بحث لوحة التحكم مصر
خروج التسجيل مواضيع اليوم

العودة   عالم ابن مصر > ----عالم ابن مصر---- > حبر و ورقة > قصة و عبرة
التسجيّل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مواضيع اليوم جعل جميع المنتديات مقروءة

المشاركة في الموضوع
   
 
قديم 09-06-2008, 10:19 PM   #1 (رابط ثابت)
عضو مسجل
 
تاريخ التسجيّل: Jun 2008
المشاركات: 8
أمل أحمد is on a distinguished road
أحكموا بأنفسم علي قصة مدينة الحريم ولا تنسوا تشنقوا أحمد خيري

في المدن الغريبة ..
جدران من الثلوج ..
بلا مشاعر .. بلا أمان
ودائما ما يذوب البناء

‏مدينة‏ الحريم

‏ ‏‏قد‏ ‏تعتريكم ‏أطياف وأمواج ‏من‏ ‏الاستغراب‏ والاستهجان ‏حينما ‏تقرؤون‏ ‏حكايتي ، ‏ وقد‏ ‏يترك البعض منكم لخياله الحبل على الغارب ، ليستحوذ عليه شعور بأنني عرافة مخاوية الجان‏.
لذا ‏‏استحلف‏ ‏بالله‏ كل من يتصفح حكايتي ، بعدم التسرع والتمهل حتى يهضمها وينتهي من قراءتها بالتمام ، بعدها يمكن إطلاق الأحكام مثل بقية الناس.‏
معذرة‏ ‏إن‏ ‏كانت قصاقيص‏ ‏من قصتي تطايرت وتناهت إلى أسماعكم ، ‏لكن ‏رجائي‏ ‏الوحيد‏ ‏أن‏ ‏تسمعوا ‏تفاصيلها بالكامل مني‏.. قد تكون هناك بضعة تفاصيل ‏مملة أو يراها البعض ضد مصالحه.. ‏لذا لا تضعوا أصابعكم في آذانكم‏ ‏من‏ ‏البداية‏ ‏مثل‏ ‏الآخرين‏ ، ‏وتضربوا‏ ‏كفا‏ ‏بكف‏ ، ‏وتتحسروا‏ ‏على ‏ ‏ست‏ ‏العاقلين‏ ‏التي‏ جنت‏.‏
‏أبدأ حكايتي من وصف المكان الذي وجدت‏ ‏نفسي‏ ‏بداخله واقفة في حيرة من أمري وحيدة‏.. قد يتبادر إلى أدمغتكم استفسار عن كيفية وصولي إلى هذا المكان ، ولكني لا أعرف‏ حتى الآن‏ ، ‏من المؤكد‏ ‏أنني‏ ‏انحدرت‏ ‏إليه‏ من‏ أحد الأطباق الطائرة التي تعرفنا عليها من حكايات جدتي ‏، ‏أو‏ ‏جئته‏ ‏زاحفة‏ ‏عبر‏ ‏نفق‏ ‏مظلم‏ ‏تترسب‏ ‏على ‏ ‏جدرانه‏ ‏أملاح‏ ‏ورطوبة‏ ‏وريم‏ ‏أخضر‏.‏
‏ ما يهمني حشوه في رءوسكم ، أنني فوجئت بوجودي وبقدرة‏ ‏قادر‏ ‏منتصبة مثل‏ ‏خيال‏ ‏المآتة‏ ، ‏في‏ ‏مكان‏ ‏مقفر مغطي بطبقة من الرمال الحمراء‏.. مخيف‏ ‏موحش‏ ، ‏بحثت‏‏ ‏لكم عن‏ ‏ألفاظ‏ ‏توحي ‏وتعينكم على تخيل‏ ‏غرابة شكله ‏فلم‏ ‏أجد‏ .. أجهدت نفسي مرارا حتى ‏أعياني‏ ‏وأرهقني‏ ‏البحث لوصفه ، فحاولوا‏ ‏أنتم‏ ‏أن‏ ‏تتخيلوا هذا المكان..‏ ضباب‏ ‏كثيف‏ يكسوه .. كثافته ‏أشد‏ ‏من‏ ‏شبورة‏ الصيف التي تسدل أهدابها على الطرقات الزراعية في الصباح الباكر‏ ، وآهات‏ وآنات ‏عميقة‏ ‏تدوي ، ‏أما الإضاءة فهي‏ ‏باهتة‏ ‏مخنوقة‏ ‏لا تشبه‏ ‏ضوء‏ القمر‏ ‏أو‏ ‏أشعة‏ ‏الشمس‏، ‏ورمل‏ ‏غريب‏ ‏أحمر‏ ‏قاني‏.‏
ساعتها تملكتني‏ ‏رعشة خوف‏‏ ‏ ‏في‏ ‏أطرافي ، ‏على إثرها‏ ‏دب‏ ‏مغص‏ ‏شديد‏ في‏ ‏قلبي ، ‏وصكة‏ مسموعة‏ ‏في‏ ‏أسناني‏.‏
اندفعت كالمجنونة ‏أروح‏ ‏وأجئ‏ ‏بسرعة‏ ، وقدماي تنغرسان ‏حتى الكعبين داخل‏ طبقة الرمال‏ ‏ حتى داهمني الإرهاق ،‏ كنت ‏أروح‏ ‏وأجئ‏ ‏مثل‏ ‏كلب‏ ‏قرصه الجوع‏ ، ‏ولكن‏ ذاكرته خانته وفقد ‏مكان‏ ‏العظمة‏ ‏التي‏ ‏كان قد خبأها‏.
