قناة "الناس".. من السلفية إلى التدين الجديد
مصطفى سليمان
القناة أثارت الجدل منذ نشأتها
قبل ثلاث سنوات بدأت قناة "الناس" الفضائية بثها كقناة فنية بالدرجة الأولى، وفتحت أبوابها لجمهور المشاهدين تحت دعوى أنها تتبنى المواهب الشابة سواء تلك المتعلقة بالغناء والتمثيل أو الإنشاد أو تلاوة القرآن، وتوافد على المحطة كثير من الشباب الذي وجد فيها ضالته المنشودة لتحقيق أحلامه نحو نجومية أهل الفن والطرب.
لكن فجأة تشهد قناة "الناس" انقلابا في المضمون والصورة لتصبح قناة دينية بامتياز وأصبحت حاشدة للسلفيين، ومنعت المذيعات من الظهور بدعوى أن صوت المرأة عورة، واتخذت القناة شعارا براقا لجذب المشاهدين: "قناة الناس.. شاشة تأخذك إلى الجنة".
انضم إلى القناة فريق كامل من الشيوخ والدعاة السلفيين الذين لهم حضور قوي وأشهرهم: محمد حسين يعقوب، وأبو إسحاق الحويني، ومحمد حسان.
المشايخ الثلاثة كانوا وراء قيام القناة في بداياتها الأولى باستبعاد الفتيات من العمل كمذيعات واستبدالهن بشباب، وكان لهم الفضل في معرفة الجماهير بالقناة وتدفق الإعلانات عليها وجعلها القناة الأولى في نسبة المشاهدة إسلاميا،
من السلفية إلى "النيولوك الإسلامي
الشيخ محمد حسان
مرة أخرى تشهد القناة انقلابا ثانيا في المنهج، وهو التحول من السلفية إلى "النيولوك الإسلامي" الجديد، ومن رموزه الداعية المعروف "عمرو خالد"،
فقد انسحب السلفيون الثلاثة من قناة "الناس" بسبب اعتراضهم على استضافة مدير القناة عاطف عبد الرشيد للداعية عمرو خالد للحديث عن حملة مكافحة الإدمان التي يقودها تحت شعار: "أوقف المخدرات.. غيّر حياتك"، والتي تدعو لمحاربة الإدمان بالعالم العربي، واعترض السلفيون أيضا على عودة الشيخ أحمد عبده عوض للظهور على شاشة القناة لتقديم البرنامج اليومي "صباح الإيمان" بعد فترة انقطاع قصيرة؛ لميوله الصوفية المرفوضة من جانبهم.
السلفيون الثلاثة أيضا كانت لهم مطالب بتأسيس لجنة شرعية لمراجعة البرامج وتنقيحها بمرجعية سلفية، ولكن عاطف عبد الرشيد مدير القناة نفى هذا الكلام وقال لـ"إسلام أون لاين.نت": "لا أحد يملي علينا سياستنا.. نحن ندير المسألة بالتشاور بين الجميع، وليس هناك ما يسمى بضغوط على الإدارة"، وشدد على أن سياسة القناة المعتمدة "ترحب بكل الكفاءات بغض النظر عن انتماءاتها".
كما رفضت الإدارة الاستجابة لشروط هذا التيار بمنع الشيخ أحمد عبده عوض من تقديم برامجه؛ نظرا لشعبيته الكبيرة والاتصالات الكثيرة التي تلقتها إدارة القناة من مشاهدين يستفسرون عن سر انقطاعه عن تقديم برنامجه.
وجاء قرارهم بالانسحاب بشكل جماعي في محاولة لإحراج القناة ودفع المشاهدين لممارسة ضغوط عليها من أجل إعادتهم، في ضوء تمتعهم بشعبية كبيرة بين المشاهدين.
استضافة عمرو خالد وعودة الداعية أحمد عبده عوض للظهور على شاشتها له عدة دلالات، أهمها: أنه إما أن تكون القناة تعرضت لضغوط وتهديدات بالإغلاق -مثلما حدث مع قناة البركة التي كانت تبث من نفس المجموعة، ويرأسها رجل الأعمال السعودي "منصور الكدسة" بسبب اتجاهها السلفي- ومن ثم محاولة تغيير مضمون القناة لمضمون إسلامي مقبول سياسيا.
