|
متى يعلم الرئيس .. إن كان لايعلم ؟!
( نشرت فى صحيفة الوفد الثلاثاء 20/12/2005 )
متى يعلم الرئيس .. إن كان لايعلم ؟!
إن أقدار الله نافذة فى خلقه لاريب فما شاء سيكون وإن لم نشأ ، وما لم يشأ فلن يكون وإن شئنا ، فمشيئتنا نحن بنى البشر تنحصر فى الاختيار بين الوسائل والأخذ بالأسباب ، أما النتائج فهى فى مشيئة الخالق وحده ، إن شاء منحنا إياها بقدر ، وإن شاء حجبها عنا بقدر :
فاضــتْ علينـــا بالعطــاءِ يــــداهُ ** لـّكنـَّنـا جهــلاً نـــرومُ ســـــواهُ
وســواهُ وعــدٌ قــد يــُـرَدُّ وفــــاهُ ** فالموت قد تطـوى خطانا خطاهُ
فانظـر عروش الأرض من أفناها ** وانظـر تراب الأرض من أحياهُ
ثم أما بعد .. فإننى لازلت أفترض أن الرئيس مبارك لم يتخذ طيلة العقود الماضية ماكان ينبغى اتخاذه من قرارات إصلاحية مؤثرة فى مواجهة مظاهر وظواهر الفساد التى نمت وطغت وبغت ، لا لكون سيادته عالمًا بها وراضيًا عنها ، وإنما لكونه لايعلمها ، ربما لطبيعة العزلة الأمنية المبالغ فيها ، وربما لعدم مصداقية مايعرض عليه من تقارير ، الأمر الذى أدى إلى عدم إلمامه بالكثير من سلبيات الواقع التى ألمت بالشعب وآلمته !!
فالرئيس حتمًا لايعلم ــ أو هذا مايتمناه الشعب ــ أن كل الأحلام وإن بعدت صارت متاحة فى مقابل ثمن ، وأن كل المخالفات وإن عظمت صارت مباحة فى مقابل ثمن ، وأن شرفاء مصر الذين هم بناؤوها الحقيقيون من العلماء والمفكرين والعاملين لايملكون هذا الثمن ، وأنهم إذا ملكوه فلن يكونوا طرفًا فى مثل هذه التعاملات الرخيصة ، لذا فقد صار هؤلاء فى أغلبهم محظورين من الحلم ومن شرعية تحقيقه ، لا لكونهم فاقدين لأهلية الحلم ومقومات إنجازه ، وإنما لكونهم تمسكوا بقيم الشرف إلى حد الإدمان فصار يجرى فى ذواتهم مجرى الدم فى عروق الجسد .
حتمًا لايعلم الرئيس أن قاعدة الحركة الوطنية فى شتى المجالات ــ واستثناؤها هم الشرفاء ــ صارت تعتنق المثل القائل بأن الغاية تبرر الوسيلة فى سعيها المحموم نحو حيازة المزيد من الأموال والثروات ، وأن هذه الحركة الإجتماعية العمياء صارت أشبه بحركة قطعان الحيوانات البرية حينما تتهددها المخاطر ، وأن هذه القطعان البشرية فى حركتها الهستيرية فقدت الكثير من قدرتها على التمييز بين الخطأ والصواب وبين الحلال والحرام وبين الحقوق والواجبات ، بل وفقدت مجرد القدرة على التحكم فى سرعتها وتوقيتاتها بعد أن شخصت أبصار من فيها نحو بريق الغاية الذى أفقدهم الإحساس ــ مجرد الإحساس ــ بأنهم فى طوفانهم هذا لايطأون أرضـًا وإنما يطأون أنبل وأسمى وأجدى لبنات الوطن ألا وهم الشرفاء بكل أحلامهم وقيمهم ومستحقاتهم وطموحاتهم التى هى فى مجملها أحلام مصر وقيمها ومستحقاتها وطموحاتها .
لايعلم الرئيس حتمًا أن المجتمع المصرى فى أغلبه قد فقد فعليًا الكثير من ملامح هويته وخصوصيته العربية الإسلامية ، بعد أن صار بفعل فاعل مجتمعًا مسخـًا مستنسخـًا من فضلات الحضارات الأخرى فى مشارق الأرض ومغاربها ، مجتمعًا لايمتلك فى جيناته المكتسبة المقومات الواجب توافرها فى صناع الحضارات بقدر مايملك مقومات هادمى الحضارات ومتسولى مقومات البقاء .
لقد تبين لى بما لايدع مجالاً للشك أن ثمة جرائم كبرى ترتكب مع سبق الإصرار والترصد فى حق مصر وشعبها ، ومن أسف أن هذه الجرائم التى تنخر فى بنيان الأمن القومى بصورة مباشرة وعلنية لا أملك إثباتها ، لالكونى أتوهم وجود هذه الجرائم المعلومة للعامة قبل الخاصة ، وإنما لطبيعة هذه الجرائم المحفوفة بأسوار منيعة من الحماية والحصانة جعلت من الصعب ــ إن لم يكن من المستحيل ــ إثباتها أللهم إلا فى حالة واحدة ألا وهى أن يراها المرء رأى العين ، وهى حالة متاحة للرئيس إذا أراد ذلك ــ وأكرر إذا أراد ــ إذ ما على سيادته إلا أن يتخفى مراعاة لدواعى الأمن ، ثم أن ينزل بنفسه إلى واقع الحياة فى مصر ، حيث سيرى ويسمع مالم يره ومالم يسمعه طيلة ثلاثين عامًا من العزلة التى لاتخترقها سوى بعض التقارير التى لانعلم مدى مصداقيتها فى التعبير عن هذا الواقع .