بعد فترة وجيزة ‏لمحت‏ من بعيد ‏شيخ‏‏ ‏أحنى‏ ‏الزمن‏ ‏ظهره ، ‏يجلس‏ ‏فوق‏ ‏صخرة‏ ‏صغيرة‏ ، ‏يحدق ‏بنظره‏ الضعيف داخل‏‏ بؤرة بها‏‏ ‏أكوام من الحصى‏ ‏،‏ ‏بعصا‏ غريبة ‏الشكل أخذ يداعبها ‏، و‏فوق‏ ‏تجاعيد وجهه‏ ‏النحيل المغطي‏ ‏بنمش‏ ‏بني‏ ، استقر ‏تعبير‏ ‏غير‏ ‏واضح‏ المعالم ، ‏لا ينم عن‏ ‏ابتسامة‏ ‏ولا حزن‏ ‏أو‏ اندهاشة ‏أو‏ ‏يقين‏ ‏، ‏أسفل‏ ‏عينه‏ ‏اليمني‏ مباشرة ‏تصاحب وجهه رعشة بصورة ‏واضحة‏ ‏ومستمرة‏ .. ‏هل‏ ‏هي‏ ‏رعشة‏ ‏خوف‏ ‏؟‏! ‏أم‏ ‏رعشة‏ ‏قلق‏ ‏؟‏! ‏لم‏ ‏أتبين سببها بدقة‏ ‏.‏
كان يرتدي سترة‏ غريبة ‏لم‏ ‏أر‏ لها مثيلا‏ ، ‏إلا‏ في السترات‏ ‏التي كان يرتديها رعاة‏ ‏البقر‏ ‏في‏ ‏الأفلام‏ ‏الأمريكية ‏، ‏كانت‏ ‏طويلة‏ ‏من الخلف عن‏ ‏الحد‏ ‏المعروف‏ عنه الآن ، يزينها خطوط طولية وصفان‏ من الأزرار‏ النحاسية‏.‏
حينما تنبه‏ ‏العجوز‏ ‏إلى وجودي‏ ، ‏نهض‏ في تثاقل ‏.. مشى ‏ناحيتي‏ ‏بخطوات‏ ‏بطيئة‏ تناسب أقدامه‏ ‏الضعيفة‏ المرتعشة‏ التي تكاد ‏تحمله‏ ‏بالكاد‏ ، ‏ولولا‏ تلك ‏العصا‏ ‏الغريبة المزركشة‏ ‏التي‏ ‏يستند‏ ‏عليها‏ ، لإنكفأ‏ ‏على ‏ ‏وجهه‏ ، عصا صنعت‏ ‏خصيصا‏ ‏من‏ ‏أجله‏ ، ‏‏شكلها‏ ‏يصيبك بالرعب ‏نحتت‏ ‏على ‏ ‏هيئة‏ ‏حية‏ ‏سوداء‏ ‏يتدلى منها ‏لسان ‏أحمر.‏
بمجرد أن تنبه سارع برسم‏ ‏ابتسامة‏ ‏عريضة‏ على ‏ ‏وجهه ، من الوهلة الأولى‏ توحي لك ‏بأنها مصطنعة‏ ‏وتحمل عتابا‏ ، كانت كافية بأن ‏‏تدفعني‏ ‏للاحساس بالتوجس والريبة‏ ‏منه‏ ، ‏ولكن شهادة لله فقد انتابني شعور بأن‏‏ ‏تقاطيع‏ ‏وجهه‏‏ ‏مألوفة لي ..
