دخول الانتفاضة الفلسطينية المباركة عامها الثالث كان أمس خبراً أساسياً في كل النشرات الإخبارية على الفضائيات العربية، الأمر الذي يعني أننا في خارج حدود فلسطين المحتلة فخورون بهذه الانتفاضة وسعداء بتواصلها ونشعر أنها النسغ الوحيد الذي يسري في جذور الأمة مستمداً قوته من عهود الأنبياء والخلفاء الراشدين والفاتحين المنصورين، ولتتكامل الصورة وتبقى في إطارها المرجو سقط شهيدان في فلسطين أحدهما من أراضي ما بعد أوسلو والآخر من أراضي ما قبل 48وكأن هذه الشهادة وثيقة ارتباط جديدة قديمة بين أرجاء وطن كامل كان قبل 54عاماً لا يعرف المعابر والحواجز وصوت الرصاص الطائش وسرينة الإسعاف التي لا تكل.
نعم دخلت الانتفاضة المباركة عامها الثالث ونحن ننظر بعين الخوف على نتائج غير مرغوب فيها قد تطيح برونقها الغالي.. أوسلو كانت نتاج الانتفاضة الأولى وبسببها صار للاجئين المتغربين المغربين عن أرضهم غزة وأريحا، وظلت المستعمرات تنبت في هاتين المنطقتين دون التفات لكل احتجاج أو رفض أو استنكار عربي أو أممي وبعد اثني عشر عاماً عجافاً من توقيع الاتفاقيات وعودة رؤوس اللاجئين ها أن الرئيس في مقر مهدم محاصر لا يملك من أمر نفسه ولا شعبه شيئاً.
فعلام يمكن أن يتفاوض هذه المرة؟
لقد سئمنا التنازلات، سئمنا أن تقابل أرواح الشهداء المنثورة في كل أرجاء الوطن الكامل بكل هذه الاستهانة، فجعنا كثيراً في مقدار لا يستهان به من التراجع والمفاوضات العقيمة وخط يتوازى مع الانتفاضة لكنه يسير عكسها تماماً.
لماذا ينتفض الشعب؟ لماذا يسقط شبابه وأطفاله ونساؤه وشيوخه شهداء مضرجين في دمائهم وأشلائهم الممزقة؟ هل من أجل بضعة سنتيمترات جديدة؟ أم من أجل المحافظة على بعض الأمتار القليلة التي ما كان لهم يوماً حق الأمن فيها؟
لماذا تقدي البيوت التي يسكنها العوز وينهش الجوع أرجاءها الشهيد تلو الشهيد؟ لماذا قامت الانتفاضة؟
سؤال المليار للشعوب كلها.. سؤال ضاع في زحام التنازلات والأحداث الخلفية التي تدور في متاهات السياسة العجيبة.. سؤال أصبحت الإجابة عنه تحمل من المأساة أكثر مما تحمل وتتحمل قلوب الثكالى والأرامل واليتامى والمعوقين والمجوعين والمحاصرين والأسرى في سجون تشابهت، بعضها يحكمه عدو وبعضها الآخر يديره أخوة.
لماذا نريد للانتفاضة أن تستمر؟ حتى يرحل آخر صهيوني عن أرضنا؟ حتى يغادر آخر مستوطن أملاكنا؟ أم أن الدم الفلسطيني المسفوح على الطرقات وأعمدة التعذيب صار بلا هدف وأصبح بلا قيمة.. هل ينتفض الناس هناك من أجل الحرية؟ أم من أجل لقمة العيش المغمسة بالذل، أم أنهم ينتفضون لأن هذا قدرهم ولأنهم اعتادوا على اللعبة الدموية فصاروا يمارسونها حتى بعد أن بيعت القضية وملأ الضباب الطريق والأفق؟ شعب عجيب هو الشعب الفلسطيني.. باسل حتى النخاع.. لا يمل من الأمل رغم دياجير المفاوضات التي تجري باسمه.. لا يزال يتنفس انتفاضته، ولا يزال يقدمها مثالاً لكل عربي نشأ في عهود السلام المتعاقبة، فلم يعرف معنى أن يجاهد عدواً، أو يكافح محتلاً..
ولابد لليل أن ينجلي
ولابد للقيد أن ينكسر
(h8h) (h8h) (h8h)
منقـــــــــــــــــــول .
