نكبة الخطة الأمنية والعصابات العباسية تنسي أهل جنين ذكرى النكبة الستين
مرت ستون عاما على نكبة ألمت بهذا الشعب الذي غزل من نسيج الخوف والألم رداء الصبر والثبات .. رغم كل الصعاب والمؤامرات، فما ينقضي عام إلا ويحمل في طياته الكثير من المفاجآت، منها المفجع وقليل يخفي خلفه تبشيرات بالخلاص الأكيد، فكلما بزغ فجر انتصار جديد، تداعى المتخاذلون ممن ينسبون إلى هذا الشعب الأصيل ليضعوا معوقات في الطريق، إما ليشبعوا رغباتهم المبنية على المصالح الشخصية عبر وعود كاذبة بسراب منتظر، ينثر غباره الاحتلال الإسرائيلي، وترسم ملامحه أمريكا بمختطات واستراتيجيات أمنية لا تخدم فيها إلا هذا الاحتلال الهش المسمى بـ(إسرائيل).
فما عاد يتبدل الحال بوجود من زرعوا المحال في طريق العز والفخار، ألا وهو طريق المقاومة والانتصار، تراهم ركعا لأسيادهم، يحنون الرؤوس مطأطئين ذلا لسياساتهم، بل ويتعدى ذلك إلى السير على الطريق والنهج الذي اختطوه لهم، نكبة ما بعدها نكبة!!.
فالنكبة الأولى صانعها عدو وند وخصم، أما الأخيرة فبطلها أخ من ذوي القربى، ارتضى لنفسه الارتماء في أحضان من صنعوا الأولى، فكانت الطامة الكبرى، أن ترى رفيق دربك في المقاومة يطاردك بحثا في أيام عما عجز المحتل عن الوصول إليه في سنوات.
فبالأمس القريب كانت معركة مخيم جنين البطولية خير شاهد ودليل على هشاشة هذا الاحتلال الذي ساء وجهه، بعد أن مرغ أنفه في التراب بضع عشرات من أسود التحدي، حينما ربضوا بأسلحة رشاشة خفيفة على مشارف تجمع سكاني استعصى بفضل صمود أهله ومقاوميه على الاجتياح في حينها، ليرفع بعدها الجنود راياتهم البيضاء معترفين بأنهم دخلوا في مستنقع صعب الخروج منه إلا على نقالات الموتى إن لم يتركوا خلفهم بضع من أجسادهم ضريبة العدوان.
ثم تلتها مجابهات شرسة في عدة ميادين مع هذا المحتل الذي تمت مواجهته بنفس السلاح الخفيف، في زقاق وجنبات طرق البلدات المحاذية لجنين، ولعل من أبرزها اليامون ومركة والسيلة وبرقين وغيرها، وكذلك هذه البلدة الصامدة الصابرة أهلها ألا وهي بلدة قباطية الواقعة جنوب غرب المدينة والمعروف عنها بكثرة تصدي مقاوميها لجيبات وآليات المحتل العسكرية، التي طالما فشلت في توغلاتها جراء تعرض قواتها لنيران أبطال القسام والسرايا والأقصى وأبو علي مصطفى، الذين أدركوا المعادلة جيدا وراوغوا عبر عمليات كر وفر هذا الذي سرق منهم النوم الهنيء وحرمهم من لقاء أهلهم وذويهم بسبب ملاحقته لهم في عرينهم الذي اتخذوه مركزا للانطلاق نحو ما فيه كرامتهم وحريتهم.
إذن ليس عجيبا أن يتخذ المحتل طرقا ووسائل جديدة لإزاحة من يقف في طريق مختطاته وسياساته المبنية على القمع والقهر والاغتصاب لحق الغير، ونظرا لكونه أسطورة ورقية لا يجابه إلا من وراء جدر، كان لا من بديل يؤدي الدور الذي كان سيقوم به، هذا البديل يكون قادرا على الترجل، وإن خسر في ملاحقة المقاومين فلا ضير لأنه وكيل، بل بنظره مرتزقة يسدون مسدهم، ويطيعون أمرهم، بل وفي بعض الأحيان يشاركونهم في مهماتهم التي تتطلب حذرا وضحية تتقدم صفوفهم، وليس أنسب من يكونوا من أبناء هذا الشعب ممن عبدوا الدرهم والدينار، وباعوا الأوطان والديار، وقبلوا بهذه المهمة النكدة تحت تسويغ الوطنية، وبناء الدولة الوهمية، وحفظ الأمن بالرغبة الإسرائيلية.
وهذا فعلا كان مطابقا لما أعلنه أحد قادة عصابات عباس في جنين عندما قال أن للحملة الأمنية 3 عناوين: العنوان الأول استهداف من يحملون السلاح غير الشرعي ويعني بذلك أبطال المقاومة، العنوان الثاني بلدة قباطية أشد البلدات مجابهة للاحتلال الذي يتعرض فيها بشكل شبه يومي لإطلاق النار وكثيرا ما فشل في عمليات دهمه لتلك البلدة، والعنوان الثالث هو مخيم جنين للاجئين مخيم الصمود والملاحم والبطولات الذي كان عصيا على الاجتياح من قبل الاحتلال كما كان موئلا لكل المقاومين ومنطلقا لعملياتهم ومأرزا للقادة العظام أمثال الأسيرين الشيخ المجاهد جمال أبو الهيجا والشيخ بسام السعدي وعرينا للشهداء العظام أمثال قيس عدوان ومحمود طوالبه وأبو جندل ومحمود أو الحلوة وغيرهم.