‏- ‏لماذا‏ ‏تأخرت ‏‏كل‏ ‏هذا‏ ‏الوقت‏ ‏؟‏!‏
في‏ ‏لعثمة‏ ‏واضحة رددت عليه ‏:-‏
‏- ‏هل‏ ‏كنت‏ ‏تنتظرني‏ ‏؟‏!‏
‏- ‏بلي منذ‏ ‏فترة‏ ‏طويلة‏ ، ‏ألم‏ ‏تقرئي‏‏ ‏الدعوة‏ ‏الموجهة‏ ‏إليك‏ ..
أشار بسبابة يده اليسري تجاه الملف‏ الذي أحمله ، ملف ‏بلاستيك لونه أحمر‏ .. لم أتوان لحظة في فتحه والبحث‏ ‏بين‏ دفتيه‏ ‏عن‏ ‏هذه‏ ‏الدعوة‏، ‏‏قرأت‏ ‏منها‏ ‏الجزء العلوي حتى‏ ‏وصلت‏ ‏إلى ‏ ‏اسمه‏ المدون ،‏انعقد‏ ‏لساني‏ ‏عن الكلام وشعرت بتضخم في أذني ، وأصوات من الدبابير‏ والنحل تطن بداخلها‏.‏
لم أصدق مقلتي .. ‏قاسم‏ ‏أمين في انتظاري‏ ‏بشحمه‏ ‏ولحمه‏ .. في ‏مكاني‏ ‏ تسمرت‏ بطريقة‏ ‏كان‏ ‏ينقصني‏ ‏فيها‏ ارتداء ‏التاج‏ ‏حتى أتحول إلى ‏ ‏الملكة نفرتيتي‏ .. توهم‏ ‏في ‏صمتي‏ ‏بأنه ‏إنصات‏ ‏إلى ‏ ‏حديثه‏ ، ‏فراح‏ ‏يتحدث‏ ‏ويتكلم‏ ، ربما ما كان‏ ‏يشغل‏ ‏بإلى ‏ ‏في‏ ‏ذلك‏ ‏الوقت‏ .. ‏هو وجود‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ‏في‏ مثل ‏هذا‏ ‏المكان‏ ‏الموحش‏ ، ‏وما بالي‏ ‏بالمدينة‏ ‏التي‏ ‏يدعونني‏ ‏إليها‏ ‏؟‏!‏
‏أخذ النهار في التلاشي ، ‏انكسرت الإضاءة داخل المكان ، مكث يرغي وأنا أنصت ، حتى‏ انتزعتني‏ ‏‏منه مفاجأة‏ ‏أشد‏ ‏، خرج‏ ‏علينا‏ ‏شخص غريب الشكل ، شق‏ ‏العتمة‏ بعضلاته النافرة والشعر الكثيف الذي يضرب جسده العاري ، ‏من النظرة الأولي قد تحسبونه قد سقط من‏ ‏القرون‏ ‏البدائية‏ ، ‏ذو‏ ‏طراز‏ ‏انمحي‏ ‏وأصبح‏ ‏من‏ ‏الحفريات‏، ‏فهو‏ ‏أقرب‏ ‏في مخيلتكم‏ ‏إلى ‏‏ ‏العبيد‏ ‏الذين نراهم في الأفلام ، ‏كانت‏ ‏تجلبهم ‏الملكة‏ ‏كليوباترا‏ ‏أو‏ ‏شجرة‏ ‏الدر‏ ‏ليحملونهما‏ ‏فوق‏ الأعناق‏ ‏على كرسي‏ ‏من الخشب .‏
طل علينا بشعر أشعث‏ ‏.. جسد‏ ‏فارع‏ .. ‏ممتلئ‏ .. ‏وجه صارم‏ ‏عبوس‏ ‏عار من الاحساس، ‏ونظرات ‏باردة‏ ‏متحجرة‏ .. لا يرتد غير رقع من الجلد‏.
