|
الـــــــــــدواء
في أحد الأيام شعرت بالآم غريبة لم أشعر بها من قبل وأخذت الآلام تتفاوت ما بين حادة وخفيفة وتزداد في حدتها لدرجة لا تطاق في بعض الأحيان، ولم أخبر أحداً بذلك المرض، وقد أُصبت بالحيرة لما حدث لي، فأخذت الأفكار والوساوس تلوح بعقلي يمنة ويسره .. يا إلهي ..ما الذي أصابني ؟ وهل يوجد لمرضي دواء ؟ ومن الذي سيدلني عليه ؟ ... ترددت في الذهاب للطبيب لعرض نفسي عليه، ولكن مع ازدياد المرض، وعدم تحملي شدته عليّ جاهدت نفسي، وتغلّبت على عواطفي وذهبت إلى طبيب حاذق ماهر متمرس فعرضت نفسي عليه وذكرت له ما أعانيه من الآم لم يسبق أن شعرت بها، وذكرت له بأنها مزيج ما بين أمراض نفسية، وعضوية، وعصبية، فأخذ يسألني أسئلة عديدة ودقيقة لكي يعرف تاريخ إصابتي بالمرض، ليحدد على ضوء النتائج التي سيتوصل إليها، هل هو مرض وراثي أم عرضي ؟ ليصف العلاج المناسب بناء على معرفته نوع المرض.
وبعد الكشف السريري والإطلاع على تاريخ المرض، وبعد أخذ قياس الضغط، ودرجة الحرارة، وبعد إجابتي على الأسئلة العديدة التي طرحها عليّ الطبيب.. نظر إليّ طويلاً دون أن يتحدث بحرف واحد، وأنا في تلك اللحظات العصيبة أنتظر ما سيقوله لي لعلي أجد لديه دواءً لعلتي وشفاءً لسقمي. ولكني رأيت في عينيه علامات الاستغراب والتعجب، وعندما تأخر عن الإجابة أكثر مما يجب بادرته قائلاً: عسى خير إن شاء الله يا دكتور! فقال خير إن شاء الله، وكتب لي وصفة وأعطاني إياها، ولكنه لم يخبرني بنوع المرض، فشكرته وودعته.
وعندما خرجت من العيادة ركبت سيارتي وذهبت مسرعاً إلى أقرب صيدلية لأصرف الدواء لعلي أجد فيه ما ينهي معاناتي، ويشفي آلامي، أو على الأقل يخففها، وعندما مشيت بالسيارة عدة كيلو مترات رأيت عن بعد صيدلية، وعندما وصلتها أوقفت السيارة وترجلت منها مسرعاً ونسيت أن أطفئ محركها من شدة الفرح، حيث كنت أؤمل أن أجد بها العلاج النافع، فدخلت الصيدلية وبادرت الصيدلي بالسلام وأعطيته الوصفة وسألته هل أجد لديكم هذا الدواء الموصوف لي؟ فاطلّع على الوصفة ثم أخذ يعاود النظر فيما بيني وبين الوصفة، وأجابني قائلاً: إن مرضك نادر ليس له علاج .. فقاطعته قبل أن يكمل كلامه وقلت له: إذن .. ما الذي كتبه لي الطبيب في الوصفة التي بين يديك ؟ فقال: الذي كتبه الطبيب في الوصفة إنما هي حلوى عادية كالتي تباع في السوبر ماركت. قلت: إذاً لماذا وصفها لي إذا لم تكن علاجاً بحد ذاتها. قال: كتبها لسببين الأول: لكي لا يُحرج معك في تشخيص المرض لأن ليس له دواء والسبب الآخر: لعلك تنخدع بها وتؤثر فيك من الناحية النفسية (وهذا متعارف عليه لدى الأطباء). عند ذلك بكيت وبكيت وبكيت ولم أتمالك نفسي فسقطت على أرض الصيدلية ولم أفق إلا بعد مساعدة وجهد جهيد من قبل الصيدلي ومعاونه في الصيدلية. وعندما عدت إلى الوعي سألت الصيدلي عما يحدث حولي حيث لم أشعر بشئ فقال لا بأس عليك يا أخي. وكن قوياً وثق بالله تعالى فما أنزل الله من داء إلا وأنزل له الدواء فتمسكت بآخر كلمة نطقها (الدواء)، وتشبثت بها كما يتشبث الذي يوشك على الغرق بالقشة لعلها تنقذه من الغرق فقلت للصيدلي: لا يهمني الآن ما هو الداء ولكن هل أجد الدواء ؟! وما هو الدواء. أسألك بالله أن تخبرني ما هو الدواء. فقال إن الحصول عليه قد يكون فيه شئ من الصعوبة والمعاناة. قلت إنني سأستعذب الصعوبة بل واستحسنها إذا كان هناك دواء. قال إذن عليك أن تذهب إلى صيدلية الرجاء. قلت وما هي صيدلية الرجاء تلك ؟ وأين موقعها ؟. قال: لا أعرف عنوانها أو رقمها هاتفها الآن .. ولكن أمهلني بضعة أيام وسأبحث في أوراقي وفي مكتبي الخاص لعلي أجد عنوانها أو رقم الهاتف الخاص بها وسأخبرك بذلك ــ إن شاء الله ــ عندما أجده. ولكن أعطني رقم هاتفك ليسهل عليّ الاتصال بك وإخبارك أين توجد تلك الصيدلية التي ستصرف لك البلسم الشافي. فقلت: تفضل هذا كرتي الخاص وفيه جميع أرقام هواتفي.
وظللت أعيش أصعب لحظات عمري بانتظار اتصال الصيدلي الذي سيدلني على شفاء روحي وجسدي، فلم أشعر بطعم للنوم، أو للأكل، أو للراحة حيث تساوى عندي التعب والراحة بانتظار المكالمة.. وبعد مضي ثلاثة أيام دق الهاتف فأخذته على عجل وكان المتصل الصيدلي. فسلّم ورددت السلام عليه. فبادرته قبل أن يبادرني: هاه .. هل وجدت عنوان الصيدلية ؟ قال: نعم. قلت: أين: قال: قريبة منك جداً. قلت: وفي أي شارع تقع. قال: إنها لا تقع على شوارع. قلت: أرجوك زودني برقم هاتفها. قال: لا يوجد لها هاتف. قلت: أرجوك ليس هذا وقت الاستهزاء يا أخي. قال أنا لا أستهزئ. قلت: إذن أجبني بصراحة وبسرعة ودون غموض أين هي؟ قال: الصيدلية التي ستجد عندها الدواء هي بين يديك الآن والوصول إليها سهل جداً. قلتي وما هي: قال: هي ( سجادتك وصلاتك ولجؤك إلى الله في دعائك فتلك سهام الليل التي لا تخطئ) (فهذه هي صيدلية الرجاء ).
__________________
{ مــدمــن فــيــمــتــو }
|