بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله
السلام عليكم إخوتى و رحمة الله و بركاته ، و بعد .. فقد ثارت فى الآونة الأخيرة موجات من الإساءة للرسول عليه الصلاة و السلام ، و كرد فعل طبيعى و أساسى ثارت أمامها موجات من الغضب و السخط و المقاطعة صدرت منا و ماتزال تصدر .
بدايةً أحب أن أوكد أن الأحكام و الأمثلة التى أكتبها لاحقاً لا تعنى حكماً و لا أمثلةً عامة بل هى جزء كبير و غالب فى واقع المسلمين كما لا يخفى على أحد ، كما أود أن أقسم الكلام فى هذا الموضوع إلى خمسة خواطر شخصية و هى :
(الخاطر الأول) من المُساء إليه ؟
لابد و أن الإجابة أوضح و أجلى من الرد ، و لكن هل يستطيع كائن من كان إن يصل إلى صحاب المقام الرفيع ؟ هل يقدر أحد على المساس بحبيب الرحمن ؟ هل لأى مخلوق فى هذا الوجود فرصة للنيل من سيد ولد آدم و سيد الخلائق جميعاً ؟ لقد عصمه المولى فقال " يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ " المائدة67 ، و كفاه المستهزئين فقال تعالى " إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ " الحجر95 ، و قال تعالى " خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ " الأعراف199 و أعلن له النصر فقال تعالى " إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ " التوبة40 . لقد كان عليه الصلاوة و السلام يُسب وجهاً لوجه ،
و مع ذلك لم يكن يغضب لنفسه قط ، بل يغضب إذا انتُهِكَت محارم الله كما ورد فى الأحاديث الصحيحة . لم و لن يستطيع بشر أن يوفيك حقك يا رسول الله ، لا يعرف قدرك و رفعة مقامك إلا الله تعالى ، نُشهد الله أننا قد آمنا بك ولم نرك ، فاللهم لا تحرمنا رؤيته و شفاعته يوم القيامة .
(الخاطر الثانى) من المُسئ ؟
مما لا شك فيه أنهم حفنة حقيرة تدين بغير دين الإسلام ، فهل يُتَصور منهم الإشادة بالإسلام و نبيه ؟ أليس هذا دأبهم و ديدنهم منذ الأزل ؟ ألم يحذرنا الله من مثل هذه الأمور فى كتابه العزيز ؟ هل هذا بجديد عليهم ؟ ألم يقولوا عن الحبيب فى عهده أنه ساحر و مجنون و شاعر و كاذب و مفترى و مريض و غير ذلك من الأكاذيب ؟ ألم يسبوا عرضه الشريف ؟ بل الأكثر من ذلك ، ألم يدعوا لله – حاشاه جل فى علاه – الولد و الرفيقة و الزوجة ؟ ألم يصفوه تعالى بالبخل و أنه أصابه التعب و النصب بعد خلق السماوات و الأرض ؟ تعالى سبحانه عن ذلك علواً كبيراً ، ما الذى تركوه و لم يسبوه ؟ هذا و الله شأنهم و حالهم على مر العصور مع اختلاف ملبسهم و دولهم و لغاتهم ، إنهم على وتيرة واحدة . فهم لم و لن يمسوا من المقام المحمدى إلا ما يظنوه فقط ، إنها كلمة الذين كفروا السفلى ، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذباً .
(الخاطر الثالث) من المتصدى للإساءة ؟
و هذا هو مربط الفرس كما يقال . من الذين يقع على عاتقهم الرد على كلاب الأرض و الدفاع عن الحبيب ؟ لابد و أنهم المسلمون ، نحن ، نعم نحن الذين يجب علينا الرد على هذه الموجة العاتية ، و لكن مهلاً من نحن ؟ كيف يبدو حالنا الآن ؟ هل نحن فى حال يسمح لنا بالرد ؟ هل نحن حقاً مؤهلون لذلك ؟ هل كل من رفع شعارات مثل (فداك يا رسول الله) ، (بأبى أنت و أمى) ، (إلا رسول الله) ، (حملة الدفاع عن النبى) ، (دافعوا عن رسولكم و لو بكلمة) و غيرها من الشعارات المرفوعة الآن ، هل هم فعلاً أهلاً لذلك ؟ تعالى بنا لنرى بعض المسلمين من رافعى هذه الشعارات (البعض لا الكل) :
* الذين يسبون الدين ، وهم أولى و أهم فى التصدى من أولئك الكفار ، فكيف ننصر رسولنا و ديينا يسب بين ظهرانينا ؟ إن سب الدين و الملة يعنى – حاشى لله – سب الله و سب رسوله و سب قرآنه و سب أتباعه ، أمخطئ أنا ؟ بل إن سب الدين بألسنة المسلمين لهو أشد وقعاً و أكبر جرماً مما فعلته كلاب الأرض . فأعزوا دينكم فى أنفسكم يعزكم الله على غيركم .
* تاركى الصلاة ؟ فقد قال عنهم المصطفى " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" ، فهل يُنتظر ممن لم ينتصر على نفسه أن ينتصر لنبيه ؟ من وقر دينه فى نفسه وقره الله فى عين عدوه .