تقدم هذا النفر ناحية قاسم أمين ، في خطوات محسوبة .. موحدة ، خطوات إنسان آلي مبرمج بعناية .. في ترحاب واضح مد يده الغليظة ، تبادلا السلام وسط ابتسامات باهتة ‏، ‏على ‏‏وجهه‏ ‏نفس‏ ‏الرعشة‏ ‏الموجودة‏ ‏أسفل عين‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏.‏
أدرك قاسم‏ ‏مدي الخوف الذي يخالجني‏ ‏من‏ أثر رؤيتي لهذا‏ ‏الثور‏ ، ابتسم ‏ناحيتي‏ ‏لكي ‏يهدئ‏ ‏من‏ ‏روعي‏ ، قبض‏ ‏على ‏ ‏يدي‏ بشدة ‏وقال:-
- لا ترتعدي ‏فهي‏ ‏حارسة‏ المدينة .. ‏جاءت‏ ‏لترافقنا ‏إلى ‏ ‏بيت‏ ‏رئيسة‏ ‏المدينة‏.‏
بعد أن تعرفت على طبيعة هذا الثور ، امتزج ‏الخوف‏ لدي ‏بقشعريرة‏ ‏وتقزز‏ ‏من‏ ‏شكلها‏ ، كادت أمعائي تتقطع من مغص دب بها ، كلما نظرت تجاهها وهي تعبر بنا‏ ‏ساحة‏ واسعة ، ‏وقاسم أمين يتحرك ببطيء متعلقا بيدي اليمني حتى‏ ‏وصلنا‏ ‏إلى ‏ ‏مدخل‏ ‏المدينة‏.‏
داهمتني دهشة غريبة من شكل المدينة‏ ‏فهي غير‏ ‏مدينتنا‏ ، ‏مبانيها‏ ‏تقف‏ ‏بلا‏ ‏تفاصيل‏ بلا أبواب‏ ‏ولا شبابيك‏ ، ‏شوارع ‏ضيقة‏ ‏خانقة‏ تتصاعد‏ ‏في‏ ‏بعض‏ ‏أجزائه ‏وتنحدر‏ ‏فجأة‏ ‏في‏ ‏أماكن‏ ‏أخري‏ ، وعلى ‏ ‏جانبي كل شارع يجري‏‏ ‏‏ماء‏ ‏لونه‏ ‏أحمر‏ ‏تتصاعد منه رائحة‏ ‏خمور‏ داخل ‏قناة،رائحة كنت أشمها في كافة الشوارع والمباني ، نفاذة تكاد تسكر قاطنيها ، ‏تتجمع‏ ‏حولها‏‏ ‏الحارسات‏ ‏حاملات كئوس‏ ‏من الفضة ، يملأنها ويشربن‏ ‏.‏
كان هناك صدي لأصوات‏ ‏ضرب‏ ‏ومشاجرات‏ ‏وآهات‏ تحملها تيارات الهواء إلى آذاننا ، كانت تتردد في‏ ‏كافة شوارع‏ ‏المدينة‏ ‏، ‏ومن وقت لآخر كان هناك رجال‏ ‏ونساء‏‏ يشبهن الرجال والنساء في مدينتنا ‏يمرون‏ ‏بجوارنا مكبلين ‏بسلاسل‏ ، وقد ارتسمت على وجوههم علامات من القرف والتقزز ، وبانت علامات التعذيب على ملابسهم الممزقة ، ووجوههم المصابة بكدمات زرقاء ودماء ناشفة ، كانوا مقيدين بجنازير يمسك ‏بأطرافها‏ حارسات‏ المدينة.‏
لم‏ ‏نمش‏ ‏كثيرا‏ ‏حتى‏ ‏بلغنا‏ ‏دار ‏رئيسة‏ ‏المدينة‏ ، كان لونها من الخارج أحمر ، وهو لون يميزها عن ألوان بيوت المدينة الزرقاء ، عندها‏ انشق ‏الحائط‏ ‏عن‏ ‏باب‏ ‏واسع‏ ، دلفنا ‏إلى ‏ ‏حجرة‏ ‏رغم‏ ‏ضيقها‏ ‏الواضح‏ ، ‏إلا‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ ‏تبدو‏ ‏واسعة‏ ‏لقلة‏ الأثاث ‏الموجود‏ ‏بها‏ ، ‏وفي‏ ‏الجانب‏ ‏الأيمن‏ ‏منها‏‏ ‏لمحت‏ ‏بابا‏ ‏آخر‏ ‏موارب‏ ‏، يتسرب‏ ‏منه‏ ‏ضوء‏‏ ‏خافت ،‏ ‏وخيال‏ ‏لشخص‏ ‏يروح‏ ‏ويجئ‏ ، ‏وصوت‏ اصطدام ‏أكواب وملاعق ورائحة‏ ‏نفاذة‏.‏
