في الوقت الذي ينتقد فيه العلميون التقليديون الإيمانَ، ويعتبرون ما يخرج عن دائرة العلم التجريبي مجرَّد آراء لا أساس لها من الصحة، ويختزلون العلم فيما وقع تحت المجهر والمخبر... في هذا الوقت بالذات نلاحظ أنَّ العلم تحوَّل إلى معتقَد، واتخذ شكلَ ديانة جديدة، يؤمن بها أصحابها، وينفون كلَّ ما خالفها.
يقول كارل بوبر: "إنَّ العلم إذا اتخذ شكلا يقينيا تحوَّل إلى معتقد"، ذلك أنَّ العلم له صفة النسبية، ويجب أن لا نعتقد صحته صحة مطلقة، غير أنَّ واقع العلم في عصرنا وما قبله أنه أطاح بكل ما يخرج من دائرة التجريب، وراح يؤله العلم التجريبي، ويبني له معابد، ويعدُّ له قساوسة وكهنة...
حاشى بعض الاتجاهات العلمية، وبعض المبادرات التي ترقى إلى مستوى العلم المتواضع، النسبي، فإنها لحسن الحظ موجودة، ولا يعدمها عصرنا.
أما ألكسيس كارل فيقول: "إن العقل الإنساني قادر على حفظ عدد معين فقط من الحقائق، ومن ثم فيبدو أنه لكي تكون معلوماتنا عن الإنسان نافعة، يجب أن تكون غير كاملة"، والذي يدعي المعرفة بالإنسان - وهو جزء بسيط من الوجود، وهو ذات الدارس والمدروس – إما أن يكون سطحي المدارك، أو دجالا، أو صاحب أغراض مخفية؛ أما العالم الحق فيعرف تمام المعرفة أن نسبة ما نعرفه عن الإنسان لا تعدو أن تكون جزءا من آلاف الأجزاء من الحقيقة.
وضمن المنحى اللأدري الذي نافح عنه أدنجتن، ينبهنا إلى نظرية بنيت عليها العلوم الكونية والطبيعية كلية، وهي تقول: "ما لا يمكن إثبات بطلانه، يمكن افتراض صحته"؛ ثم يعلق برتراند راسل بقوله: إذ"ا نحن ضربنا عن هذه النظرية صفحا صعُب علينا أن نرى علم الطبيعية الحديث يقدِّم أيَّ أساس للابتهاج"؛ ذلك أنَّ أغلب ما توصَّل إليه هو من قبيل "ما لا يمكن بطلانه"، أو "ما لم يُتمكَّن بعد من بطلانه"، وليس من قبيل "ما أُثبت صحته"، ومن ثم فهو نوع من "المعتقد"، ولا يملك صفة "التجربة"، ومع ذلك يُجمع العلماء على الأخذ به، وترديده، وتجمع الجماهير على قبوله، وعلى اعتباره حقيقة مطلقة لا سبيل للشك فيها؛ ولو أنَّ أحدا حاول التشكيك فيها، فسيُرمى بالتخلف، وبالرجعية، وبمعاداة العلم... وما إلى ذلك من الصفات المقَوْلبة (stéréotype)، التي لا تمت إلى العلم ولا إلى أخلاق العلم بصلة.
وأهم النتائج التي نصل إليها برفض نظرية "ما لا يمكن إثبات بطلانه، يمكن افتراض صحته"، تتمثل في "تدمير الإيمان بالعلم، الذي لم يزل العقيدة البانية الوحيدة في العصر الحديث، ومصدر كل التغيرات تقريبا، سواء ما كان منها إلى الخير أو إلى الشر" (راسل).
إذن، لا مناص من التسليم بأن الإيمان بالغيب، والإيمان بالوحي، حقائق علمية يقينية، ولا يطلب منهما أن يخضعا للتجربة، لأنَّ ما من شأنه أن يخضع للتجربة في العلوم الطبيعية لم يخضع، فكيف يُطلب مما يفوق عالم المادة الضيق أن يُسجن في حدود التجربة الحسية .القاصرة
فإما أن نكون مؤمنين عالمين أو لا نكون... أمَّا أن نؤمن بالعلم وننكر الدين، فهذا ترجيح بلا مرجِّح، وتعصب مَقيت لا مبرر له أبدا.
ولا يوجد إنسان بلا دين، فإمَّا أن يدين لخالق قوي حكيم، أو يدين لمعلومات سطحية مبتسرة، فهذا هو الاختيار الصعب والحتمي، لكل إنسان يريد أن يرقى إلى مصاف العلماء الحقيقيين، وعلى هذا الأساس نفهم قوله تعالى: "كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء، إنَّ الله عزيز غفور"