|
عدم موالاة غير المؤمنين
يتناول الموضوع بيان دستور هام، وقاعدة أساسية؛ تفتح عيون المسلمين، وتوقظ قلوبهم على عدو شديد الخطر، عظيم الأثر، يعمل داخل بلاد المسلمين وبالقرب منه، وإذا أتته الفرصة ضرب ضربته، وأوضح الكثير من مؤامرات اليهود في العالم كله، وتناول أهمية مفهوم الولاء والبراء ودلائله.
قال تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ [118]{ [سورة آل عمران].
◄ إن هذه الآية الكريمة دستور هام، وقاعدة أساسية؛ تفتح عيون المسلمين، وتوقظ قلوبهم على عدو شديد الخطر، عظيم الأثر، يعمل داخل بلاد المسلمين وبالقرب منه، وإذا أتته الفرصة ضرب ضربته، وأبدى صفحته وكشر عن أنيابه، ولم يرع في المسلمين إلاًّ ولا ذمة.
◄ والآية الكريمة وثيقة الصلة بما قبلها وما بعدها من الآيات، وهي من مثل قوله تعالى:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ [100]{ [سورة آل عمران]. هذه تنهى عن الطاعة مطلقًا، والآية التي نحن بصدد تفهمها وتدبر معانيها، تنهى عن اتخاذ بطانة من غير المسلمين، وهذا الاتخاذ وسيلة ذات خطر كبير في التأثير في المسلمين، وإيقاعهم في أحابيل قد تؤدي بهم إلى الشر الكبير، فآية النهي عن الطاعة عامة تشمل كل وسيلة تؤدي إلى الطاعة، والآية الكريمة ـ هذه ـ خاصة في حال معينة قد تؤدي لا إلى حمل المسلمين إلى طاعة الكافرين فحسب بل قد تؤدي إلى ضياع سلطانهم وتمزق أمرهم.
◄ وفي سبيل إيضاح شيء من إعجاز هذه الآية الكريمة ـ التي تحذر المسلمين من الطوائف المعادية للمسلمين عامة ـ ننقل شيئًا يسيرًا من عمل اليهود ومكرهم في العالم كله- فضلاً- عن العالم الإسلامي:
يقول مؤلف كتاب 'الدنيا لعبة إسرائيل' ـ وهذه الكتاب جدير بالمطالعة مؤلفه ضابط أميركي عمل في المخابرات الأمريكية زمنًا طويلاً وجاب البلاد طولاً وعرضًا، وهو يقول: إن أبحاثه استمرت أربعين عامًا حتى وصل أخيرًا إلى لب الحقيقة، والكتاب مترجم إلى العربية ـ بشأن القضية الفلسطينية في أول ظهورها 'ص 195': 'وضعت الصهيونية السياسية نُصب عينيها تحقيق الهدفين التاليين:
1- إجبار دول العالم على الاعتراف بالوطن القومي لليهود في فلسطين، وبالتالي إنشاء دولة مستقلة تكون هي وطن المؤامرة وقاعدة المستقبل.
2- تأمين السيطرة على ثروات المنطقة بأكملها .
كانت الخطوة الأولى إصدار وعد بلفور عام 1917م الذي تعهدت بموجبه إنكلترا وفرنسا والولايات المتحدة بتأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين، وتلا ذلك فورًا بدء التنفيذ العملي: فأصدرت الأوامر إلى الجنرال اللنبي قائد الجيش الإنكليزي في الشرق الأوسط بطرد الأتراك من الشرق الأدنى واحتلال الأراضي المقدسة ـ أي فلسطين ـ وقد قامت السلطات البريطانية بعملية غادرة فتفادت الكشف عن تصريح بلفور حتى تمت جميع العمليات الحربية بمعونة العرب .
أما المرابون الماليون اليهود: فما أن تم احتلال فلسطين حتى طلبوا من الحكومة البريطانية تعيين لجنة صهيونية في فلسطين، وتعيين مندوبيهم السياسيين أعضاء لها، على أن تكون مهمة هذه البعثة تقديم النصح للجنرال كلايتون الحاكم العسكري لفلسطين.
وقد باشرت هذه اللجنة عملها بالفعل في آذار 1918م وكان أعضاؤها الرئيسيين:
الكولونيل أورمبسي رغور: الذي عين فيما بعد مديرًا لبنك ستاندارد في جنوب إفريقية، وهو البنك الذي يسيطر على مناجم الذهب والماس في جنوب إفريقية. كما أنه هو الذي يمول أيضًا سياسة التفرقة العنصرية التي تتبعها تلك البلاد .
الكولونيل جيمس دي روتشلد ابن أدموند دي روتشيلد رئيس الفرع الفرنسي لأسرة روتشيلد، ومنشئ تل أبيب وعدد من المستعمرات اليهودية. وقد أصبح جيم سدي روتشيلد عضوًا في مجلس العموم البريطاني من 1919 ـ 1945 ثم عينه تشرشل وزيرًا للشئون البرلمانية في حكومته .
الملازم أدوين صموئيل اليهودي الذي عين مديرًا للرقابة البريطانية في حكومة تشرشل أثناء الحرب العالمية الثانية، وعندما تأسست إسرائيل عام 1948 عين مديرًا للإذاعة الإسرائيلية.
