|
فضلاً عن كونه موضوع رائع من أخت رائعة ، فهو موضوع شائك و متشابك و متداخل و من الصعب الولوج في بحر مناقشاته بحرية تامة لوجود محاذير كثيرة حول الأفكار اللتي من المفترض طرحها و من ثم مناقشتها
منذ بداية التأريخ الديني و الإنسان يبحث عن ربه و عن إله يستطيع لمسه و مخاطبته وجهاً لوجه فضعف الإنسان أمام قوة القدر و قوة الطبيعة أشعره بحاجته لمن يستطيع قهر كل القوى اللتي عجز الإنسان عن قهرها ، و لم يجد هذا الإنسان في الدين ضالته لأن الدين يلزمه بالكثير في مقابل القليل و يملي عليه حياة صعبة يضطر الإنسان فيها لترويض نفسه و القسوة عليها في مقابل حياة أخروية رغدة لابد أن يؤمن بها دون الشعور المادي و الحقيقي بوجود هذه الحياة ، كما أن بعض المتع و الملذات اللتي ستتحقق في حياته الأخروية لم يجربها في حياته الدنيا مما يجعل البعض يؤمن بها إيمان مطلق و البعض الآخر ينكرها و يتخذها حجة للتمرد على الدين و الخروج عنه
اللادينية تختلف عن الإلحاد كما تقدم في تعريف الإثنين فاللاديني قد يؤمن بوجود إله و قد لا يؤمن و لكنه في النهاية لا يؤمن بالأنبياء و لا الكتب السماوية و يعتبر أن الأنبياء مجرد مرتزقة إستغلوا ظروف إجتماعية معينة لفرض رؤاهم و وجهات نظرهم على المجتمع المحيط و لنوال سلطة عامة على مجتمعاتهم
و في الغالب فإن الإلحاد إتجاه فكري حديث لأن التأريخ الديني للأقوام السابقة يقر بأنهم كانوا يتوسلون بالأصنام تقرباً لله و منهم من كان يعبد أشياء أخرى بإعتبارها الخالق لهذا الكون ، إذن فالإلحاد بمفهومه الحالي و هو الإنكار المطلق لوجود إله لم يأت ذكره في التأريخ الديني
يحمل الإلحاد و كذلك اللادينية بريقاً خاصاً بعد الإقتناع بأحدهما فأي إتجاه منهما يحل معتنقه من إلتزامات ثقيلة مادية و معنوية فيتحلل من العبادات اللتي تفرض عليه واجبات ثقيلة و يتحلل من ضميره اللذي كان يحثه على إحترام وجود إله و يجبره على الخشية منه ، فالإلحاد و اللادينية لا يعدا مواكبة لتطور الوجدان الإنساني و الإتجاه نحو وضع شريعة إنسانية نصوصها مقتبسة من حقوق الإنسان بقدر ما هما تحللاً من إنعكاسات الإلتزام الديني و العقيدي
لذلك فالتسلسل المنطقي لتطور الفكر الإنساني لن يتوقف عند الإرتياح للشريعة الإنسانية و الرضا بعدم وجود إله لأن تلك المذاهب الفكرية نشأت في فترة المراهقة التاريخية للوجدان الإنساني ، تلك الفترة اللتي تلت القمع الثقافي تحت لواء الكنيسة ( عصر التنوير في أوروبا ) ، فالتطور بطبيعته لا يتوقف و التجارب تثبت كل يوم أن الماركسية نظام ظالم و مجحف للغالبية العظمي من الشعوب فهو يعد نظام الـ 5 % كما يقال عنه
و فكرة أن الأديان أفيون الشعوب فكرة صحيحة تماماً و لكن بشروط فعندما تكون تلك الشعوب من الجهل الديني بحيث تتأثر بأي فكر يفرضه عليها فقهائها و تقيم للعواطف الوزن الأكبر و تهمل المنطق الديني و الإنساني الصحيح ستكون تلك الشعوب على أتم الإستعداد للتخدير بإسم الدين و هذا هو واقع الحال الآن للأسف !
و على سبيل المثال تمثل الوجودية الإتجاه المثالي لفكرة الإلحاد فالوجودية هي تيار فلسفي يعلي من قيمة الإنسان ويؤكد على تفرده، وأنه صاحب تفكير و حرية و إرادة و إختيار ولا يحتاج إلى موجه. و هي حركه فلسفيه تقترح بان الانسان كفرد يقوم بتكوين جوهر و معنى لحياته.
الوجودية تدعو لمعرفة حقائق الأشياء دون تواني أو مرجعية لما وراء الطبيعة و لا تعترف بالغيبيبات
و لكن تؤخذ على الوجودية عدة مآخذ منها :
1 - دعوة الوجودية إلى الخمول، ودفعها إلى اليأس.
2 - تقوية الروح الفردية الحالمة، التي تبتعد عن المجتمع ومشاكله الراهنة.
3 - استحالة تحقيق أي انتاج ذي طابع اجتماعي عام.
4 - اكتفاء الوجودية بتصوير مظاهر الحياة الحقيرة:من جبن وفسق وضعف وميوعة، ونسيانها مظاهر الحياة الآملة القوية التي تؤمن بمستقبل عظيم
5 - الوجودية لا تؤمن بالتعاون الاجتماعي.
6 - تنكر الوجودية لفكرة الله، وتنكرها للقيم الالهية، وخلوها من مواقف جدية انسانية في الحياة.
7 - الوجودية أداة للتفسخ الاجتماعي لأنها تحول دون أن يصدر أي من الناس حكماً على تصرفات الآخرين، بحيث يكون كل فرد عالماً قائماً بذاته في مجتمع يحتاج إلى التعاون، والانضواء الجماعي والمسؤولية المشتركة المتبادلة.
تبقى كلمة أخيرة لابد من قولها عدلاً و إنصافاً :
لا يقتنع الإنسان أبداً بقصور قدراته الفكرية و الحسية و نتاج هذا القصور فكرياً فالإنسان يدرك تماماً أن بصره لا يرى إلا لمسافات محددة و لا يرى كل شيء بدءاً من الأطياف المختلفة للضوء و الأشعات بأنواعها و إنتهاءاً بالفيروسات و البكتريا و الخلايا ، كما يدرك الإنسان أيضاً أن سمعه قاصر لا يسمع إلا بين 20 و 20000 هرتز من الموجات الصوتية و لا يسمع ما دون ذلك و لا أعلى من ذلك كما أنه لا يسمع إلا على مسافات محددة و يدرك كذلك أن أذنه لا تستطيع التمييز إلا بين 18 صوت فقط و إذا زاد عدد الأصوات عن ذلك في اللحظة نفسها لن يستطيع التمييز
و على الأمثلة السابقة نقيس كل قدرات الإنسان و قصورها و نخرج بنتيجة أن المنطق الإنساني المتأثر بقصور قدرات الإنسان الحسية منطق قاصر و ينقصه الكثير و لا يمكن لهذا المنطق وضع نفسه في مقارنة مع الخالق تبارك و تعالى و لا يمكنه كذلك محاولة الوصول لله شكلاً أو موضوعاً ، لذلك فإن قصور المنطق الإنساني أنتج كل القصور التاريخي و الفكري في الحياة الدينية للإنسان
و ما قدروا الله حق قدره
آخر تعديل بواسطة Zeus ، 14-05-2008 الساعة 07:08 PM.
|