* تاركى المفروضات من صلاة و صيام و زكاة و حج و غيرها من مفروضات الإسلام ؟ أهم أهلاً للدفاع عن السنة و صاحبها ؟ فاقد الشئ لا يعطيه ، لو حافظوا على الفروض لحافظوا على السنن و لنصروا صاحب السنة .
* شاربى الخمور و المخدرات – تاب الله عليهم – و هؤلاء لا يدرون مايحدث من حولهم و ليسوا فى وعيهم أصلاً .
* أكلى أموال الناس بالباطل و أموال اليتامى و أكلى الحرام عموماً . هل تجد فيهم أسباب النصرة عن الدين و عن النبى ؟
* العاق لوالديه ، و لقد وصانا ربنا جل فى علاه فى غيرما موضع فى القرآن الكريم بالإحسان للوالدين ، كما رد الرسول بعض من أراد الجهاد ضد الكفار لكى يبر والديه و يرعاهما ، و لكننا نجد الآن – و لا حول و لا قوة إلا بالله – من يسب والديه
و ينهرهما و يسخر منهما و يعتدى عليهما بل و قد يصل الأمر إلى حد قتلهما ، أهذا يؤمل منه حسن الدفاع عن النبى ؟
* المتبرجات (الكاسيات العاريات المائلات المميلات) إنهن قدر لا يعرفن اسم الحبيب الصحيح ، أنهن مشغولات بالموضة و عالم الأزياء و الميك أب ، و قد لا يعرفن الفرق بين الفرض و السنة ، فما بالك بحملة التصدى و الدفاع ؟
* سامعى الأغانى و الموسيقى و لابسى الإنسيالات و سلاسل الرقبة من الشباب أهم حقاً من صفوف المجاهديين عن الدين ؟
* أم لعلها الأشلاء التى تتناثر كل يوم فى فلسطين و العراق و غيرهما ؟ لحرمة دم المسلم أشد عند الله من حرمة الكعبة ،
و لزوال الدنيا عند الله أهون من إراقة دم المسلم بدون حق .
* المفتون من كل حدب و صوب بما يفقهون و لا ما لا يفقهون ، المخربون للإسلام من داخل الإسلام ، المجترءون على الله و رسوله فى كتاباتهم و رواياتهم و فتاواهم تحت ستار حرية الرأى و التعبير ، هل هم من دعائم النصر ؟ و بالجملة كل من هو على غير هدى الحبيب ، كيف ينصر الحبيب ؟ و ماذا يُنتظر منه حيال هذه الموجات المظلمة ؟
(الخاطر الرابع) كيف نتصدى للإساءة ؟
وهذه بعض الوسائل على سبيل المثال لا الحصر و قد وضحها لنا علماؤنا و رجال الدين :
* نصلح من أنفسنا قبل أن نصلح من غيرنا ، فلا تنهى غيرك عن الخطأ و أنت عليه ، قال تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ " الصف2-3 ، و قال الشاعر :
لا تَنْهَ عَن خُلقٍ وتَأتي مِثلَهُ ... عَارٌ عَليكَ أن فَعلتَ عَظِيمُ
* نأخذ بيد غيرنا من المسلمين إلى طريق الله ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً حتى يكون المسلمون كالبنيان المرصوص .
* نقاطع منتجاتهم و سلعهم و نعتمد على أنفسنا فى كل شئ – لماذا هم مستقلون عنا و نحن لسنا كذلك ؟
* نبين لغيرنا من غير المسلمين دعائم ديننا الحنيف و سماحته و أصوله و ما يدعو إليه بوسائل الإعلام المختلفة .
* و غير ذلك مما يرشدنا إليه علماء و دعاة الإسلام فى كل مكان .
(الخاطر الخامس) خاطر من وحى الخيال
فقط لنتخيل أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد بُعث فينا الآن (فقط تخيل) ، و لنسأل أنفسنا بصدق ، ما أول ما كان سيفعله صلى الله عليه و سلم ؟ أيواجه المستهزئين ؟ أيقود حملة للدفاع عن السنة و صاحبها ؟ أيقاطع منتجاتهم ؟ أم أنه كان سيهتم بأحوال المسلمين المتردية و يصلح من شأنهم أولاً ؟ و يعالج أمراضهم و عللهم ؟ ثم بعد ذلك يواجه العالم أجمع ، أبدأت دولة الإسلام بالغزوات و الجهاد فى سبيل الله ؟ أم بدأت بالمسلمين أنفسهم فأصلحت من شأنهم و أسستهم كأفراد و كمجتمع ؟
هل أفقنا من التخيل الآن ، إذا علينا العمل بما تخيلناه منذ لحظات ...
وبعد إخوتى الكرام ، فما كان من صواب و توفيق فمن الله وحده , وما كان من خطأ أو نسيان فمنى و من الشيطان و الله و رسوله منه براء ، و صلاةً و سلاماً على أشرف الخلق أجمعين و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ...
سبحانك اللهم و
بحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك و أتوب إليك .