|
ابنك يقول أنا حوليا الميت مليون العربية.. ومفيش مكان للأمريكان بين الديار
كِـرهتك من عمايلك
بقلم : كرم جبر
السيد بوش.. رئيس الولايات المتحدة الأمريكية.. كلما زرت المنطقة دار فى عقلى الباطن شريط أغنية شهيرة جداً فى الستينيات، لمطرب مصرى عظيم اسمه «عبدالحليم حافظ».. يعتبره أبناء جيلى الناطق الرسمى باسم المشاعر الوطنية.. يقول فى أغنيته «ابنك يقول أنا حوليا الميت مليون العربية.. ومفيش مكان للأمريكان بين الديار». السيد بوش.. من يقرأ خطابك فى الكنيست الإسرائيلى أول أمس الخميس سوف يقول لك بالفم المليان «كرهتك من عمايلك» لأنه خطاب ملىء بالاستفزاز وتجاهل المشاعر العربية والإسلامية والانحياز السافر لإسرائيل، والترويج لنظريات ومفاهيم دينية تؤدى إلى زيادة الفتن بين الدول والشعوب.
1 الزيارة الأخيرة والرقصة الأخيرة
جئت إلينا من أحشاء النكبة، ومازالت فوق لسانك عبارات ترتل بها للدولة اليهودية التى اغتصبت قلب العرب فى فلسطين.. ودون أن تحمل فى يدك السلام أو حتى عربون السلام.. احتفلت معهم بالنكبة على الطريقة اليهودية، ولم تقدم لنا مراسم العزاء على الطريقة العربية.. ولم يعد للعرب أمل فى فلسطين سوى السلام الدائم والعادل الذى يعيد جزءاً من الحقوق المغتصبة. مهما قدمت من وعود زائفة فلن يتحقق منها شىء، لأنك أضعت سبع سنوات ونصفاً فى عرقلة جهود السلام ووضعتها فى ثلاجة التجميد، فهل تتوقع أن تحقق فى أيامك الأخيرة ما رفضت تحقيقه منذ مجيئك إلى البيت الأبيض.. إنها حلاوة روح تماماً مثل البجعة التى تكون أجمل رقصة فى حياتها هى الرقصة الأخيرة، ولا فرق بينها وبين الزيارة الأخيرة.. كلتاهما يعقبه الرحيل. «لو» بذلت قليلاً من الجهد، كان من الممكن أن نرى قيام الدولة الفلسطينية خلال فترة حكمك.. ولكن إسرائيل تعاملت مع «خارطة الطريق» بأسلوب «قطاع الطريق».. فى حمايتك ورعايتك ودعمك وتأييدك، فتحول حلم الدولة إلى مجرد قطعة قماش مخضبة بدماء الفلسطينيين والإسرائيليين.. قطعة قماش لاتصلح أن تكون علم دولة فلسطين، ولو بعد 120 سنة.
2 واجب العزاء فى فلسطين
السيد بوش.. لم تتحرك مشاعرك أبدا لصور أطفال فلسطين وهم يرضعون الدم بدلا من لبن الأم، وتحولت الكافولة البيضاء فوق أجسادهم الرقيقة إلى أكفان للموت.. هل شاهدت فى حياتك أطفالاً يحصلون على لقب شهداء، دون أن يعرفوا بأى ذنب قتلوا.. أمريكا صارت مشاعرها غليظة تجاه الدماء العربية والأرواح العربية، وكأننا أصبحنا بشراً لايستحقون الأحزان، ويجب إدراجهم على قوائم الاغتيالات والقتل. مشاعرك الصلدة تتمزق من أجل إسرائيل وشعبها وأمنها وسلامها واستقرارها، وكأن الدماء العربية رخيصة ومستباحة والدماء الإسرائيلية مقدسة ومحرمة، نفس سياسة الكيل بمكيالين حتى فى القتل والذبح وإزهاق الأرواح، وكأنك تمسك موازين الحساب فى الدنيا، وتوزع صكوك الثواب والعقاب بمعايير مختلة لاتفرق بين الإرهابى الذى يحترف القتل، والمقاتل الذى يدافع عن أرضه ووطنه. العرب لايريدون أمريكا تجلس بجوارهم فى سرادق عزاء السلام، ولكن ألا تكون أحد أسلحة إزهاق الأرواح، وألا تكافئ القاتل وتهدر حقوق القتيل.. فالدماء العربية أيضا طاهرة ومقدسة وغالية، وتفجر فى نفوس العرب والمسلمين براكين الغضب، وهم يرون أبناء عروبتهم ودينهم يواجهون سياسة الموت الرخيص، تحت مظلة أمريكية تتصور أنك مبعوث الشرعية الدولية، العرب يريدون من أمريكا أن تساعدهم فى استرداد حقوقهم فى فلسطين، وليس أن تأتى إليهم فى سرادقات السلام لتقديم واجب العزاء فى فلسطين.