فأضاف صانعوا القرار في إقطاعية فياض الغير شرعية صفرا إلى الرقم (60) في ذكر النكبة لتصبح نكبة (600) عنصر من العصابات الذين قدموا بهم إلى أرض جنين بعد تدريبهم في أروقة معسكرات الأرض الأردنية بإشراف مباشر من جنرالات أمريكية وإسرائيلية إضافة إلى مدهم بالسلاح والعتاد الكافي لملاحقة المقاومين حيثما وأينما وجدوا في كل من بلدة قباطية العصية على المحتل ومخيم جنين الذي كفّ يد عصابات عباس عن اختطاف أبناء حركة حماس الملاحقين من المحتل وعصابات عباس على حد سواء وهذا ما اعترف به فياض حينما أكد أن تدريب هؤلاء لم يكن لمجابهة المحتل بل كما قال: "لملاحقة حملة السلاح غير الشرعي -في إشارة إلى المقاومين".
وبعد تبشير بهذه العصابات العباسية التي فور تسلمها بلدة قباطية أقامت الحواجز على مداخلها واقتحمت البلدة بأسلوب شبيه بتوغل الاحتلال وبطريقة استفزازية وسعت منذ اللحظة الأولى إلى تنفيذ عمليات اختطاف في صفوف المقاومين الذين بدورهم أمطروا تلك القوة بالرصاص في تعبير منهم عن رفض هذه السياسة التي لا تخدم إلا المحتل، ففتحت تلك القوة نيران رشاشاتها في كل اتجاه وصوب كل مواطن تواجد في المكان وسط البلدة، مما أدى إلى إصابة العديد من المواطنين أحدهم أصيب بشلل نصفي، فثارت في أعقابها ثائرة أهل البلدة الذين عطلوا كل مرافق الحياة وأغلقوا المدارس وأرغموا تلك العصابات على الانسحاب، مما دفع المحتل إلى عرض تقديم المساعدة على وكلائه إذا ما أرادوا إعادة الكرة وملاحقة المقاومين، بل تعدى ذلك إلى قيام الاحتلال باجتياح البلدة من مدخلها الغربي في رد أولي على الخطة الأمنية التي فشلت في بدايتها عن تحقيق أهدافها وفي إشارة منه على عدم الثقة بمن نصّبهم وكلاء عنه في حفظ أمنه.
هذه المواجهة التي جرت بين تلك العصابات العباسية وبعض المقاومين في بلدة قباطيه دفعت الجنرال الأمريكي "دايتون" الذي أشرف بشكل شخصي على تدريب هذه القوة إلى زيارة مفاجئة إلى جنين ملتقيا بقادة عصابات عباس للاطلاع عن كثب على مستجدات الأمور ولوضع خطة إجرائية بديلة تفي بقمع المقاومين في هذه البلدة لتكون منطلقا إلى مخيم جنين والبلدات المجاورة كافة ليقدم الأمن إلى "الإسرائيليين" على طبق من ذهب بأيدي فلسطينية وبصياغة أمريكية، ثم تلتها زيارات مستعجلة من قبل عبد الرزاق اليحيى مسؤول الداخلية في إقطاعية فياض الذي هرع متمعر الوجه بعد حادثة قباطية التي أنذرت كل المتآمرين على المقاومة بأن مصيرهم لن يكون أقل من مصير المحتل، وهذا أيضا ما دفع فياض إلى القيام بزيارة عاجلة للتخفيف من وطأة هذه الأحداث ووقعها على أفراد تلك القوة بعد أن تعرت أهدافها وتبينت النوايا التي حبكت فيها سبب وجود تلك القوة ألا وهو حماية الأمن "الإسرائيلي" فقط.
وهذا ما اعتبره مواطنو جنين بالنكبة التي ما بعدها نكبة، أن يروا أبناء جلدتهم يلاحقون أبناءهم ويستبيحون بيوتهم ويقيمون لهم الحواجز على مداخل بلداتهم وفي طرقهم الرئيسية بعد أن يزيل الاحتلال حواجزه التيارة التي توضع في نفس المكان ثم يقوم جنود تلك القوة التي تلقت التدريب الأمريكي باحتجاز المواطنين وتفتيش سياراتهم والتدقيق في هواياتهم ليصبح حالهم كالفار من رمضاء الاحتلال إلى نار عصابات عباس.
ثم ما يزيد نكبتهم نكبات هو رؤية فلول هذه العصابات وهي تفر مذعورة من أمام جيبات الاحتلال التي تتوغل في الليل والنهار دون سابق إنذار وهي بذلك لا تقيم لعصابات عباس وزنا ولا شأنا ليختبئوا بدورهم في جحور أعدت فقط لتكون سجونا لمن يختطفوا من أبناء حماس ثم من بعدهم أبناء الجهاد الذين شعروا بحم نار هذه العصابات عندما أرادوا اختطاف عددا من كوادرهم في بلدة قباطية ثم امتدت لتطال أحد قادتهم الذي اختطف مؤخرا في جنين بعد أن أمضى سنوات ملاحقا من قبل الاحتلال.
وهكذا أنست ممارسات تلك العصابات العباسية التي قدم بها فياض أهل جنين ذكرى النكبة الستين والتي مرت عليهم مرّ الكرام لما في قلبهم من جرح نكأه اللئام.