|
الصحافة بين نشر الرذائل و كتمان الفضائل
قديماً قال الشاعر :
إذا رأوا سُبةً طاروا بها فرحاً ...... عنى و ما علموا من صالحٍ دفنوا
و نحن الآن نشهد من التطبيق العملى لهذا البيت ما يجعله حقيقةً لا شك فيها .... فحين نكون فى مجلس ثم يأتى حديث مكرمة من المكارم لإنسان فاضل يمر الحديث عابراً لا تعقيب عليه , بل ترى فى بعض الوجوه ما يدل على التبرم , و كأن هذا المتبرم يستشعر أن مدح غيره هو فى ذاته انتقاص له . .....أما إذا ذكرت هنة من الهنات تلصق بمن نعرف أو بمن نجهل فالأسماع متيقظة و الأفواه منطلقة و التعقيبات لا تقف عند حد .
و ننتقل إلى صحافتنا الذائعة فنجد أن الأمر لا يختلف لديها عن وضعه فى المجالس العامة .......
كلنا نقرأ صفحات المآثم التى لا تنقطع مزودة بالصور و أسماء الشهود و تعليقات الفهماء من المحللين. حتى ليأحذ الحدث المنكر صفحة تامة بأكملها , ثم يعاد النشر إذا جد جديد من العثور على شاهد أو وجود وثيقة دالة !
و لكن مأثرة رائعة لطالبين نبيلين فى مدرسة تجارية عثرا على مائة و خمسين ألف دولار ( أكثر من ثمانمائة ألف جنيه) فتقدما بها إلى السفارة اليابانية عن طريق ناظر المدرسة الذى وجد فى الأوراق اسم السائحة المسكينة فاتصل بسفارة بلدها كى تحضر و تتسلم ما يخصها و كانت فى حالة من الإنهيار التام . فلما جاءها البشير هرعت إلى المدرسة و حاولت أن تقدم للتلميذين ما تعورف عليه من المكافأة المالية (10% من المبلغ) فرفضا كل الرفض ! رفضا خمسة عشر ألف دولار ( أكثر من ثمانين ألف جنيه ) عن طواعية لأنهما قاما بواجب لا يحتاج القيام به إلى مكافأة ......و حين علم السيد وزير التربية و التعليم كرّم التلميذين و أثنى على أخلاق مصر التى تجلت فى سلوكهما ! و كل ذلك جاء فى عدة سطور نشرتها الصحف !
أفما كان من الأجدر أن تنشر فى كل الصحف دون استثناء صفحة كاملة تشيد بطهارة هذين الناشئين الكريمين , كما ينتقل المحرر إلى منزلى الطالبين و يأخذ حديثاً و صورة للوالدين و الأسرة تشجيعاً لهذا العمل المبرور ,....
إن الصحف تنتقل يوم ظهور نتيجة الثانوية إلى منازل الأوائل و تُظهر صورة الوالدين و الإخوة مع الطالب الفائز....و هذا محمود فى ذاته و لكن النجاح الخلقى أهم و آثر من النجاح العلمى .
....و دع الصحافة و اسأل كيف مضت فى صمتها الإذاعة مرئية و مسموعة ! ..أليس عقد ندوة مع أساتذة أفاضل لتكريم هذين الطالبين أولى من حديث تافه عن ممثل ناشئ أو ما يشبه دعاية رخيصة يقوم بها مذيع ليسأل ممثلة لم تعرف بعد ماذا تأكل و من أين تشترى الملبس؟
.....و كم كان جميلاً من وزارة التربية و التعليم لو أنها صورت الطالبين الأمينين عبد الرحمن فوزى وجوزيف رشدى فى جلسة مع السيد وزير التربية و التعليم ثم أرسلت نسخاً من هذه الصور إلى المدارس المصرية لتعلق فى صحف الحائط بها فيقرأ كل تلميذ ما صنع زميلاه و يلمس من اهتمام الوزارة بإذاعة الأمر ما يجعله مشرئباً إلى مثل هذا الصنيع ، و بذلك نعطى الدرس العملى للناشئة المسكينة التى لا تسمع و لا ترى إلا فجائع السرقة و شنائع الإغتصاب و أهوال الجرائم فى الأسرة الواحدة التى يكون أبطالها الإبن و الزوج و الأخ و الأم و الأب ! وهى فظائع لا تكاد تصدق لولا أنها واقع ملموس .....
من مقال الإفتتاحية بمجلة الأزهر (شعبان 1429-- أغسطس 2008 )
د. محمد رجب البيومى
|