3 شموع سوداء على «تورتة» من الجثث!
الرئيس بوش.. نعذرك لأنك قبل أن تدرس خريطة البيت الأبيض، وقعت أحداث 11 سبتمبر التى كادت أن تزيل البيت الأبيض من على وجه الأرض.. فقررت أمريكا أن تصنع أعداء كثيرين وتزيلهم من على وجه الأرض، وإذا كانت حكمة الزمن تقول إن كل الجروح تندمل بمرور الوقت، إلا 11 سبتمبر، جرح يتقيح وينزف ويزداد اتساعا كلما مر الوقت، حتى أصبح الجرح مستنقعاً كبيرا للدماء العربية والأمريكية فى العراق، دون أن يعرف أحد كيف يكون الخروج؟ أمريكا لم تحتل العراق، ولكنها أزالت العراق من على وجه الأرض، وأحلت محله ميليشيات دينية مسلحة ترتوى وتعيش على الدم، ولذلك فلن تتوقف الحرب الدينية، إلا إذا ظهر صدام جديد، يفتح السجون والمعتقلات والمقابر الجماعية لمئات الآلاف، ويعيد العراق إلى حظيرة الدولة بالنار والحديد، مثلما فعل صدام الأول، وأبوالحجاج بن يوسف الثقفى، الرءوس التى أينعت هى وقود الاستقرار والأمن. أمريكا تخدع شعوب المنطقة بـ«تورتة الديمقراطية» التى تصنعها فى العراق وتنوى تصديرها لبقية دول وشعوب المنطقة، ولكنها «تورتة» مصنوعة من جثث القتلى وتفوح منها رائحة شواء اللحم الآدمى واحتراق الجلد وسحل العظام.. «تورتة» تزينها الشموع السوداء فى احتفالية اغتصاب «عشتار» آلهة الخصوبة والجنس فى العراق، «عشتار» المصلوبة فوق دبابات المستعمر، تنتظر عودة صدام من جديد، ليحررها، ويلبسها ثوب الفرح، المصنوع أيضا من جلود القتلى وأرواحهم، يعلوه تاج مرصع بالعظام وبقايا الشعر المحترق.
4 هل تكون زيارة التطهر من الخطايا؟
الجملة الوحيدة التى اعتذر عنها الرئيس بوش فى خطاباته الكثيرة، ولكنها مازالت التجسيد الحقيقى لسياساته فى المنطقة، هى أن «أمريكا تقود حربا صليبية جديدة».. مساعدو بوش نصحوه بالاعتذار حتى لايشعل الحرب من جديد بين الشرق والغرب، فاعتذر باللسان، ولكن القلب والفعل يثبتان اقتناعه بما قال، والدليل الدامغ على ذلك ما قاله فى خطاب الكنيست أول أمس. مهما أقسمت الشعوب العربية والإسلامية على أنها ضد التطرف والإرهاب، وأن الإسلام دين السماحة والسلام، فالتصرفات الأمريكية دائما تربط بين الإسلام والإرهاب، ولهذا أخذت الحرب الأمريكية ضد الإرهاب، شكل الحروب الانتقامية من العرب والمسلمين.. ولا يعلم أحد إلا الله فيما تفكر أمريكا فى المواجهة القادمة، وهل تكون إيران أم سوريا أم حزب الله، وهى تضعهم جميعاً فى «قائمة الشر».. وهى قوائم تظل حبيسة فى الأدراج، إلى أن يجيئ وقتها فتخرجها وتحولها إلى خطط للغزو والحرب. أمريكا- فى عهد بوش- لا تتعب نفسها فى البحث عن أوهام الشرعية الدولية، ولا مظلة قرارات مجلس الأمن، ولاتعمل حساباً للرأى العام والعالمى ولا لدول عدم الانحياز ولا القطب الآخر الذى انهار، ولا لأوروبا الصاعدة بقوة، التى اختارت أن يكون ظهورها من الجراج الخلفى للسياسة الأمريكية.. أمريكا لا تعمل حساباً إلا لقوتها. لن يتلاشى شبح المخاطر التى تحيط بالمنطقة التى نعيش فيها إلا إذا تغيرت العقلية الأمريكية التى تربط بين الإسلام والإرهاب، وأن تقدر تضحيات دول وشعوب المنطقة، التى دفعت- أيضاً- ثمناً فادحاً للإرهاب الذى يرتدى عباءة دينية، ولعلها تؤمن الآن بالمقولة النافذة للرئيس مبارك «أن الإرهاب ليس له دين ولا وطن ولا جنسية». هل يدرك بوش ذلك فى رحلته الأخيرة ويتوب عن ذنوبه ويتطهر من خطاياه، ويعترف بأنه جنى على الأبرياء بما فعله السفهاء؟.. سفهاء الإرهاب الذين صنعتهم أمريكا، فكانوا القشة التى كادت أن تقسم ظهر أمريكا.. خطاب الكنيست أول أمس يؤكد أن بوش ماض فى طريقه ولم يستوعب الدرس ولا الحكمة.