المستر إسرائيل سيف الذي لعب دورًا مجهولاً من أخطر الأدوار في الحياة السياسية البريطانية المعاصرة، فقد أصبح فيما بعد رئيس لجنة التخطيط الاقتصادية والشئون السياسية للوزارات المتعاقبة في الحكم . حاييم وايزمان: وهو لا يحتاج إلى تعريف ...- إلى أن يقول المؤلف :-
بدأت المفاوضات أخيرًا في مؤتمر السلام فكانت مهزلة شبه مكشوفة أسقط فيها سادة المال العالميون القناع وبدأ نفوذهم جليًا. ولسنا بحاجة إلى كبير جهد لتوضيح ذلك؛ إذ يكفي أن تذكر أن رئيس الوفد الأمريكي كان بول واربورغ وهو اليهودي الممثل الرئيسي لمجموعة المرابين العالميين ـ اليهود في أمريكا ـ ولم يكن رئيس الوفد الألماني سوى شقيقه بالذات ماكس واربورغ].
ثم يقول المؤلف : [يسهل علينا والحالة هذه أن ندرك كيف تحول مؤتمر السلام إلى مؤتمر استعماري شرس، وكيف وافق دون تردد على كل القرارات ذات الغايات الخبيثة، أو ذات النتائج الخطرة ... وفيما يتعلق بفلسطين فقد وضع مشروع الانتداب الإنكليزي عدد من كبار الصهيونيين العالميين وعلى رأسهم:
البروفيسور فيليكس فرانكفورتر : وهو يهودي صهيوني أصبح فيما بعد مستشارًا رئيسيًا في البيت الأبيض في عهد رئاسة فرانكلين روزفلت .
السير هربرت صامويل: وهو أول مندوب سام في فلسطين بعد احتلال الانكليزي.
لوشيان وولف : المستشار الخاص لرئيس الوزراء الإنكليزي لويد جورج].
◄ كل هذا يبين لنا كيف يتلاعب اليهود بالعالم كله وليس ذلك كله إلا حين نامت أعين الرجال وغفت قلوب المؤمنين .. وهكذا يتبين لنا أن على المسلمين أن يحذروا أفراد المجتمعات المناوئة المعادية.
◄ إن الغالب على المجتمعات التي لا تؤمن بالإسلام:
أن تظل على جاهلية وكفر وبُعد عن الخلق الكريم .
ولا تقيم للحق وزنًا ولا ترى للمثل الفاضلة حقًا.
ويغلب عليها المتسلطون الطامعون الماكرون.
ويساق فيها الضعفاء سوقًا إلى طاعة أسيادهم وأتباعهم؛ ولذا كان عداؤها للمجتمعات الإسلامية قائمًا على معاداة الشر للخير والباطل للحق، والشر لا يرضى أن تعلو دولة الخير، والباطل لا يطمئن إذا غلب صوت الحق.
ولذلك كان بين دعاة الإيمان ودعاة الباطل نزاع دائم وكان بين المجتمعات القائمة على الحق والمجتمعات القائمة على الشرور صراع مستمر .
وعلى المؤمنين أن يعرفوا هذا ويستيقنوه ويؤمنوا بأن الذين لا يقبلون كلمة الحق لابد وأن يتعرض المؤمنون لكيدهم وعدائهم، وقد يستثني من هذه القاعدة أناس لم يتضح الحق لهم جليًا وهم ليسوا على طوية سيئة، ومثل هؤلاء يتقبلون الحق ولا يعادونه. وقد قال تعالى في شأنهم إقامة للعدل في أعلى درجاته: }لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[8]{ [سورة الممتحنة].
وإذا بحثنا بالمجتمعات غير الإسلامية عن هؤلاء الذين لا يقاتلون أفراد المجتمع الإسلامي ولا يعادونه، لرأيناهم في ندرة تامة، ولو بحثا في أيامنا الحاضرة لوجدنا الناس جميعًا يرمون المسلمين عن قوس واحدة، فالمجتمعات الأوربية والأمريكية والنصرانية، باستثناء أفراد على ندرة تامة، والشيوعية والاشتراكية والصهيونية كل هذه ترى في الإسلام عدوًا لدودًا تخشاه ونحمل له أشد الكراهية، ويصدق على هؤلاء جميعًا قوله تعالى: }قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ[118]{ [سورة آل عمران]، وهم كما ذكر الله: أعداء، ألداء.
◄ وفي الموضوع نفسه: قوله تعالى:} يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ[1] إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ[2]{ [سورة الممتحنة]. الآية الكريمة:
نهت عن موالاة المشركين.
ونهت عن إلقاء المودة إليهم.
وبينت أن من يتخذ الكافرين أولياء فقد ضل سواء السبيل.
◄ ولم تقدم النهي خاليًا عن بيان أسبابه، ولم تطلب أمرًا من غير إظهار حججه بينة قاطعة:
أولاً: قد كفروا بما نزل على المؤمنين من الحق.
ثانيًا: أخرجوا الرسول والمؤمنين من ديارهم بغير حق، لا لسبب إلا لإيمانهم بالله ربهم.
والأمر الثالث: هؤلاء إن يظفروا بالمؤمنين؛ فليس لهم ومنهم إلا العداء، والحرب، وبسط الأيدي بالقتل، وبسط الألسنة بالشتم.
والأمر الرابع: إن هؤلاء لا يقرون ولا يستقرون حتى يعود المسلمون إلى الكفر .
◄والآية الكريمة التي نحن بصددها: تنهى المؤمنين أن يتخذوا بطانة من دونهم، والمراد بالبطانة هنا: اليهود والمنافقون وجميع أصناف الكفار .
|