لـــن أكـــــبر يـــا أبـــــي .......
الدكتور عبد الستار قاسم
عبر طفل فلسطيني اسمه عميد من مدينة نابلس وله من العمر ثماني سنوات عن نفسه لأبيه بالقول بأنه لن يكبر. سأله أبوه عن السبب فأجاب بأن المدرسة لن تبدأ بموعدها المحدد العام الدراسي القادم ولن ينتقل إلى الصف الأعلى وأن عمره بالتالي سيبقى كما هو إن استمر منع التجول. هذا أبلغ تعبير تلقائي سمعته من طفل فلسطيني نابلسي يخضع تحت منع التجول المتواصل منذ أكثر من شهرين. رأى الحياة العامة متوقفة والألعاب الصيفية التي تتخلل الإجازة المدرسية لا تتم ممارستها بصورة اعتيادية، وقدر أن المدرسة لن تبدأ بموعدها فاستنتج ثبات الزمن وبالتالي ثباته العمري عند حد معين.
هذا الطفل بليغ ومفكر لأنه ربط الزمن بالنشاط. إنه بالتأكيد لا يدرك الأبعاد الفلسفية والمغزى العملي لجملته لكنه يعبر عن قدرة كبيرة على الربط بين النشاط اليومي على المستوى العام وبين التقدم في الحياة، وربط عمره استنتاجا بهذا التقدم. لا تقدم في العمر بدون التقدم في الحياة ولا تقدم في الحياة مع منع التجول ولا رفع لمنع التجول في ظل الاحتلال، والنتيجة أن الاحتلال الصهيوني عدو الحياة ويحول دون تقدم الطفل في السن.
لا يدرك الطفل مفهوما مجردا للزمن ولا يعي تماما بأن الزمن يمضي سواء كنا في حالة اليقظة أو النوم أو حالة الكسل أو النشاط. لا يدرك أن الزمن مستقل عن كل شيء بما في ذلك الإنسان، وأنه يجري دون توقف غير ملتفت لأحد أو لظروف وأوضاع، لكنه يدرك تماما أن الزمن يعني النشاط، وإذا كان للنشاط أن يتوقف فإن الزمن يفقد عجلة الدوران. النشاط هو المحرك الذي يغذي الزمن بالطاقة وغيابه هو الفرامل التي تعود بالحركة الزمانية إلى نقطة الصفر. الزمن بالنسبة له تابع للنشاط ويعتمد عليه. لا زمن بدون حركة، ولكن ليست أية حركة وإنما حركته هو. النشاط بالنسبة له ذاتي والحقيقة ذاتية وما عدا ذلك يقاس حسب ما يرسمه في ذهنه أنه الحقيقة. الحقيقة الموضوعية ليست إلا مجرد ما يرتبط به هو بما في ذلك الزمن.
وربما كان في ذهن الطفل أيضا أن المكان يتحجر وأن هذا العالم كله هو نابلس ولا مكان آخر إلا شبيها بنابلس. لا أعلم تماما ماذا كان يدور في ذهنه وفيما إذا تخيل أن العالم كله يخضع لمنع التجول وأن المكان قد فقد معناه لأن التنوع فقد وجوده. لكنني على الأقل متأكد أن المكان بالنسبة له أصبح محصورا بشارع الشهيد سمير الأغبر الذي يقيم فيه والذي تنحصر مظاهره الحركية برتابة يومية متمثلة بأطفال يقودون دراجات هوائية في مساحة محصورة جدا وبأصوات مدرعات ودبابات يعكر هديرها الهدوء العام الذي يسود الحي وأصوات باعة يتسللون بطريقة أو بأخرى يروجون لخضار وفواكه وذلك من أجل تحقيق دخل متواضع يسدون به رمق أسرهم. وربما يتسللون أحيانا مع صحافيين يأتون الحي بسبب وجود فندق يأويهم. لكنه وأترابه يرتفعون بأعناقهم كلما سمعوا ضجة دبابة أو ملالة ليعرفوا وجهتها ونوعها وقدرتها على الحركة السريعة. ولا تخلو مشاهداتهم من التعليقات والجمل التي تعبر عن رغباتهم في الانتقام وإلحاق الهزيمة باليهود الغزاة.