5 الديمقراطية على طريقة «أبولمعة والخواجة بيجو»
لا أملك إلا أن أضرب كفاً بكف وأنا أقرأ تصريحات بوش عن الديمقراطية فى مصر، وأنها تتقدم خطوة وتتراجع خطوة.. والله لو كتبت الصحف الأمريكية عن بوش نصف ما تكتبه الصحف الحزبية والخاصة فى مصر عن الرئيس مبارك، لفتح جوانتانامو على مصراعيها لمعارضيه تحت ذريعة مطاردة المتعاطفين مع الإرهاب. بوش يتعامل مع الديمقراطية فى مصر على طريقة أبولمعة وصديقه الخواجة بيجو.. الأخير يقول «تصور عندنا فى مصر 23 حزباً» فيرد الأول «وإحنا عندنا أمريكا يبيعوا الأحزاب فى السوبر ماركت، واللى يشترى اتنين يأخذ الثالث كادوه».. هذا الكلام يعنى أن الديمقراطية التى يريدها بوش هى أن تفتح حنفية الحرية على أشجار الفوضى الخلاقة، فتنتج ثمارا وفاكهة وليموناً.. لأن أراضى الشرق عطشانة للارتواء من ديمقراطية الغرب، التى لا تنبت فى أراضينا إلا الحنظل والأشواك. مهما أقسمت له بأغلظ الأيمان أن كل شعب يستمد ديمقراطيته من ترابه وجذوره وحضارته وثقافته، وأننا لا نختلف معك فى الجوهر، ولكن فى «إجراءات التمصير»، رأسه وألف سيف أن الديمقراطية فى مصر «تتقدم وتتراجع».. رغم أنه من المفترض أن يكون قد استوعب درس العراق التى وعد شعوب المنطقة بأنها ستكون الجنة التى تهب فيها رياح الديمقراطية لسائر دول وشعوب المنطقة، فأصبحت الجنة هى جهنم التى تقذف حمما ونارا وسعيرا. السيد بوش.. «اخلعنا من دماغك».. لأن مصر ليست فى «كى جى تو» فى حضانة الديمقراطية الأمريكية «لغات».. بل لها تراث ديمقراطى عريق محفور على جدران وجه رمسيس الثانى وزوجته الملكة نفرتارى، التى جلست بجواره جنبا إلى جانب على العرش قبل أن يكتشف الأخ كولومبس أمريكا بحوالى أربعة آلاف وتسعمائة تسعة وتسعين سنة.. يا ريت يسمح وقتك بزيارة هذا المعبد فى أبو سمبل، 50 كيلو متراً جنوب توشكى.
6 سعد و«حموم الإنسان» وأصدقاء أمريكا !