‏استقبلتنا‏ ‏رئيسة‏ ‏المدينة‏ ‏بابتسامة‏ ‏تشبه‏ إلى حد قريب ‏ابتسامة‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ، ‏من‏ ‏الوهلة ‏الأولي‏ ‏أدركت‏ ‏سبب‏ ‏اندهاش‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ‏حينما ‏قابلني في الساحة الخارجية‏ ‏أول‏ ‏الأمر‏،‏ ‏فقد بهره‏‏ ‏التشابه‏ ‏في الشكل الذي‏ ‏يجمع‏ ‏بيننا، ‏ولولا‏ ‏الشعر‏ ‏الخفيف‏ ‏النابت‏ فوق شفتها العلوية ، ويخط لها شنب خفيف، ‏وشعرها‏ ‏الأبيض‏ ‏المنقوش‏ ، ‏والنظارة‏ ‏السميكة‏ المتهاوية على أرنبة أنفها المدبب ‏، التي‏ ‏تضفي‏ ‏عليها‏ ‏مسوح‏ ‏الراهبات‏ ، ‏لولا‏ كل ‏ذلك‏ ‏لفشلت‏ ‏أنا‏ ‏الأخرى‏ ‏في‏ ‏معرفة‏ ‏الفرق‏ ‏بيننا‏ ، ‏والشئ‏ ‏الأغرب‏ ‏أنني لمحت ‏نفس‏ ‏الرعشة‏ ‏الموجودة‏ ‏عند‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ‏وعند‏ ‏الحارسة‏ ‏موجودة‏ ‏عندها‏.‏
‏ استقرت بنا الجلسة‏ ‏في‏ ‏منتصف‏ ‏الحجرة‏ ، ‏تحت‏ ‏إضاءة‏ ‏مصابيح‏ ‏قوية‏ ‏ذات ألوان حمراء‏ موجهة إلى عيوننا ، ‏تناولت ‏رئيسة‏ ‏المدينة‏ الملف الذي أحمله ، قلبت بين‏ ‏أوراقه ، ‏تعرفت على محتوي الخطبة‏ ‏التي‏ ‏سألقيها‏ ‏خلال‏ ‏احتفال‏ المدينة ، ‏وكان‏ ‏تأثير حروفها ‏واضحا‏ ‏على ‏ معالم ‏وجهها‏ ‏المجعد‏ ، ‏وفي‏ ‏كلمات‏ ‏المدح‏ ‏والثناء‏‏ .
بينما كنت أفرك يدي بقوة في انتظار الانتهاء من قراءة خطبتي ، ‏دقت‏ ‏‏الرئيسة ناقوس‏ ‏ملقى في إهمال‏ ‏على ‏ ‏منضدة ‏صغيرة‏ ‏من‏ ‏الحديد ، أدركت‏ ‏من‏ ‏تحرك‏ ‏الخيال‏ ‏أنها‏ ‏كانت‏ تخاطب‏ ‏ذلك‏ ‏الشخص‏ ‏الموجود‏ ‏في‏ ‏الحجرة‏ ‏الملاصقة‏ .
‏‏في‏ ‏الغالب‏ ‏الأعم‏ ‏ ‏أنه‏ ‏مطبخ‏ ، خرجت‏ ‏من‏ ‏داخله‏ ‏سيدة‏ ، ‏ شكلها بشع ‏ ‏أصابتني‏ رؤيتها من الوهلة الأولي بالقيء‏ ‏والغثيان‏ ‏، ‏والذي‏ ‏لا أرغب في‏‏ ‏تذكره‏ ‏الآن‏ ، ‏ولكي تشعرون بما أصابني تخيلوا‏ ‏عودين من‏ ‏البلوط‏ ، ‏يبرز منها ‏شوك‏ ‏وشعر‏ ‏كثيف‏ ‏فيكونان‏ ‏ساقيها‏ .. ‏وماسورة‏ ‏مدببة لدبابة‏ ‏أكلها‏ ‏الصدأ‏ ‏فتكون‏ هذه ‏بطنها‏ ‏التي‏ ‏تسبقها‏ .. ‏وشقة‏ ‏بطيخ‏ ‏نزع‏ ‏من‏ ‏داخلها‏ ‏اللب الأسمر، ‏فيكون‏ ‏ذلك وجهها‏ ‏الذي‏ ‏تظهر‏ ‏عليه‏ ‏معركة‏ ‏قديمة‏ ‏للجدري‏ .. ‏أما‏ ‏عودها‏ الفارع لا يختلف كثيرا عن‏ ‏عود‏ ‏القصب‏ ‏الذي‏ ‏انتزعت‏ ‏منه‏ ‏زعزوعته‏.‏
