استشعرت مما قلتيه استغراب أن يكون إبليس ( مُلحدًا ) أو ( كافرًا ) ..
و أنا أتفهَّم هذا لأن البعض يتصور أن ( الكافر ) و ( الملحد ) هو من يُنكر وجود الرب بالكليَّة ..
و إبليس يعلم يقينًا أن الله سبحانه هو خالقه و خالق الكون كلِّه ..
بل إنه كان عابدًا لله تعالى يومًا من الدَّهر مع الملائكة المُكرَّمين ..
و ذلك لأن المصطلح يُستخدم بمعنى : الكفر بجميع الاديان وإنكار جميع الرسالات...Atheism
و هذا الاصطلاح الشائع هو سبب اللَّبس !!..
و هذا خطأٌ كبيرٌ !!..
صحيحٌ أن أرباب الفلسفة دأبوا على القول بهذا المعنى إلا أنه ليس صحيحًا !!..
فمعنى ( الكفر ) و ( الإلحاد ) من ناحية الأحكام الشرعية أوسع و أكبر من هذا بكثير ..
و اسمحي لي أن أخلع ثوبي الأول و أن أرتدي ثوبًا آخر في هذه المشاركة ..
و هو ثوب النقاش العَقَدي الثَّقيل نوعًا ..
تمهيد ::
جاء في شريط " آدم وحواء" سؤالاً نصُّه : [ يا جماعة إبليس كفر أو ما كفرش ؟] ..
ثم أجاب صاحبُ الشريط بالنصّ : [ لأ ، ما كفرش لأنه قال (( رب فبما أغويتني )) ] ..
أي أن إبليس - على زعم صاحب الشريط - لم يكفر لأنه قال " رب " عن الله سبحانه وتعالى .
و أنه أثبت لله الربوبية و هي الملك و الخلق و الرزق و تدبير الأمر و الإحياء و الإماته ..
و هذا مخالفٌ لقول الله تعالى :
(( وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ))
و هذه الآية تثبت أن إبليس رفض أن يطيع امر الله بناءًا على استكبار نفسه و إبائها فكفر ..
السبب الأول لإلحاد إبليس ::
معنى الإلحاد في اللغة : ( من لحد: الميل عن الطريق المرسوم ) [ معجم لغة الفقهاء - (ج 1 / ص 87) ]
( والرَّجُلُ يَلْتَحِدُ إلى الشَّيْءِ يَلْجَأُ إليه، يُقال ألْحَدَ إليه.
و لَحَدَ بِلِسانِه أي مالَ،
ومنه قَوْلُه عزَّ وجلَّ (( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ )) [ فصِّلت : 40 ] ،
و " يَلْحَدُوْنَ " من لَحَدَ.
و ألْحَدَ في الحَرَمِ إِذا تَرَكَ القَصْدَ فيما أُمِرَ به،
من قَوْلِه عزَّ وجلَّ (( وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ )) [ الحج : 25 ] .
وألْحَدْتُ الرَّجُلَ إِلْحَاداً إِذا أزْرَيْتَ به.
ورَكِيَّةٌ لَحُوْدٌ زَوْرَاءُ مائلةٌ فيها لَحَدٌ أي عَوَجٌ [ المحيط في اللغة - (ج 1 / ص 212) ] .
و قال تعالى عن المشركين يميلون إلى اتهام النبي صلى الله عليه و سلم أنه يتلقى القصص عن راهبٍ من النصارى ثم يؤلف القرآن فقال :
(( وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ )) [ النحل : 103 ]
أي لسان الذي تميلون إلى اتهام محمدٍ فيه غير عربي فكيف يسوق محمد القصص الأعجمية بلسانه العربي المبين .
و ها هو إبليس قد ( لحد ) عن أمر الله المباشر فهو مُلحد و سمَّاه الله سبحانه و تعالى فقال ::
((وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ ))
، فالاستكبار عن أمر الله كفرٌ و إلحاد ..
و هذا غير ( المعصية العادية ) التي تكون بسبب ضعف أو شهوة أو شبهة و عدم فهم ..
