ما إن وضع جسده داخل " الأسانسير " حتي أغلق " الأسانسير " أبوابه بشكل أتوماتيكي .
استدار ليجد نفسه في مواجهة نفس في المرآة , كانت إضاءة المصعد مستنسخة من إضاءة
أفلام " السايكودراما " حيث يُكثر البطل دائما من جلد ذاته . تأمل وجهه في المرآة . كان الإرهاق
باديا علي كل ملامح وجهه , لكنه في منطقة ما كان الإرهاق يزيد وجهه جاذبية , الأمر الذي جعله يبتسم لنفسه ابتسامة غامضة تحوي قدرا من الاحترام للشخص القابع في المرآة .
دق جرس الأسانسير يعلن وصله للطابق العاشر , تزايدت ضربات قلبه وهو يغلق خلفه باب الشقة
مستقبلا كل هذا الظلام الدامس .
لأول مرة منذ سنوات طويلة يقرر أن يفتح فمه أثناء
وقوفه أسفل الدُش , ابتلع القليل وأبقي في فمه
رشفة ليتذوقها , صدمته مرارة الكلور , تزايدت
ضربات قلبه وهو يجفف جسده العاري أمام مرآة
الحمام مكتشفا استحالة أن يعود طفلا مرة
أخري .
أشعل سيجارته من البوتاجاز ووضع براد الشاي ,
اقترب من علبة بها كحك العيد , حاول أن يفتحها
برفق وهدوء لكن اللفافة كانت محكمة فاضطر
الي استخدام سيجارته المشتعلة في فك
الخيوط .
التهم واحدة كانت مغطاة بالسكر الأبيض , ثم
حمل كوب الشاي واتجه ناحية التليفزيون المغلق
منذ شهور , مد باطن يده ليمسح طبقة من التراب
تغطي الشاشة , فتحولت الشاشة الي مرآة مقعرة
تزايدت ضربات قلبه وهو يري نفسه في هزة المرأة
عجوزا نحيف الوجه له شارب أبيض من
السكر الناعم .
رن هاتفه المحمول , نظر الي الرقم كثيرا وقرر ألا
يجيب علي الأرقام المجهولة , حاول أن يخمن
المتصل , تجلت أمام عينيه صورا لأشخاص
كثيرين , تزايدت ضربات قلبه وهو يري وجوها فشل
في أن يعرف أسماء أصحابها .
في الراديو كان صوت أم كلثوم به رائحة الشتاء في
شوارع وسط المدينة في الستينيات , أصابته نوبة
حنين مفاجئة لأشياء لا يعرفها .
قرر أن يرفع الصوت علي الرغم من الصداع
المسيطر علي رأسه وينتشر فيها من الخارج إلي
أقصي أعماق الداخل .
ابتلع حبة " البانادول " بما تبقي في كوب الشاي ثم
ألقي عقب سيجارته داخل الكوب . أشعل عود
بخور وأغلق الأنوار وتمدد في فراشه , تزايدت ضربات
قلبه وأم كلثوم تقسم له ( أنت ما بينك وبين الحب
دنيا .. ) .