عمرو خالد "جوكر" اللحظة
الداعية عمرو خالد
الدلالة الثانية: أن طبيعة رأس المال التي تحكم مشاريع الفضائيات الدينية في الغالب قد حولت المؤشر باتجاه عمرو خالد صاحب الجاذبية الدينية والمشاريع الإسلامية الاستثمارية التي يؤلف أفكارها وتنتجها شركات ومنظمات عالمية وأشهرها "صناع الحياة"، وحملة "أوقف المخدرات".
فبطبيعة الحال عمرو خالد هو "جوكر" اللحظة، ولأن هذه القنوات ومنها "الناس" بنيت في الأساس على خلفية استثمارية كان لابد أن تبحث عن مصادر أخرى للاستثمار، خاصة إذا علمنا أن الذي يحكم عمل القنوات الفضائية الدينية طرفان رئيسيان؛ الأول: هو رأس المال الذي يمتلك القنوات الفنية على غرار قناة اقرأ التابعة لمجموعة "إيه آر تي"، وقناة "الرسالة" التابعة لمجموعة "روتانا" وتتبنى هذه الفئة النموذج المعتدل، وجزء آخر تتحكم فيه السلفية الذي أنتج لنا قنوات شبيهة بقناة الناس، وقناة "الخليجية" بعد تحولها من "الكليبات" العارية إلى السلفية الدينية.
نعود إلى قناة "الناس" محور الحدث الآن، فرغم عمرها الديني القصير فقد شهدت تطورات مختلفة، فبدأت في مرحلتها الأولى التركيز على ما يجذب الجمهور، فقدمت برامج تفسير الأحلام، وأشياء عن الجن والحسد وعرض حفلات الزفاف، وبعض المرشحين في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وكذلك إعلانات طلب الزواج حتى أصبحت دينية بحتة.
واختارت "قناة الناس" شعار "شاشة تأخذك إلى الجنة" حتى تستطيع جذب أكبر عدد من المشاهدين؛ على اعتبار أن الذي ينجح من القنوات الفضائية الكثيرة للغاية في الوقت الحالي هو ما ينصب محتواه على الدين أو ما يثير غرائز الإنسان سواء كان رجلا أو امرأة.
ورغم عمرها القصير مقارنة بقنوات دينية سبقتها إلى الفضاء مثل "اقرأ" وقناة "الرسالة" وباقة قنوات "المجد"، إلا أنها نجحت في جذب عدد كبير من المشاهدين، خاصة في مصر لعدة أسباب كما يقول عاطف عبد الرشيد مدير القناة لـ"إسلام أون لاين.نت": "نسعى لتقديم خدمة مخلصة في المجال الديني والاجتماعي والطبي، بلا تكلف وبلا اصطناع وبشكل بسيط، بالاعتماد على المحتوى الجيد دون الانشغال بالشكل المبهر الذي يستهلك الكثير من الجهد"، وأضاف: "نحن لا نتبنى فكرا بعينه في الدين؛ فالدين الإسلامي فكر واحد".
صالون في بيت عادي
د. عاطف عبدالرشيد
وعن أسباب استضافة عمرو خالد في القناة أكد عبد الرشيد: "لا أجد وجها للاعتراض على الداعية عمرو خالد، ونحن نحاول أن نقدم محتوى جديدا يعتمد على الوعظ البسيط المباشر الذي يستهدف القلوب أولا، والسلوك ثانيا، بخلاف المعتاد في البرامج الدينية التي تعتمد على تقديم الفكر الديني أو الصراعات الدينية المختلفة، ونجحنا في تقديم احتياجات الناس الحقيقية بشكل قريب من عقولهم، فلا يشعر المشاهد أن من يتحدث معه يتحدث من منبر عال"، ويضيف أن "القناة صالون في بيت عادي، أو مصطبة في قرية، نحن نعتمد على الاتصالات والإيجابية من المشاهدين، نمنحهم الوقت لذلك، وبالتالي يصنع الجمهور سياسة القناة".
المصدر
إسلام أون لاين.نت - دعوي - قناة "الناس".. من السلفية إلى التدين الجديد
الخبر¯