|
المواطنة .. ماهى ولمن ؟! مقال لم ولن تنشره الصحف المصرية
المواطنة .. ماهى ولمن ؟!
السامع عن المآسى يقل درجة فى إدراك حقيقتها عمن يراها ، وكلاهما يقل درجات عمن يعيشها ، ولاشك أن الكثيرين بيننا تحل بهم المآسى ، ولاشك أن بعضنا حين يرى تلك المآسى أو يسمع بها لاتحرك فيه ساكنـًا ، وظنى فى هذا البعض أن الرحمة قد نزعت من قلوبهم بعد أن تقطعت قنوات الإتصال بين حواسهم ومراكز إحساسهم فتبلدت مشاعرهم وصارت قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة ، فتراهم وكأنهم صمٌٌ عمىٌ رغم أن لهم آذان تسمع وعيون ترى ، ومن أمثال هؤلاء من رأيناهم يتقافزون ويتعانقون ويتبادلون الهمسات واللمسات فى مدرجات الكرة إبان الدورة الإفريقية التى تزامنت وفاجعة عبارة الآلام التى راح ضحيتها ما يزيد عن ألف ضحية !!
إن مصيبتنا فى هذا الصنف المتبلد تصل أقصاها حين يكون أحدهم شاغلاً لموقع من مواقع المسئولية التى يفترض فى شاغليها أنهم معنيون بقضاء مصالح الناس وتحقيق آمالهم المشروعة وتخفيف آلامهم إحقاقـًا للحق وإبطالاً للباطل ..
وقد علمنا أن المصطفى صلى الله عليه وسلم قال فى اثنين من أكثر أحاديثه تداولاً : " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضـًا " و " مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " ، فأين نحن الآن من ذلك البنيان أو ذاك الجسد الساهر المحموم ؟ أين نحن من هذا السمو فى زمن التدنى والسفه والإنحدار الذى تنساب فيه أموال الكثيرين من الأثرياء والسفهاء فى يسر وسهولة لتصب فى الحسابات البنكية للاعبى الكرة وغانيات التمثيل والرقص والغناء وأشباههن وأمثالهن من هوامش المجتمع وفيروسات الحضارات ، فى ذات الوقت الذى تتزايد فيه باطراد واضح أعداد ساكنى الأرصفة والخرابات والقبور ، وفى ذات الوقت الذى عجزت فيه المستشفيات عن استيعاب أفواج المرضى من ضحايا التلوث المائى والغذائى والهوائى ، وفى ذات الوقت الذى تمرد فيه الكثير من أبنائنا وبناتنا على قيم الشرف والأمانة والفضيلة بعد أن تبددت آمالهم فى حياة كريمة حاضرًا ومستقبلاً ..
إن أسوأ مافينا أننا لانعرف ماهى قضايانا ، وإذا عرفناها جهلنا أولوياتنا ، وإذا عرفنا أولوياتنا جهلنا كيفية التعامل معها والتعاون على إنجازها !!
إننا فى الكثير من الحالات نبدو حين تصدينا لقضايانا وكأننا نتعامل مع اللحظة الراهنة فى معزل عن سابق الزمان ولاحقه ، إن الهدف ليس مصر والغاية ليست مرضاة الله ولكن الهدف هو إرضاء الرئيس ضمانـًا للغاية وهى البقاء فى السلطة ، والنتيجة الحتمية هى المزيد من التخلف والفشل المتراكم الذى أخشى أن يصل بنا إلى نقطة اللاعودة وكأننا أشبه بذلك المزارع الذى تكاثرت الفئران فى أرضه وأضرت بزراعته فأخذ يفكر ويفكر فى طوق النجاة فهداه فكره القاصر ونظره القصير إلى إطلاق مجموعة من الثعابين فى أرضه ولكنها ما إن قضت على الفئران حتى ازدادت قوة وشراسة وشراهة فلما تبين لها أن الفئران قد نفدت شقت طريقها إلى البلدة وقضت على المزارع وأبنائه وجيرانه فصرنا بصدد أرض صالحة ولن بلا زراع !!
إن أولى أولوياتنا كانت وينبغى أن تظل هى ذلك الإنسان الراغب فى العطاء والبناء ، إن هؤلاء البناؤون هم صناع الحضارات ، إن هؤلاء الشرفاء هم حاملوا ألوية الولاء والإنتماء ، إن هؤلاء الأوفياء هم أهم عنصر فى معادلة التنمية والنهضة وهم أولى الناس برعاية الدولة وحمايتها ..
إننى على يقين بأن نهضة مصر بل ونهضة الأمة كلها لن تحققها أقدام لاعبى الكرة ولن تنجزها لحوم الجيف التى تطل علينا من أجساد الكاسيات العاريات من أهل التمثيل والغناء والرقص ومواليهم ، ولكنها يقينـًا سوف تتحقق بسواعد وعقول الشرفاء الذين طال ظمأهم لحقوقهم المشروعة والمستحقة فيما يسمى بالمواطنة ، إذ ماهى المواطنة إن لم تكن هى حق كل إنسان شريف فى حياة آدمية كريمة تحفظ له كرامته حال صحته ومرضه وحال قدرته وعجزه وحال حياته ومماته ؟!
إننا سوف نظل مخطئين فى حق المواطن ومعنى المواطنة وتعريف الوطنية إذا ظللنا نطالب الناس بأن يتغنوا مرددين ( ماتقولشى إيه إدتنا مصر ونقول حاندى إيه لمصر ) ، إن العطاء ينبغى أن يكون متبادلاً فحينما ينشد الناس الشرفاء قائلين (مصر هى أمى نيلها هو دمى) ، فلا بد أن تفتح لهم مصر أحضانها وأن تدعوهم فى لهفة قائلة ( بالأحضان بالأحضان بالأحضان ) فهذه هى المواطنة وتلك هى الوطنية وذاك هو الوطن .. والله أعلم
( هذا المقال رفض نشره بأغلب الصحف المعارضة والمستقلة التى سبق لى النشر فيها )
__________________
الكاتب/ ماجد ضيف
كاتب محظور
"إن الله لايغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"
|