المفترض أن علاقات الدول المحترمة ببعضها البعض مثل مصر وأمريكا لا تقوم على الغيظ أو المكيدة أو استخدام أوراق الضغط والكروت المحروقة، وكلما توسعت إدارة الرئيس بوش فى اللعب مع مصر بأشياء مثل سعد الدين إبراهيم وأيمن نور وجمعيات «حموم الإنسان» والمعونات والجماعة المحظورة.. ثم البيانات الجنائزية الحزينة التى تصدر أحيانا عن البيت الأبيض أو عن المتحدث باسم الخارجية الأمريكية.. تنعى الأحوال الديمقراطية فى مصر بأساليب وعبارات غامضة وغير مفهومة. لا أذكر أن رؤساء أمريكيين سابقين قد فعلوا ذلك مع مصر غير بوش، الذى يسير على نهج جونسون فى الستينيات عندما كانت وسائل الإعلام تطلق عليه لقب «راعى البقر» لغلظته وقسوته وانحيازه فى التعامل مع قضايانا.. الله يرحم أيام نيكسون وكارتر وبوش الأب وكلينتون، وأكيد «أوباما» سوف يحاول إصلاح بعض ما أفسده الدهر على يدى بوش. مهما أقسمت بأغلظ الأيمان لبوش بأن مصر لاتتأثر ولاتقبل ضغوطا خارجية وكرامتها الوطنية خط أحمر لاتسمح لأحد بالاقتراب منه، وإن كلمة السر لقلوب المصريين وعقولهم هى الاحترام المتبادل وعدم التدخل فى الشئون الداخلية والابتعاد عن اللعب على مختلف ألوان الطيف السياسى المصرى، وأن المصريين فى لحظة الخطر يصبحون روحا واحدة فى جسد واحد.. مهما أقسمت لبوش على ذلك فهو لايقتنع، وفى كل زيارة يفتح موضوع سعدالدين رغم أنه حر طليق وأيمن نور المحكوم عليه من القضاء المصرى بكل درجاته، وكأن المسألة للغيظ والعناد. لماذا لاتختار أمريكا أصدقاء لها من المصريين، إلا المشبوهين أو الذين يخاصمون الدولة المصرية أو المحرضين وجماعات الاحتقان، وإذا كنا لاننكر عليها حقها فى أن تقرب منها من تشاء.. فلماذا لاتضع إلى جوار هؤلاء بعض المعتدلين وأصحاب الرؤى القومية البعيدة عن المطامع السياسية والأغراض الشخصية؟
7 الشمس وأعواد الذرة والندم!
السيد بوش.. ليالى البيت الأبيض معدودة وبعدها تعود إلى مزرعتك فى تكساس تستمتع بالشمس الدافئة والنظر لأعواد الذرة الصفراء.. وقبل أن تجىء هذه اللحظة ابذل جهدك لتجميل الصورة المشوهة.. وإن كنت متأكدا من أنك لن تقدر وإذا حاولت فلن تسمح أمريكا لرئيس يودعها ويرقص رقصته الأخيرة، أن يخلط الأوراق التى رتبها بنفسه وجعلها قيودا حديدية لايستطيع أن يفكها من حول عنقه، ولذلك لابديل بعد ستة شهور أو أكثر إلا أن تستمتع بالشمس وأعواد الذرة وربما «صقيع الندم». الندم لأنك ألحقت بسمعة بلدك أكبر إساءة فى نظر الشعوب العربية والإسلامية.. لم تحبهم فلم يحبوك وكرهتهم فكرهوك، وغزوت أرضهم وبلادهم فى حرب كانت أشبه بالأحلام والحكايات التى ترويها كتب الأساطير. الندم.. لأن بحور الدماء التى فجرتها لن تجف قبل سنوات طويلة وممتدة، حرب وقودها الناس والحجارة، ويبدو أن عمليات رصف شوارع الدم لن تكون إلا بمزيد من جثث القتلى. الندم.. لأنك لم تتعامل مع الدول الكبيرة والزعامات التاريخية فى هذه المنطقة بالقدر الكافى من المودة والتفاهم والحوار، لم تفتح القنوات والجسور، واعتمدت سياسات التجاهل والفتور ودس الأنف فى صميم حياة الشعوب.
الندم.. لأن أمريكا هى العلم والتكنولوجيا وهوليوود وإنجلينا جولى وتمثال الحرية، والبلد المتسامح الذى يصهر فى بوتقته كل الثقافات والجنسيات والأشكال والألوان. أمريكا لم تعد كذلك فى فترة حكمك التى خرجت بقطار التاريخ عن القضبان، حتى اصطدم بمحطة الكنيست فى خطبته الخميس أول أمس
|