|
أيام في مصر
بقلم الشيخ الدكتور محمد موسى الشريف
لا أنسى أبداً أنني عندما زرت مصر سنة 1392/1972 ـ وكانت زيارتي الثانية ـ لم أكد أرى فيها امرأة محجبة ، ثم لما زرتها سنة 1402/1982 دهشت للفارق الكبير ، ثم توالت الزيارات إلى هذه السنة فإذا بأكثر نسائها محجبات ـ على هيئات مختلفة من الحجاب فمنه المقبول ومنه المتهاون المردود ـ وهذا من تقادير الله العجيبة وتصاريفه المدهشة .
وهذا يجرني للحديث عن الصحوة الإسلامية التي كانت مصر فيها رائدة ، فقد أتى الله بالصحوة بنيان العلمانيين من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ، وهدم الله كل مخططاتهم ومخططات سائر أعداء الإسلام بهذا النور الذي بزغ شيئاً فشيئاً بعد حرب رمضان سنة 1393/1973، واتسع نطاقه بعد ذلك ليعم بلاد مصر بل أزعم أنه عمّ أكثر بلاد العالم بعد ذلك ، ولهذا دلائل كثيرة وأحداث عزيزة أرجئ الحديث عنها إلى موضع آخر إن شاء الله تعالى ، لكن إنما ذكرت هذا لأدلل على ريادة مصر الإسلامية في هذا الباب وفي غيره كما أوردت في الحلقة السابقة .
ولا بد أن أذكر أن أهل الشر والباطل فيها قد تمكنوا طويلاً وباضوا وفرخوا ، وقعّدوا لضلال وعهر لا عهد للعالم الإسلامي به من قبل لكن هذا حقه أن يطوى فلا يروى ، لأن هذه الحلقات إنما هي لبث الأمل ونفي اليأس وليس لتفصيل أحوال أهل الشر والبأس ، والعزاء أن تلك حقبة آخذة في الزوال منذ أن سقط الهالك عبد الناصر ، وأن شمس القوم أوشكت على الغروب ، وأن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين .
وقد زرت في مصر قوماً من الصالحين العاملين ، الذين هم عُمُدُها على الحقيقة ، وهم أصحاب تلك الطريقة ، طريقة العمل والأمل ، التي لا غنى عنها في زماننا هذا ، وكان على رأس أولئك، وهو فيما أحسبه من خير من هنالك ، أستاذنا وسيدنا الأستاذ الدكتور عبد الستار فتح الله سعيد ، وقد سعدت به زماناً مشرفاً على رسالتي في " الدكتوراه " لما كان مقيماً بمكة المكرمة مدرساً في جامعة أم القرى ، وله عندي أخبار كثيرة سارة جليلة أرجئها إلى موضع آخر ، لكن الذي يحزنني كلما شرفت بزيارته في مصر أو تذكرته أن البلاد لم تعرف قدره ، ولم تضعه في الموضع اللائق به وبخبرته فهو من بقية الأزهر القديم ، الذي يجمع كثير من علمائه بين الدين المتين والعلم الغزير، والصراط القويم ، في دعوتهم الناس وتعليمهم ، وأنه حوى بين جناحيه علماً وخبرة وتجارب كانت مصر في أمس الحاجة إليها لكن نحن في زمن عجيب ، وأخباره كثيرة كما قلت وسأسوقها في مكان آخر إن شاء الله تعالى ، لكني رأيت من عزته ومتانة ديانته، وقوة نفسه ، وشرف خصاله ما أثلج صدري وأراح نفسي ، وهو من القلة الذين إذا رأيتهم ذكرت الله تعالى ، أحسبه كذلك والله حسيبه .
وممن زرت في مصر وسعدت به الأستاذ فاضل سليمان صاحب مؤسسة " الجسور" التي من مهمتها إيصال الإسلام إلى الغرب بطريقة حديثة علمية ، ورأيت في مصر إمام أهل السنة محمد المختار المهدي ، وهذا لقب لكل رئيس للجمعية الشرعية في مصر ، وللجمعية الشرعية قصة جليلة وعمل رائع ، فهي تشرف على أكثر من ثلاثة آلاف مسجد ، ولها مجلة ناطقة بعملها، وأعمالها وجهدها لا يمكن التعريج عليه في عجالة كهذه ، لكني سمعت منه ما سرني وأفرحني ولله الحمد ، وعلمت أن لله رجالاً في الأرض يقيم بهم دينه ، ويعلي بهم رايته ، وينتصر بهم من عدوه وعدوهم .