الزمن متوقف في تلقائية الطفل ولا بد أن المكان يحيره أو أنه لا يكتسب معنى محددا. ولا أدري بالتحديد ماذا تعني الزمكانية (ربط الزمان والمكان) بالنسبة له. إنه يربط مكانه الخاص بالسكن وبالدبابات الصهيونية، لكنه ليس من الواضح فيما إذا كان يعمم خاصته على كل مكان. وليس من الواضح فيما إذا كان يظن أن الزمن قد توقف بالنسبة لأطفال نابلس فقط أم لكل أطفال فلسطين أو العرب أو العالم. لم أشأ أن أسال عما في رأسه خشية أن تعكر فلسفتي التي تزيد عن اللازم صفو ما يدور في خلده.
لكنني علمت على الأقل من إشارة عابرة أنه على استعداد أن يقوم بعملية استشهادية انتقاما حسب قوله من اليهود ومن أجل توفير حياة أفضل لأترابه. لا حياة مع هؤلاء اليهود ولا مجال لإزالتهم إلا بالقوة التي تتمثل في ذهنه بالعمل الاستشهادي. تقديره أن العمل الاستشهادي يهزم اليهود ويقود بالتالي إلى انتهاء منع التجول وعودة النشاط وحركة الزمن مما يعيد الحياة إلى أصدقائه الأطفال ويعودون إلى النمو من جديد. أي أن عميد يربط في النهاية النمو بالقوة وكأنه ذلك المؤرخ العظيم الذي قرأ سير الأمم ووجد أن الأمة الضعيفة كتلك النبتة التي لا تصلها أشعة الشمس فتترنح وتذوي وتموت.
هذه هي الانطباعات التي تزرعها الدبابات الصهيونية في أذهان أبناء فلسطين. هكذا يريد "الإسرائيليون" تحقيق الأمن لأنفسهم والسيطرة على الفلسطينيين. ولهذا لا غرابة بأن أمن "إسرائيل" تدهور مع الزمن ولم تعد أيام الهدوء قابلة للرجوع. "إسرائيل" أقل أمنا الآن مما سبق ومستقبلا ستكون أقل أمنا من الآن. إنهم يتصرفون بطريقة ترتد عليهم وكأنهم يحفرون قبورهم بأيديهم. ربما يظن بعض العرب أن اليهود الصهاينة أذكياء كما يظن اليهود بأنفسهم أنهم أهل الحكمة. نعم، هناك أعمال آنية يقوم بها اليهود الصهاينة تشير إلى ذكاء في التخطيط، لكنني كأستاذ في الفكر السياسي لا أجد من هو أشد غباء منهم. إنهم يظنون أن البطش والقهر يؤدي إلى استسلام الفلسطينيين، وأنهم بقوتهم العسكرية قادرين على إخضاع أمة مترامية الأطراف ينتظر أبناؤها اليوم الذي يتخلصون فيها من قياداتهم الفاشلة. إنهم كفأر يتعبط جبلا يريد أن يهوي به إلى القاع.
تدرك "إسرائيل" أن أمنها لن يستقر لها وأن السنوات القادمة عجاف. تريد ضرب الفلسطينيين والعراق وسوريا وإيران وتستنجد بالولايات المتحدة للتنفيذ السريع. لكنها ستجد هي والولايات المتحدة كما وجدتا من قبل أنهما تزرعان المزيد من البغضاء والكراهية ولن تجنيا إلا المزيد من المعاناة وعدم الاستقرار. والظلم في النهاية يرتد على صاحبه على الرغم من الآلام التي يلحقها بالآخرين
========
منقول من منتدى صوت فلسطين
تحياتي