إذن فالرئيس قادر ــ إن شاء ذلك ــ على التثبت من صدق ما كتبته وما سأكتبه إذا نزل إلى أرض الواقع حيث سيرى ويسمع مايلى :ــ
1 ــ أن الأسرة المصرية التى هى أساس المجتمع لم تعد على صورتها التى نصت وحرصت عليها المادة 9 من الدستور ، فقد تفككت أوصالها وانهارت قيمها الدينية وتبدلت طبائعها وتقاليدها الأصيلة الرصينة بفعل فاعل ، الأمر الذى أدى إلى زيادة مطردة فى حالات الطلاق والخلع والعنف الأسرى حتى من جانب الأبناء تجاه والديهم !!
2 ــ أن الشارع المصرى ــ والأماكن العامة على اختلافها ــ صارت طاردة للشرفاء بعد ن تفشت فيها كل صور الخروج على الآداب العامة والضوابط القانونية بدءًا من مظاهر الاختلاط السافر بين الجنسين وانتهاءً بشيوع مختلف صور الإتاوات والرشاوى التى صارت تطلب فى بجاحة وكأنها حق وتمنح فى سماحة وكأنها واجب تحت رعاية وحماية بعض شاغلى الصفوف الدنيا من أجهزة السلطة التنفيذية بل وتحت سمع وبصر المجتمع بكل فئاته وسلطاته التى تكاد تفقد فاعليتها وهيبتها فى مواجهة جحافل وسطوة الفساد ولمفسدين !!
3 ــ أن مبادئ المساواة بين جميع المواطنين فى الحقوق والواجبات بما فيها مبدأ سيادة القانون التى نصت عليها مود الدستور أرقام 40 ، 64 صارت أقرب مايكون إلى حيز الشعارات الخطابية والوعود الإنتخابية منه إلى حيز التطبيق الفعلى ، إذ بات من المسلمات فى أذهان المواطنين البسطاء أن ثمة فئات استثنائية إكتسبت بمرور الزمن مواقع استثنائية فوق القانون ، وتأتى على رأس هذه القائمة الفئوية الإستثنائية نجوم ونجمات المجتمع من كبار المسئولين وذويهم وكذا أباطرة المال والأعمال وكذا نجمات الرقص ومن على شاكلتهن وكذا لاعبى الكرة ، فقد أكدت الأحداث اليومية أن أحدًا من هؤلاء لايسأل ، وإن سئل فلا يعاقب ، وإن عوقب فبأخف العقوبات ومع إيقاف التنفيذ ، حتى وإن كانت أخطاؤهم تتجاوز حدود الأمن القومى كما حدث فى قضية المبيدات المسرطنة ، وكما حدث أكثر من مرة قضايا التعدى بالسب أو بالضرب على أحد ممثلى السلطات الدستورية فى أثناء تأديته لواجبات وظيفته !!
4 ــ أن تفشى ظاهرة الوساطات والمحسوبيات والرشاوى تكاد تكون قد أجهزت بصورة شبه تامة على مبدأ تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين دون تمييز ، وهو المبدأ الذى نصت عليه المادة رقم 8 من الدستور التى اعتبرت تطبيق هذا المبدأ أحد مسئوليات الدولة تجاه مواطنيها ، وهو أمر لايخفى مدى خطورته وتداعياته على دعائم الأمن والسلم الإجتماعى بين مختلف الفئات والطبقات ، إلا أن الخطورة الأكبر يمكن استشعارها حال نفاذ هذه الجرثومة الوبائية إلى حيث المؤسسات الوطنية ذات الصلة المباشرة بالأمن القومى ، لما يتطلبه الإلتحاق بهذه المؤسسات والعمل فيها من مقومات خاصة وموضوعية باتت بكل أسف فى المرتبة التالية بعد أن أزاحتها تلك الجرثومة الخطيرة عن مرتبتها الأولى وفق العديد من المشاهدات والدلالات التى تتردد على ألسنة المواطنين فى عالم الواقع ..
أما بعد . فقد بقيت فى الختام كلمة أتوجه بها إلى كبار المسئولين ، وأخص منهم بالتوجه هؤلاء الذين اعتادوا أن يبدأوا يومهم وأن ينهوه بعبارة " بناءً على توجيهات الرئيس " رغم علمهم أن الواقع يختلف فى الكثير من ملامحه عن توجيهات الرئيس وتعليمات الرئيس ووعود الرئيس !!
أيها السادة .. لاعيب إطلاقـًا فى ألا تمتلكوا مجموعة الأفكار والرؤى والسياسات الجديرة بتصحيح المسيرة وإنجاز الآمال والطموحات الكبرى ، فالأفكار والرؤى والسياسات متاحة ، ولكن العيب كل العيب أن تتعالوا على مايتيحه لكم الآخرين من أفكار ورؤى وسياسات ، والعيب كل العيب أن تطول بكم الأعوام وأن تطول علينا بكم دون أن تبروا بوعودكم من أجل مصر وشعبها ، بل ومن أجل أنفسكم ومكانتكم فى الدنيا والآخرة !!
__________________
الكاتب/ ماجد ضيف
كاتب محظور
"إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
|