السبب الثاني لإلحاد إبليس ::
(1). معنى من معاني الإلحاد :: التكذيب بأسماء الله تعالى و إنكار صفاته سبحانه ( التعطيل ) ..
(( وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ )) [ الأعراف : 180]
يقو ابن تيمية رحمه الله ::
( وهذا كفر صريح وهو أعظم من إلحاد الذين (قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن؟)
ومن إلحاد الذين قيل فيهم (وهم يكفرون بالرحمن)
فإن أولئك كفروا باسمه وصفته مع إقرارهم برب العالمين،
وهؤلاء أقروا بالاسم وجعلوا المسمى مخلوقاً من مخلوقاته ) [جامع الرسائل - (ج 1 / ص 244) ].
و هكذا تجدين علماء العقيدة يُسمُّون من أقر بوجود الرب و أنكر صفة واحدة من صفاته أو اسمًا واحدًا من أسمائه ؛ يسمُّونه ( ملحدًا ) ..
كمن أنكر القدر ..
( إن الله خلق كل شيء وهو على كل شيء قدير ومن جعل شيئاً من الأعمال خارجاً عن قدرته ومشيئته فقد ألحد في أسمائه وآياته بخلاف ما عليه القدرية ) [جامع الرسائل - (ج 1 / ص 307) ].
(2). معنى ثانٍ من معاني الإلحاد :: تفسير صفات الله على غير حقيقتها .
ففي عقيدة الإسلام إذا أخبرنا ربنا بصفة من صفاته آمنَّا بمعناها و أقررنا أن كيفيتها مجهولة و تستعصي على أفهامنا و خيالاتنا ..
فنحن لا ندرك كنه الطاقة و لا أشكال الملائكة و الجن فكيف بنا نتخيل كيفية صفات الواحد القهَّار جلَّ و علا ؟؟!!..
( وَقَوْلُهُ : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ }{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } ، { كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا }{ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } ، { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا } .
قَوْلُهُ : { هَلْ يَنْظُرُونَ } . . )
فِي هَذِهِ الْآيَاتِ إِثْبَاتُ صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَهُ سُبْحَانَهُ ،
وَهُمَا صِفَتَا الْإِتْيَانِ وَالْمَجِيءِ ،
وَالَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ الْإِيمَانُ بِذَلِكَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَالِابْتِعَادُ عَنِ التَّأْوِيلِ الَّذِي هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ إِلْحَادٌ وَتَعْطِيلٌ ) [ شرح العقيدة الواسطية - (ج 1 / ص 116) ] .
فالثابت أن الله سبحانه يأتي و يجيء إلى أرض المحشر - التي يحشر إليها العباد كلهم يوم القيامة - ، و لكن لا نعرف كيف يأتي و لا كيف يجيء سبحانه
(( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير )) [ الشورى : 11 ] ..
(( هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ))
[ الحديد : 3 ]
فمن قال ان الله لا يأتي يوم القيامة إلى أرض المحشر فهو ملحد ، و من قال أن الله يأتي كما يأتي البشر فهو ملحدٌ أيضًا .
ما علاقة النقطة (1) و النقطة (2) بإلحاد إبليس ؟؟!!..
هذا هو الجواب على لسان الجن ::
(( وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا * وَ أَنَّهُ كَانَ
يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا )) [ الجن : 3-4 ]
العلاقة أن إبليس يقول للجن - كما يوسوس في قلوب البشر - على الله الكذب و يصفه سبحانه بما لا يليق و عليه فهو ملحدٌ كافر .
و عليه بمفهوم أوسع ::
أن إبليس ملحدٌ إلحادًا جزئيًا – مجازًا - في ( تنفيذ أوامر الله ) و في ( أسماء الله و صفاته ) ..
و قد سمَّاه الله سبحانه و تعالى أنه ( كافر ) ..
و من أنكر من الدين شيئًا فهو ملحد ..
و الملحد الجزئي – الذي يقر بوجود الرب و ينكر صفة أو اسمًا لله تعالى أو أمرًأ من الدين - في الإسلام حكمه حكم الملحد الكلي – الذي نفي وجود الرب سبحانه و تعالى - ..
و الله تعالى أعلم ..