ومما أحمده لمصر معرض كتابها الكبير ، فهو معرض ضخم يقام كل سنة ، وقد زرته مراراً ، وهو جامع لملايين الكتب ، ومن أهم ما أجمع عليه البائعون للكتب والمراقبون أن الكتاب الإسلامي هو المتصدر للكتب المباعة ، بل ليس بينه وبين الكتب الأخرى أفعل تفضيل ، وهذا من فضل الله تعالى علينا ، وهو من أقوى الأدلة على تمكن الإسلام وثقافته من نفوس المصريين وأن كل محاولات أعداء الإسلام في ذلك البلد الجليل للنيل منه مآلها إلى إخفاق ، واجتماعهم على كيده إلى فراق ، وعلاقتهم به طلاق !! وأنقم من المعرض السماح ببيع الكتب المخالفة لعقيدة الإسلام وقيمه ، وتلك الفوضى الضاربة في أنحائه ـ مما هو شأن الحياة اليومية في كثير من أرجاء مصر ـ وذلك الاختلاط المحرج بين الرجال والنساء في كثير من جنباته .
ولا يليق بمصر ولا بمكانتها الرائدة في التاريخ والواقع المعاصر أن يظل الخمر مسموحاً بيعه في أرضها الطاهرة ، فهي سبة وأي سبة وعار وأي عار ، فهي أم الخبائث فلا يجوز أن تباع في أم الدنيا !!
ولا يليق بمصر ومكانتها أن تبقى فيها أماكن المنكرات قبلة لكل عاهر وداعر ، فأرض عمرو ابن العاص رضي الله عنه وأرض الصالحين تئن من هذا الحمل الثقيل والواقع المرير ، فهل من تغيير؟!
ولا يليق بمصر أن تبقى معتمدة في غذائها على فتات موائد الغرب وفيها نيلها الجاري ، وهو نعمة الباري ، وهو متعة الناظرين ، ونزهة النازلين عليها والمستوطنين ، وقد سلكت الطريق الزراعي على النيل من القاهرة إلى الإسكندرية مراراً فلم أجد إلا نعمة ظاهرة ، وخضرة دائمة، وبقراً وغنماً راتعة ، وحبوباً وثماراً يانعة ، فهل بعد هذه النعمة نعمة ؟! هذا ونيلها يجري في أرضها قرابة ستمائة وألف ميل ، والله حسبهم وهو نعم الوكيل ، فهل يجوز بعد هذا أن يأخذوا من أحد شيئاً ؟! خاصة أن المساعدات الغربية مشفوعة بالذل محاطة بالهوان ، والشروط الذليلة ماثلة في الأذهان .
وقد جلست إلى أساتذة مصريين مهرة في العلوم ، متقنين للتقنية يندبون أوضاع بلادهم ، ويتمنون لو تتاح لهم الفرصة ليرفعوا من شأنها ويعلو من قدرها لكن قد حيل بينهم وبين ذلك ، ولا يمكنني تفصيل ما هنالك ، هذا وعلماء مصر من أطباء وتقنيين ومهندسين وأصحاب العلوم الطبيعية قد غربوا وشرقوا ، ولهم مآثر في بلاد الله ومفاخر .
وأثني على قناة الناس ، فهي ضوء بين ظلام قنوات كثيرة مصرية لا تجلب للبلاد إلا مزيداً من الخراب ، وزيادة في الهوان ، وأكثرها مشبوه ضالّ ، فاسق محتال ، يحتال ليجلب للناس التسلية وهي تسلية مخزية ، لكن قناة الناس على قلة في إمكاناتها أثبتت أن أكثر أهل مصر متعطشون للإعلام الإسلامي ، راغبون فيه كارهون لغيره ، وهذا أيضاً يثبت أن المستقبل للإسلام في تلك الأرض ، وأثبت أيضاً أن أي قناة جادة يمكن أن تنجح بدون نساء وموسيقى .
ومما أحمده لمصر وأعجب منه نزاهة كثير من قضاتها وجلال مواقفهم .
وأيضاً أحمد لمصر بعض الجرائد والمجلات التي أظهرت كلمة الحق وقارعت أهل الباطل فلله الحمد والمنة ، والحديث عن مصر وأهلها لا ينتهي لكن فيما ذكرت كفاية ومقنع ، ولله الحمد والمنة .
منقول
__________________
لا تأسفن لغدر الزمان لطالما***رقصت فوق جثث الاسود كلاب
ولا تحسبن برقصها تعلوا على اسيادها***تبقى الاسود اسود والكلاب كلاب
# # # # # # # #
امة لا تعرف تاريخها لا تحسن صياغة مستقبلها
|