خرجت‏ ‏علينا‏ ‏هذه‏ ‏السيدة‏ ‏من المطبخ ، تسبقها‏ ‏بطنها‏ ‏وصينية‏ ‏مرصوص عليها‏ ‏ثلاثة‏ ‏أكواب‏ من الزجاج الأحمر القاني ، ‏تناول ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ‏ورئيسة‏ ‏المدينة‏ ‏كوبيهما‏ .. مدت‏‏ ‏الصينية‏ جهتي ، ‏‏ترددت‏ ‏في‏ ‏مد‏ ‏يدي‏ ناحية الكوب ، لأنني لا أقوي على تحمل الرائحة‏ ‏الغريبة‏ التي كانت تتصاعد من هذا الكوب ، رائحة ‏أقرب‏ ‏إلى الشيح‏ ‏الذي‏ ‏نستخدمه‏ ‏لطرد الثعابين من بيوتنا ‏، شعرت‏ ‏بذلك‏ ‏رئيسة‏ ‏المدينة‏ ، ‏فابتسمت‏ ‏وقالت‏ :-‏
‏- ‏لا تخافي‏ .. ‏اشربي‏ ‏يا شيخة‏ .. ‏اشربي‏ ‏فزوجي‏ ‏يعتبر‏ ‏أنظف‏ ‏رجل‏ ‏في‏ ‏رجال‏ ‏القرية‏ ‏في‏ ‏شغل‏ ‏البيت‏.‏
بمجرد‏ أن تعرفت على ‏‏أن‏ ‏هذه‏ ‏السيدة‏ الحامل‏ ‏رجل‏ ، ‏خارت قواي و‏غصت نفسي ودفعت إلى ‏ ‏القيء‏ المستمر ، ‏غامت عيناي وسقطت‏ ‏مغشيا‏ على، حينما استيقظت تساءلت :-
- هل الرجال يمكن أن يحملوا
ولكن استفساري قوبل بصمت يحمل استهجانا ، ‏خرجنا‏ ‏نحن‏ ‏الثلاثة‏ ‏قاصدين‏ ‏الساحة‏ الرئيسية للمدينة ‏التي‏ ‏تجري‏ ‏فيها‏ ‏الاحتفالات‏.‏
تعلق‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ‏في يدي اليمني‏ .. بجوارنا ‏وبخطوات ثابتة مشت رئيسة المدينة تحيط بها حارساتها ، عرجنا إلى‏ ‏الشارع‏ ‏العمومي‏ ‏المؤدي‏ ‏إلى ‏‏ساحة‏ الاحتفالات .. ‏استرعي‏ ‏انتباهي ‏جمع‏ ‏ من‏ ‏الحارسات‏ ‏، يقدن بضع‏ ‏رجال‏ ‏ونساء‏‏ في خطوط من الجنازير.. من وقت لآخر يقمن‏ ‏بملء‏ ‏كئوس‏ ‏من‏ الفضة ، بالمشروب المنحدر داخل ‏القنوات ‏المحفورة ‏ على جانبي ‏الشارع‏ ، ‏وإرغام‏ هؤلاء ‏المكبلين‏ على تناولها وشربها. ‏
‏حتى هذه المرحلة لم تكن مفاجأة ، لأن المشهد السابق تصادفه كلما تقدمت داخل المدينة ، ولكن المفاجأة كانت في وجود شيخ ‏ أحني الزمن ظهره ،‏ ‏اصفر‏ وجهه ‏من‏ ‏شدة‏ ‏الوهن‏ ، ‏ذو‏ ‏شنب‏ ‏كث‏ يغطي جزء من فمه ، يستند في مشيه على عصا‏، ويرتدي‏ ‏حلة زرقاء‏ ‏قديمة‏ رخيصة الثمن ، ‏وعلى رأسه تستقر طاقية زرقاء .
نظرات ‏هذا‏ ‏الشيخ‏ كانت موجه وتراقب ‏قاسم‏ ‏أمين‏ .. ‏نظرات‏ محملة باللوم‏ ‏والعتاب‏ ، ‏أحزنت‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ودفعته إلى ‏جذبي‏ ‏من‏ ذراعي‏ ، ‏والإسراع بي‏ مبتعدا ‏، دون‏ ‏أن‏ ‏يعطي هذا الشيخ ‏ ‏أدني‏ ‏اهتمام .
