على عاتقها مهمة تعرية طاغية بغداد, ومد يد العون للشعب العراقي لكي يتخلص من حفار القبور.
كاذب من يقول بأنه لم يسمع عن المقابر الجماعية. وأفاق من يدعي أنها تلفيقات وحديث إفك. ومجرم من يقسم أنه لا يصدق الافتراءات ضد الرئيس العراقي صدام حسين, ومشترك في حفر القبور كل من يبرر الجريمة النكراء
صدام حسين كان لعنة على العرب يبتهج بها المرضى النفسيون والمخدرون وأصحاب العقول الفاسدة, وكان نموذجا للطاغية الذي لم يكلف نفسه عناء البحث عن عبيد فتبرعت الملايين برفع صوره, وحجز أماكن في الجنة بعد الشهادة من أجل استمرار جمهورية الخوف.
من قال بأنه لم يعرف أو يسمع عن المقابر الجماعية فهو مجرم يستحق محاكمة عادلة.
صدام حسين حفر القبور لأبناء شعبه بأظافرنا ووعينا وعقلنا المستبد وجبننا ونشوتنا في استمرار تعذيب العراقيين أو تصفيتهم أو ابادتهم.
يجب علينا جميعا أن نركع للعراقيين ونطلب منهم الصفح والمغفرة عما ارتكبناه من جرائم .
محمد عبد المجيد
طائر الشمال
أوسلو النرويج
|