جمال علي عبدالواحد إمام مسجد علي بن أبي طالب بمدينة طامية بالفيوم لقي ربه شهيدا وهو ساجد يصلي بعد أن ضربه حجاج علي صابر بسبب خلاف فقهي أي أن لغة الحوار وصلت بالمهزوم إلي قتل الفائز بحكم منطقه وحجته وفهمه الصحيح للدين.. هكذا قال الجيران.
اهتمت وسائل الاعلام بالحادث من زاوية واحدة وهو التطرف الذي أودي بحياة بريئين لا بريء واحد. فالمقتول شهيد بلا نقاش. والثاني ضحية بلا جدال.. علي انني من المؤمنين بأن التفاصيل تحمل المعني الأعمق حتي وإن دل العنوان علي المجمل العام.
تقول التفاصيل إن الاعتداء جرت وقائعه أثناء صلاة الظهر. وأن المصلين هم الذين سلموا القاتل إلي أجهزة الأمن وأن السادة المصلين قد حملوا الإمام جريحا إلي مستشفي طامية العام وأن مستشفي طامية العام بعد السؤال والجواب والفحص الظاهري وربما التعمق أكثر في الكشف علي المصاب قرر الأطباء الذين يقيمون في مستشفي عام يخدم الملايين أن حالته لا علاج لها في المستشفي الهزيل.
نقل الإمام وجراحه تتفاقم إلي مستشفي الهرم أو مستشفي الهلال لا أتذكر ولكن الأهم انه قطع المسافة من الفيوم إلي القاهرة في أكثر من ثلاث ساعات وكان الرجل يتنفس وينزف أيضا وفي احدي هاتيين المستشفيين اللذين يخدمان الملايين فحص الأطباء الحالة فقرروا أن جرحاً غائراً في الرأس لا علاج له فيها وقرروا نقله إلي القصر العيني ومن أي من المستشفيين نقل الجريح نازفا ما تبقي من دمائه إلي القصر العيني.
في القصر العيني لم يمنح الجريح فرصة لأطبائه كي يفحصوه وربما لو نالوا هذه الفرصة لقالوا انه لا علاج له وبالطبع لكم أن تتصوروا عملية نقله هذه المرة كم استهلكت من الوقت حتي وصل إلي القصر العيني وهذا هو مربط الفرس كما يقولون. فالمتطرف اتخذ نصف قرار قتل الإمام وقامت وزارة الصحة بالنصف الباقي وبنجاح.
ورغم الجولات الفجائية التي لا يملها وزير الصحة حاتم الجبلي ورغم جهوده في اصلاح الأحوال الطبية إلا أن الحادث يؤكد أن الوزير يحل المشكلة من نهايتها. فالأصل في القضية هو الامكانيات المادية. إذ اننا نزخر في بلادنا بامكانيات بشرية في القطاع الصحي توصف بأنها غنية. فالمستشفي العام الذي يخدم ملايين البشر يكون قد شارك في قتل الامام عندما قرر أن علاجه غير متوفر في أي من المستشفيات التي نقل إليها.
ورغم صعوبة المقارنة فإنني أتذكر عندما كنا وفدا اعلاميا في أحد فنادق لوس انجلوس واصطدم زميل لنا يعمل مذيعا بالتليفزيون بأحد الأبواب الزجاجية فسقط علي الأرض.. انقلبت الدنيا ولم تقعد.. فحوص وأطباء وأشعات. وكنا مندهشين لهذه السرعة التي تم علاج الأمر بها.. صحيح لسنا في أمريكا ولكننا أيضا لسنا في مدغشقر.
إن مجرد تصور كم عاني الإمام ليصل إلي ربه يؤكد لنا انه حتي الموت في بلادنا ليس "بالساهل" كما يقولون. وحادث الإمام ليس هو الوحيد الذي نستطيع أن نري فيه مهزلة الموت البطيء. فالحوادث اليومية التي ينقل ضحاياها بين عدة مستشفيات حتي الوصول إلي القصر العيني ومن ثم الوصول إلي أقرب مشرحة أكثر من أن يعد أو يحصي. أما هذه الحالة فإن التطرف استخدم الإهمال في تنفيذ قرار الإعدام.