سألت قاسم‏ ‏عن‏ ‏ذلك‏ ‏الشخص‏ ..‏ فتراءت لي ‏ابتسامة‏ ‏ساخرة ، شعرت‏ ‏فيها‏ ‏بسعادة نصر لا يضارعها غير فتوحات ‏صلاح‏ ‏الدين‏ ‏الأيوبي وقال‏ :-
‏- ‏ألا تعرفينه‏ .. ‏إنه‏ ‏توفيق‏ ‏الحكيم‏.‏
‏- ‏من ‏أين جاء ومن الذي‏ ‏فعل‏ ‏به‏ ‏كل‏ ‏ذلك‏ ‏؟‏!‏
‏كانت‏ ‏أصوات‏ ‏الضرب‏ ‏وصرخات‏ ‏الأطفال‏ ، ‏تزداد‏ ‏وتقوي‏ ‏شيئا‏ ‏فشيئا‏ ، ‏وتدنو مني لدرجة أنها ‏شدت‏ ‏انتباهي‏ ، رأيت ‏حجرات‏ ‏ضخمة من‏ ‏الزجاج‏ الأحمر ، بين جنباتها يزحف ‏أطفال‏ على وجوههم .. ‏يصرخون‏ ، ‏وجوه‏ مستطيلة ‏متجمدة‏ ‏مثلجة‏ ، وسطهم ‏يمشي‏ ‏رجال‏ ‏حوامل‏ ‏مثل‏ ‏زوج‏ ‏رئيسة‏ ‏المدينة ، يرضعون هؤلاء الأطفال من أثدائهم ‏.‏
في‏ ‏هذه اللحظة ثار في‏ صدري‏ إحساس بالتضخم ‏وتصلبت الحلمات‏ ‏وتدفق‏ ‏اللبن‏ ‏فيهما ، ‏وتسرب‏ داخل‏ ‏جسدي‏ ‏رعشة‏ ‏وغيرة‏ ‏شديدة‏ ، وحنين‏ ‏جارف‏ ‏لإرضاع ابنتي‏ ذات الثلاثة شهور، دفعني‏ ‏هذا الشعور‏ ‏للهروب‏ ‏وترك‏ هذه ‏المدينة‏ قبل الوصول إلى ساحة الاحتفال ، حاولت التملص‏ ‏من‏ ‏يد‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ التي ماتت على كفي.
‏ساعتها‏ ‏لم‏ ‏أجد‏‏ ‏سبيلا‏ ‏للخلاص‏ ، ‏واصلت‏ ‏السعي معهما‏ ‏إلى ‏ ‏ساحة‏ ‏الاحتفال‏ ‏، وبعد فترة بلغنا منصة الاحتفال‏ ‏، من مكاني نظرت ناحية ‏الساحة‏ ‏التي تقبع أسفلنا ، وجدتها لا تختلف‏ ‏كثيرا‏ في شكلها ‏عن‏ ‏المكان‏ ‏الذي‏ ‏وجدت‏ ‏نفسي‏ ‏فيه‏ ‏أول‏ ‏الأمر‏ ، ‏صحراء‏ .. ‏ضباب‏ .. ‏أصوات‏‏.‏
افترش المكبلون ‏‏أرضية‏ ‏الساحة‏ ، في الصف الأول كان ‏توفيق‏ ‏الحكيم‏ .. ‏والعقاد‏ ..‏ وعددا آخر ‏عرفني‏ عليهم‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ .. خانتني مقتلتي في رؤية الصفوف الباقية أو معرفة تفاصيل الساحة ، فالضباب الكثيف يلف المكان ‏و‏العتمة‏ تضرب كل شىء.‏
‏وقفت‏ ‏رئيسة‏ ‏المدينة‏ متجهة ناحية المنصة ، رحبت ‏بوجودي‏ ‏داخل ‏المدينة‏ ، استعرضت الحلم الذي دفع المرأة الجديدة لتشييد هذه المدينة ، بعدها ‏‏انتهت كلمتها وجاءت لتجلس بجواري .
صعد ‏قاسم‏ ‏أمين‏ المنصة ، تناول خطبة ‏ ‏قريبة الشبه بما كتبته في‏ ‏خطبتي‏ ، بقيت‏ ‏منجذبة لكلماته ‏حتى‏ ‏وقع‏ ‏ما لا في‏ ‏الحسبان‏ ، ‏دوت‏ ‏انفجارات‏ ‏شديدة‏ وصاخبة ‏في‏ ‏نهاية‏ ‏الساحة‏ ، نظرت تجاه قاسم أمين ورئيس الجمعية ، فلم أجدهما يعبآن بما يجري فتوهمت بأنه لا يوجد خطر ‏، ‏ولكن‏ ‏مع‏ ‏علو‏ ‏الأصوات‏ ، ‏دب بداخلي رعب وشعرت‏ ‏بأن‏ ‏أحداثا‏ ‏مهولة‏ ‏تقع دون ‏أن‏ ‏أراها ‏من‏ ‏شدة‏ ‏العتمة‏.‏
‏ ‏انتهي‏ ‏‏قاسم‏ ‏أمين‏ ‏من‏ ‏قراءة ‏خطبته وجلس‏ ‏بجواري‏ ‏، وجاء‏ ‏دوري في إلقاء‏ ‏ ‏كلمتي‏ ، ‏سندت يدي‏ ‏على ‏ ‏المنصة‏ ، ‏رتبت‏ ‏أوراقي‏ ‏ورحت أضع خطوطا حمراء أسفل الفقرات ، ‏ ‏بدأت‏ ‏في‏ ‏إلقاء‏ ‏الخطبة‏ ، ‏ولم‏ ‏أكد‏ ‏انتهي‏ ‏من‏ ‏الورقة‏ ‏الأولي‏ ، ‏حتى‏ ‏لمحت‏ ‏الهلع‏ ‏والخوف‏ ‏على ‏ ‏وجوه‏ ‏الحارسات‏ ، ‏اللاتي‏ ‏أخذن‏ ‏يجرين‏ ‏بطريقة عشوائية ‏داخل‏ ‏الساحة‏ ، تطاردهم‏‏ ‏أصوات‏ ‏إنفجارات‏ ‏التي أخذت في الزحف‏ ‏ناحية المنصة‏ .. ‏شعرت بأن صوتي بدأ يتلاشى ، توقفت‏ ‏عن الكلام‏ ‏من‏ ‏شدة‏ ‏الخوف.. ‏نظرت‏ ‏ناحية‏ ‏قاسم‏ ‏أمين‏ ‏ورئيسة‏ ‏المدينة‏ ‏فلم‏ ‏أجدهما‏ ‏في‏ ‏مكانهما‏ ، ‏فقد‏ ‏هربا‏ ‏وتركاني‏ ‏وحدي‏ .. ‏‏رأيت‏ ‏المكبلين‏ ‏قد‏ كسروا‏ ‏قيودهم‏ ‏واتجهوا‏ ‏ناحيتي‏ .. ‏وجدت‏ ‏نفسي‏ ‏وحيدة‏ ‏أمام‏ ‏هذا‏ ‏الحشد‏ ‏الهائل‏ ‏من‏ ‏الغاضبين‏.
بدأت‏ ‏أنزوي‏ ‏وأشعر بالاختناق‏ ..‏أحسست بأيادي كثيرة تمتد‏ ناحية‏ ‏عنقي‏ ..‏ ‏كاد‏ت أنفاسي ‏تتقطع ..‏ ‏تتوقف‏ .. ‏صرخت‏ ‏بأعلى‏ ‏صوت‏ .. ‏ظللت‏ ‏أصرخ‏ .. ‏أصرخ‏.. ‏ومن‏ ‏يومها‏ ‏وأنا‏ ‏أصرخ‏.‏
قال‏ ‏لي‏ ‏زوجي‏ ‏بأنني‏ ‏كنت‏ ‏نائمة‏ ، و‏استيقظت‏ ‏وأنا‏ ‏أصرخ‏ ، وهرولت مسرعة ناحية ‏حجرة‏ ‏مكتبي‏ ، ‏فوجدت‏ ‏الدوسيه‏ ‏الأحمر‏ ‏موضوعا‏ ‏فوق‏ ‏المكتب‏ ‏فمزقت‏ ‏الأوراق‏ ‏الموجودة‏ ‏به‏.‏
ولكني‏ ‏لا‏ ‏أتذكر‏ ‏من‏ ‏ذلك‏ ‏شيئا‏ .. ‏ولا‏ ‏أعرف‏ ‏إن‏ ‏كانت‏ ‏حكايتي‏ ‏هذه‏ ‏حلما‏ ‏كما‏ ‏يقولون‏ .. ‏أو‏ ‏واقعا‏ ‏كما‏ ‏أعتقد‏.‏.. بعد انتهائي من رواية قصتي .. هل أنا مجنونة كما تدعي النساء .. أم ست العاقلين كما يراني الرجال بعد تمزيق الخطبة ؟
أمل أحمد is offline   الرد مع إقتباس
 
   
المشاركة في الموضوع


خيارات الموضوع
طريقة العرض قيّم هذا الموضوع
قيّم هذا الموضوع:

قوانين المشاركة
لا يمكنك إضافة موضوع جديد
لا يمكنك إضافة مشاركات جديدة
لا يمكنك إضافة مرفقات
لا يمكنك تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاح
كود HTML غير متاح
Trackbacks are متاح
Pingbacks are متاح
Refbacks are متاح

مواضيع مشابهة
المواضيع كاتب الموضوع المنتدى الردود آخر مشاركة
الاسلام و خرافه السيف فطومه حوار اسلامي 4 27-02-2008 12:33 AM
شخصيات تاريخيه بكــار قاعة ابن مصر العامة 36 24-08-2007 08:05 PM


جميع الأوقات بتوقيت مكة المكرمة. الساعة الآن » 08:32 AM.

ترجمة كلمات - دليل مواقع ابن مصر - مواقع صديقة - منتدى ابن مصر
1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38

Powered by: vBulletin الاصدار 3.6.4
Copyright ©2000 - 2008, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.2.0 RC4 ©2008, Crawlability, Inc.